بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، أبريل 16، 2011

الجزيرة لا تصنع الثورات، الجزيرة تغطيها


الجزيرة لا تصنع الثورات، الجزيرة تغطيها. صدقت. لكن كيف تغطيها؟ هذا هو السؤال. لأنها الفضائية العربية الأولى إخباريا؛ فإن المشاهد العربي يتوسم فيها المصداقية كما تعود منها. فهو لا يريد أن يعرف التحليل من القنوات الغربية الموجه و الناطقة بالعربية لأن لها غرضها. المشاهد الواعي قد يعيب على الجزيرة أداء ما، و عليها أن تتقبل (الرأي و الرأي الآخر) و تستجيب لمشاهدها و تحترمه. فهذا الأداء سيضاف لتاريخها. عندما تقدم الجزيرة تقريرا جيدا، نشكرها دون تأليه، و عندما تقدم تقريرا سيئا، ننتقدها دون تسفيه. قناة الجزيرة ليست ملاكا، و لا شيطانا. إنها فضائية إخبارية عربية. و اعتقد الناس أن الثورة السورية قد ولدت الجمعة الماضية لسببين: أولهما أن الأعداد كبيرة جدا و في معظم المدن، و السبب الثاني أن الجزيرة قامت بتغطيتها. نعم، لولا تغطية قناة الجزيرة لاستمر معظم الناس (الذين لا يعرفون غيرها مصدرا) بوصف ما يحدث في سوريا بأنها أحداث أو (مشاجرة في مقهى) كما وصفها الإعلام السوري نفسه. الآن سنجد ناشطي الانترنت (فيسبوك و تويتر و المدونات و....) يتناقلون الأخبار و الفيديوهات و الصور بكثافة. يبقى أن نعرف لماذا يتغير الأداء؟

مصر (ثورة على ضفاف النيل):
و قد حدث ذلك مثلا في انتخابات مصر 2010 لمجلس الشعب حيث كان هناك اتفاق مسبق بناءا على اتفاق رئيس مصر المخلوع و قطر بعدم معالجة الانتخابات إعلاميا بالجزيرة بصورة تحريضية. التغطية لم تكن مناسبة للحدث. حيث رددت رأي الحكومة في نزاهة الانتخابات أكثر من عرض الأراء التي تتحدث عن التجاوزات. و كلما اتصل أحد على الجزيرة مباشر ليتحدث عن التجاوز أسكتته المذيعة بأنهم لا يقبلون تجنيا دون دليل (تكرر الأمر مع سوريا كما سنرى). ثم تبعها التغطية الجيدة جدا أثناء الثورة المصرية حتى أن الجزيرة مباشر أعطت الحرية لكل المشاركين في انتقاد مبارك حد سبه علنا و كانت نبض الشارع المصري. لكن اتساءل ببراءة لماذا بعد نجاح الثورة خصصت الجزيرة مباشر مصر و لم تخصص تونس التي سبقتها في التحرر؟
ليبيا (عدتم و العود أحمد):
أول يومين في أحداث ليبيا، لم تقم بتغطية جيدة، أو حوارات ذات ثقل بخصوص ليبيا. بعد يومين تحسن الأداء؛ فاتصل مفكر ليبي مهاجر بالجزيرة مباشر ليشكرهم. و قال لهم (عدتم و العود أحمد). و لا ننسى الحديث الشهير بين (محمد كريشان) و (إيمان عياد) و نائب وزارة الخارجية الليبي (شلقم).
اليمن (أغلقوا المكتب لكن الأداء جيد جدا):
التغطية جيدة جدا، و أعجبني أداءهم في يوم تصوير مصابي اعتداء الجمعة. حيث عرف العالم كله الخبر من الجزيرة. لكن للأسف أغلق مكتبها بعد يومين تقريبا. يتصل أحد الموالين للرئيس اليمني منكرا عليهم عدم إذاعة المظاهرات الموالية للحكومة، فترد المذيعة افتحوا لنا المكتب و نحن ننقل. و قد نقلوا عن قناة سهيل و غيرها من المقاطع المنتشرة رغم المنع.

سوريا:
قام موقع الجزيرة الإلكتروني بحذف ملفين عن مجازر نظام الأسد الأب ضد شعبه في حماة و سجن تدمر حيث نشرا قبل انتفاضة 15 آزار بخمسة أيام ثم حذفا بعدها بيومين. لماذا تأخرت الجزيرة في تغطية أحداث (درعا) و اقتحام المسجد العمري؟ أعطتها عشر ثوان فقط بعد 4 ساعات من حدوثها. و هذا دون المستوى كما و كيفا. بينما باقي القنوات غير العربية (بي بي سي، و فرانس 24....) عرضت الخبر و مقاطع الفيديو التي وردتها و اتصلت بناشطين من داخل سوريا بعد منتصف الليل و قاموا بتحليل الخبر. بعدها كادت تكذب كل شهود العيان الذين استطاعوا الاتصال بهم؟ و بعد اعتراضات و انتقادات المتابعين و المتصلين اضطرت (لأنها بالمقام الأول قناة أخبار) أن تعرض أخبار الأحداث مشيرة إلى أنها نقلا عن وكالات. تعللوا مرارا بأنهم لا يعرضون مقاطع فيديو غير مؤكدة، و أن ليس لهم مراسل في سوريا؟ (ربما قالوا بعدها لم يسمح له بدخول درعا لا أذكر تحديدا). بعد أيام اضطروا لأن يلخصوا ما حدث في (درعا) باعتباره نقلا عن شهود عيان على صفحتها الإلكترونية. و كان تقريرا جيدا جدا، لكنه جاء متأخرا جدا.

الجزيرة الإنجليزية أفضل أحيانا: 

ننتقل لقناة الجزيرة الإنجليزية. حيث مع بدء الأحداث أخذت في تقديم برنامج عن حكم آل الأسد و القبضة الأمنية و التقت بناشطين و محللين. أخذ هذا البرنامج منحى معتدلا و برهن على أن سوريا دولة بوليسية و هناك فساد و أن ما يحدث هو انتفاضة. لم تكن التغطية كما يجب عموما، إلا انها أفضل من الجزيرة العربية. يقال إن الطرح الاجنبي للجزيرة يتناسب مع من يتابع أحداث العرب من الأجانب؛ لهذا لم تغفل الخلفية الأمنية و القمعية لآل الأسد التي يعرفها الجميع. بينما الكثير من العرب لم يعرف الكثير عن حماة و تدمر حيث لم يكن حينها إنترنت و لم يسمح بدخول الإعلام الأجنبي إلا بعد حين. لهذا نصيبنا أن يحذف ملفين عن مجزرة، و نصيب الأجانب برنامج عن حكم آل الأسد القمعي. لا أراها إلا كيلا بمكيالين. 

من هو مراسل الجزيرة الإنجليزية؟
اكتشفت وجود مراسل لقناة الجزيرة كان يعمل قبل ذلك في السي إن إن و له خبرة بالمنطقة العربية و يعرف اللغة العربية إلى حد ما، و التحق بهم في يناير 2011 أي من بدء الاتفاضات العربية. فماذا كتب؟ كتب الكثير على صفحته، إلا أنهم اختاروا القليل ليعرضوه في الجزء العربي. كتب عن (درعا) التي أحيطت بقوات الجيش و منع من الوصول إليها ليلة الجمعة. سخر من عدد القوات المهول و تجهيزها العالي حين قال:

( إنه من عامين كان دورية مقاتلة بالجيش السوري على طول الحدود العراقية: كان هناك أسلحة وقوّة نارية أقل في هذه الرحلة، مما رأيت اليوم في درعا).
تحدث بصراحة على صفحته عن طريقة تعامل الحكومة السورية حين قال:

(أحيانا أفضل فيديو في عيون الحكومة السورية هو لا فيديو على الإطلاق.)

Turned back in DaraaBy Cal Perry in Middle East. On March 31st, 2011.
((Sometimes the best video in the eyes of the Syrian government is no video at all.))
((I explained it to him like this, “two years ago I did a combat patrol with the Syrian Army along the Iraqi border: there were less weapons and firepower on that trip, than I saw today in Deraa.”))

و كانت المفاجأة يوم الجمعة 15 أبريل 2011، حيث عرضت الجزيرة كل مقاطع الفيديو التي تنتشر على الانترنت أيا كان مصدرها و تاريخها!. و خصصت أحداث سوريا كخبر أول في معظم نشراتها قبل ليبيا مثلا. و تزامن هذا مع أداء أفضل في محاولة أخيرة لملاحقة القنوات الأخرى بعد شهر من بدء الأحداث في سوريا. و طبعا شكرهم المتصلون.

التغطية المنحازة  قد تسيء للثورات أكثر من إفادتها. ربما يكون الصمت أيضا نوعا من التواطوء. لكن التغطية المعتدلة أو حتى تبني الخدمة الإعلامية للثورة يعد سلاحا من الأسلحة التي تساعد على النجاح. الإعلام و وسائل الاتصال الحديثة أدوات و أسباب في نشر الخبر و التحليل الإخباري. فتؤثر سلبا أو إيجابا في المتابعين. أما أن تغفل القناة عمدا خبرا و لا تعطيه المساحة المناسبة مثل خبر اقتحام المسجد العمري فضلا عن إعادة الرواية الرسمية الكوميدية عشرات المرات يعد تحيزا و يتنافى مع مصداقية القناة الإخبارية. تكرر هذا مع مسلسل (العصابة المسلحة نصف الملثمة). للأمانة، فإن لقاء الجزيرة مع مفتي سوريا كان مفيدا و كان أداء المذيع متألقا و صادقا.

لهذا كان علينا أن ندعو قناة الجزيرة القطرية ألا تكون صوتا رسميا للإعلام السوري لمجرد أنها داعمة لسياسات سوريا أو لأسباب أخرى لا نعلمها. فالشعب العربي يتفق و يدعم سوريا في الممانعة و المقاومة. لكن لا يجب أن يكون ذلك ذريعة للصمت الإعلامي على قمع المتظاهرين.  كما أن دور قناة الجزيرة في الثورات كما أشادت وزيرة الخارجية الامريكية و غيرها أمر لا يستهان به لدرجة أن القناة نفسها أذاعت هذا الخبر. فكيف تتعمد أن تفقده بتغطية غير جيدة؟ 

و نصيحة للمشاهدين: لا تعتمد على فضائية واحدة. فالفضائيات لا تسيرعلى وتيرة واحدة حتى لو قالت أنها محايدة. لأن الإعلام يراعي بعض المصالح و التوجهات و الدبلوماسية في عرض المواضيع.

ليست هناك تعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...