بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، يونيو 05، 2011

مجزرة البونسة و تخاذل الغرب 2

In this July 14, 1995, photo, refugee Ferida Osmanovic from Srebrenica is found hanged in a forest outside the UN base at Tuzla airport. The woman, who looked to be in her early 20s, had hanged herself with a torn blanket. More than 10,000 refugees from the UN safe haven of Srebrenica, captured by the Bosian Serbs, arrived in Tuzla. Bosnia Serb commander General Ratko Mladic announced that approximately 40,000 residents had been cleared from their homes in Srebrenica. (Darko Bandic/Associated Press) #


Bosnian refugees from Srebrenica cry over their missing men in the refugee camp at the Tuzla airport in a July 14, 1995, file photo. Bosnian Serb wartime general Ratko Mladic was arrested in Serbia on May 26, 2011, after years on the run from international genocide charges. (Wade Goddard/Reuters)#


Bosnian Muslim woman Alic Mina cries near the grave of her son, Mihrudin, before a mass funeral in the village of Memici on June 1, 2011. The remains of eight people, victims of an "ethnic cleansing" campaign that former Bosnian Serb military commander Ratko Mladic is accused of instigating, were retrieved from mass graves in Zvornik and buried during the mass funeral. Mladic was extradited to the Netherlands from Serbia on June 1 after 16 years on the run. (Dado Ruvic/Reuters)#


لقد جئت لأرض البوسنة لأكتب تقريرا صحفيا لمجلة أمريكية حول (التطهير العرقي) دون أن أفهم جيدا حتى المعنى المقصود من هذا التعبير. و انتهى بي الأمر إلى العودة إلى المنطقة مرات و مرات.
قال السينمائي البوسني أدمير كينوفيتش: (لمجرد أن النار تضرم في الدور الأرضي فإن ذلك لا يعني أن ساكني الأدوار الأعلى لن يشعروا بلهيبها في النهاية). و ذلك حين رفض الخروج من سراييفو ليوثق الحصار.
كانوا يقتلون بصفتهم مسلمين و يطردون من بيوتهم بوصفهم مسلمين. و لقد قال لي صديق من سراييفو ذات مرة: ( في البداية، كنت يوغسلافيا. ثم أصبحت بوسنيا. و الآن أصبحت مسلما. و لم يكن الخيار خياري. إنني لم أكن ذات يوم متدينا. و لكن بعد مقتل مائتي ألف، ما الذي تريدني أن أفعله؟ إن على كل إنسان أن يكون له بلد ينتمي إليه).

لقد عقدت الحكومات الأوروبية عزمها على أنها لن تفعل أي شيء للبوسنة أكثر من توفير الإغاثة الإنسانية.

كما قال (حارس سيلازتش) وزير الخارجية، ثم رئيس الوزراء، مرارا و تكرارا: ( إن ما يحدث هو إبادة جماعية. لقد اختار كثير من الناس في أوروبا أن يسموها حربا. و لكنها ليست بالحرب، إنها مجزرة).

قال لهم السكرتير العام للأمم المتحدة (بطرس غالي) في زيارته اليتيمة نهاية عام 1992م ما معناه أن (البوسنة) هي حرب الرجل الأبيض أو الغني. لقد وبخ أهل (سراييفو) المدهوشين قائلا: ( إنني اتفهم خيبة أملكم و لكنكم في وضع أفضل من عشرة أماكن أخرى من العالم.. و استطيع أن أعدد لكم القائمة)، ثم غادر المدينة. (!!!)


(لم أكن أشعر فقط و كأنني عدت من أرض الأموات، بل كأنني أيضا أصبحت كمن بعث بعد الموت)


صحيح أن منظر ثمان و ستين من الموتى و حوالي مائتين من الجرحى في السوق المركزي في (سراييفو) ولد استجابة أخيرا ... لكن كان هناك الكثير من أمثال تلك الصور من قبل و سيكون هناك الكثير في المستقبل. فإلى متى ستستمر اهتمامات الناس العاطفية؟ شهر؟ سنة؟

(و علي أية حال كان معظم السياسيين يميلون للتراخي من البداية. و كانت ملاحظة ( بسمارك ) الساخرة حول أن أهل البلقان لا يستحقون حياة سمكة الفرناد السليمة من بويرانيا هي أشهر عبارة).


و عن لقاء في أحد معسكرات اللاجئين يقول المؤلف:
(استمر الصمت طويلا كما يحدث غالبا في مثل هذه المواقف؛ هناك دائما شيء مخجل عند القيام بمثل هذه اللقاءات، إنه الشعور بأنك تسترق النظر، و أنت تقترب من خسائر الناس: متى غادرتم؟ ماذا حدث لعائلتكم؟ كم عدد قتلاكم؟ و المغتصبات؟ و المعذبين؟ لم تكن هذه الأسئلة على نفس طريقة النكتة المريرة للصحفي البريطاني الذي وصل إلى مسرح الفظائع قائلا: هل اغتصبت إحداكن، و تتكلم الإنجليزية؟ و لكن الوضع كان قريبا من ذلك).

يقول شخص من (كرواتيا): (و لكن على الأقل فقد أعطانا (تيتو) قليلا من فرصة التنفس. و عندما أمسك (ميلوسيفيتش) بالسلطة في (بلجراد) و بدا في تحويل الاتحاد اليوغسلافي إلى دولة متمركزة في بلجراد، فقد أصبح من غير المتصور الاستمرار في بقاء (كرواتيا) جزءا من (يوغسلافيا)....)
يقول المؤلف:
و بحلول عام 1993، و في كل أنحاء (يوغسلافيا) السابقة، وصل هذا الفهم الذي كونته كل الجماعات عن نفسها بوصفها الضحية التاريخية للمجموعات الأخرى إلى الحد أن الوضع الوحيد المقبول لكل منها هو البراءة المجروحة، و بهذه الروح، أعلن (بافليتش)...كان الاستشهاد الصربي عقيدة زائفة و مجيزة لمصلحتهم الذاتية أدت بالصرب لارتكاب الجرائم الفظيعة...تقول النكتة في (يوغسلافيا) لماذا أكون أنا الأقلية في بلدكم، بينما يمكن أن تكون أنت أقلية في بلدي؟)
(بدا أن المهمة الأساسية عند القوميين تكمن في خلق أو تضخيم الاختلافات بأكثر من الموجود فعلا. لقد فصلت العداوات التاريخية بين الكروات و الصرب كمجتمعات على فترات مختلفة في تاريخهم.)
(عندما يذهب المرء إلى قرية كان قد حدث فيها قتال، فقد كان من الأسهل أن تأخذ درسا في التاريخ من أن تحصل على وصف موثوق لما حدث في نفس اليوم. فلم يتحدث الصرب فقط من خلال الأحاديث المتلفزة و البيانات الصحفية عن هزيمتهم على يد الأتراك في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، بل تحدث الكروات كذلك عن مملكة (كرواتيا) التي زالت في القرن الحادي عشر، و أيضا تحدث المسلمون عن البوجوميليين.)
***
و هذا تقرير وصفي للتطهير العرقي، أو رؤية شاملة:
( تحولت المنازل و قرى بأكملها إلى ركام و كان السكان الأبرياء يذبحون بالجملة مع أعمال عنف لا تصدق و سلب و وحشية من كل لون- كانت تلك هي الوسائل التي استخدمت و مازالت تستخدم من قبل جنود الصرب و الجبل الأسود بهدف التحويل الشامل للشخصية العرقية (لتلك) المناطق، و بعد أن يهدأ القتال في أي منطقة معينة و يتم طرد السكان المحليين الباقيين على قيد الحياة يتم جلب المستوطنين الصرب و أبناء الجبل الأسود و غالبا من على بعد مئات الأميال ليحلوا محلهم و يسكنون في المنازل – تلك التي لازالت قائمة - التي يمتلكها الناس الذذين أجبروا على الفرار. كذلك كان تحويل الأماكن العامة يتم بشكل جذري. كانت المساجد تدمر بالنار و المتفجرات لتحويلها في كثير من الحالات إلى مواقع إنشائية حيث يبدأ أفراد المليشيا من الصرب في وضع الأساس لكنائس أرثوذكسية و التي كان تشييدها معيارا على انتصارهم لا يقل أهمية عن قتل أو تشتيت السكان غير الصربيين).
هذا التقرير الوصفي ليس معاصرا. فهو مأخوذ من (تقرير البعثة الدولية لبحث أسباب و مسيرة حروب البلقان) الصادر عن منحة (كارنيجي) للسلام الدولي عام 1914. و ما حدث في (البوسنة) و (كرواتيا) منذ 1991 لم يختلف كثيرا في الأيدولوجية و الأسلوب عن ذلك الذي حدث في أوائل القرن في كثير من نفس المدن و القرى و حدث مرة أخرى أثناء الحرب العالمية الثانية. و لكن كان هناك وهم أوروبي – تولد عن التمنيات و الرضا الذاتي الذي أصاب أجزاء كثيرة من أوروبا الغربية حتى جعل انهيار الشيوعية كل شخص يفكر مرة أخرى- في أن الناس في القارة القديمة و حتى في البلقان لن يستمروا في ذبح بعضهم البعض بمثل هذا الانتظام.
***
كان الناس يجيئون من كل أوروبا ليشاهدوا العروض، (مارسيل مارسو) و مسرح (يارما) التجريبي و (سكوبولين) برلين. و كان (زياد) صديقي هو المخرج، و هو مسلم مثلي و لكن رفقته كانت مختلطة تماما- صرب كروات و مسلمين و شاب نصف يهودي-، و لم يكن هناك غرابة في ذلك. كان الأمر طبيعيا؛ فقد كنا جميعا مختلطين على أي حال. فقد تزوجت ابنتي من كرواتي- و هما في زغرب مع والديه و الحمد لله. يقولون إن شعبنا كان منقسما إلى أعداد متساوية من الصرب و المسلمين و مجموعة من الكروات، و لكن معدل التزاوج بيننا كان مرتفعا لدرجة أنني اعتقد أن هذه الفوارق ستكون غير ذات معنى بعد جيلين لأي شخص باستثناء قليل من عجائز المتعصبين و بعض الريفيين) ثم توقف: ( لكن ذلك لن يحدث مطلقا الآن. فإذا قدر لنا أن نعيش فسنعيش كل في حيه الخاص –الصرب هنا، و المسلمون هناك، و الكروات في مكان آخر. يقول (كارادزيتش) أننا مثل القطط و الكلاب، و لكننا لسنا حيوانات، إننا آدميون. أو على الأقل آمل أن نكون كذلك. فأحيانا لا أكون متأكدا من ذلك. أحيانا أظن أن ما يجري الآن هو الحقيقة الإنسانية و أن الغربة كمنت في كيفية معيشتنا قبل أن يبدأ هذا. ربما أن (كارادزيتش) عبقري أو على أقل تقدير على صواب. هل تعلم ما حدث لمسرح (زياد)؟ حسنا، قبل الحرب كان لزياد مسرح، و هو برغم كلامه اللاذع، شخص عاطفي، (تابع) و هو ممثل صربي شاب. كان المسرح جمعية تعاونية و لم يكن بعض الممثلين يريدون انضمامه و لكن (زياد) أصر. و كان الشاب لطيفا. و على أي حال فعندما بدأت الحرب اختفى لأيام قليلة ثم عاد إلى المسرح، و في هذه المرة بمسدس في حزامه و في يده ورقة رسمية. كانت الورقة تخوله أن يصبح مديرا لمسرح (بانالوكا) للعرائس، يمكنك أن تخمن البقية. كان (زياد) أول من فصلوا).
***
قال جندي صربي للمؤلف:
قاطعه رفيقه موجها كلامه لي: ( لماذا تكرهون أنتم الأمريكان الشعب الصربي الآن؟ كنا حلفاء في حربين عالمتين نقاتل معا. فلماذا تساندون الفاشيين؟ هذا وضع سيء. يجب أن نكون أصدقاء) و توقف ثم قال (يقول كثير من رفاقي أن أمريكا أصبحت بلدا سيئا. أنا لا اعتقد ذلك. إنني اعتقد أنكم لم تفهموا ما حدث هنا. هل تعرف شيئا عن معركة (كوسوفو) عام 1389؟) لا بد أنني كشرت لأنه هز رأسه، و امسك بمعصمي و قال (لا، في الحقيقة إنه أمر مهم. أنتم الأمريكان لا تهتمون بالتاريخ و لكن عليكم أن تهتموا. الصرب لديهم التاريخ فقط. فلخمسمائة عام، كنا نحن الصرب ندافع عن الحضارة الغربية ضد الأتراك و قد فعل (فوك كارادزيتش) ذلك في القرن التاسع عشر و يفعل ذلك الآن قائدنا (رادوفان كارادزيتش(. إننا جميعا نفعل ذلك، جميعنا! و مع ذلك تجعلون منا العدو، و هذا خطأ). و ترك معصمي و ربت على ظهري بلطف ثم قال (الأمر لا يهم: دعنا لا نضيع الوقت في الكلام عن الأتراك الملاعين فإننا سنتشاجر. دعنا نطلب شرابا آخر).


و عن المفوضية العليا للاجئين بالأمم المتحدة يقول المؤلف:
كان هذا هو النامط الغالب في أنحاء البوسنة و هو أن يرفض الصرب باديء الأمر السماح بمرور المساعدة، ثم يطلبون أن يحصلوا على نصيب، و ترفض الأمم المتحدة باديء الأمر في إصرار على أن يكون التوزيع على أساس الحاجة، ثم يكسبون الوقت، ثم في غالب الأحيان يواجهون الاختيار بين مرور المساعدة أو ألا تدخل المساعدة، ثم يرضخون لمطالب الصرب.
جاء الجيران و أخبروه: (إنك مثقف، و الشتنيك يقتلون جميع المرموقين المسلمين. و عليك أن تهرب. اذهب إلى نهر (السافا) فالتيار ليس قويا هناك. و أنت تستطيع السباحة و النجاة بحياتك). لكن أخي رفض، و قال: (لن أغادر؛ فلم أفعل أي شيء ضد أي شخص. إنني حتى لست مسلما متدينا؛ فأنا أشرب الخمر و آكل لحم الخنزير). و بذلك فقد بقى، و أتى الجنود، و قتلوه كما سبق و حذره القرويون. ثم استطرد يقول: ( و الآن أظل أفكر في موته، و لكني لا استطيع الكراهية. إنني لا استطيع الكراهية. إنني أحيانا أتضرع إلى الله و أنا مسلم غير متدين أن ياتي و يزيل من وجه الأرض أولئك الخنازير الذين قتلوا أخي، و لكني أدرك أنني لا استطيع أن أرفع إصبعي للمساعدة في إزالتهم. إنني اتساءل طوال الوقت هل أنا على حق في أن أكره؟ هل أنا على حق في التمسك بمشاعري العالمية؟ أظن ذلك.)

قبل بدء القتال كان يوجد تقريبا ألف مسجد في (بوسانسكا كرايينا). و بحلول شتاء 1994 بالتأكيد لم يكن هناك أكثر من مائة و ربما أقل كثيرا. و حتى مسجد (فوهايد) الكبير، وهو ربما أجمل مثال على العمارة الإسلامية في البلقان في القرن السادس عشر لم يسلم كذلك. فعلى مدى السنة الأولى من القتال كان يقف، غير بعيد من الميدان الرئيس في المدينة، كأثر على كل من الماضي الإسلامي و الحاضر المسلم ل (بانيالوكا). لقد تم تشويه جانب من واجهته بصليب مخدوش طبع على كل طرف فيه أربع حروف C (و هي حرف س في الأبجدية السيريلية) تمثل الشعار (الوحدة وحدها تنقذ الصرب) و لم يكن في ذلك شيء لافت للنظر. فقد كان أي ممكن لغير الصرب أو مساحة في متناول اليد على أي حائط في القرى و المدن التي استولى عليها التشتنيك ملطخا بذلك الصليب الأرثوذكسي و تلك الحروف الأربعة مصحوبة غالبا بالحروف JNA (الجيش القومي اليوغسلافي) و عبارة تفاخر أو الأسماء الأولى للجنود. لكن أحدا من معظم أهل (بانيالوكا) – الصرب و غير الصرب على السواء – أو الصحفيين الزائرين و عمال الإغاثة لم يكن يساوره قلق بشأن المسجد الكبير. فعلى عكس المسلمين أنفسهم بدا آمنا.


و قال (كرادزيتش)، و هو يلوح بذراعه نحو برج كنيسة مجاورة: ( كما ترون، هذه كنيسة كاثوليكية، و هي لم تدمر مثل المسجد تماما. نحن نعيش جميعا في سلام هنا و في كل أنحاء مناطق البوسنة الواقعة تحت الأيام الأولى من القتال
، أسوأ الأمور قد حدثت و انتهت. و في النهاية، ألم يحصل الصرب على كل شيء أرادوه؟ ألا يمثل استنزاف جهد القوات في عمليات اضطهاد السكان غير الصرب أو إضاعة المتفجرات في نسف الكنائس و المساجد من الناحية العسكرية عملا أخرقا طالما أن الحرب مازالت قائمة.
من جانب آخر، بدا الجنرال (ميلاديتش) بالفعل خلال الحرب مقتنعا بأنه قومي صربي في الوقت الذي أظهر عدد محدود من المسؤولين في بالي بوضوح أنهم أعطوا إجازة لإحاسيسهم كلية. أما (بيليانا بلافيتش) و التي كانت بغير حد أغرب المجموعة فقد استقبلت مرة (جوزيه ماريا منديلوس)، رئيس المفوضية العليا للاجئين في يوغسلافيا السابقة و هي تشكو من أن ( الرضع الصرب يقدمون أحياء طعاما لحيوانات حديقة الحيوان في (سراييفو). قالت ذلك في اللحظة نفسها التي كان يجازف فيها حراس الحديقة بمحباتهم للذهاب إلى الحديقة لإطعام الحيوانات، و هو عمل بطولي بلا طائل، حيث نفقت جميع الحيوانات أخيرا من الجوع. و حتى (منديلوس)، رغم كونه دبلوماسيا محنكا، لم يستطع حفظ اتزانه العقلي و صاح بلكنته الإنجليزية الثقيلة (يا سيدة (بلافيتش) إذا كان البوسنيون يقدمون الصرب الأحياء طعاما لحيوانات الحديقة، فلماذا تموت حيوانات الحديقة جوعا؟).

بل لقد قام فريق سينمائي تابع لمحطة BBC كان يتابع (كارادزيتش) في صيف 1992 بتسجيل حديث بينه و جنرال (ميلاديتش) و (بيليانا بلافيتش) عن شكاوى الحماية الدولية بخصوص نشاط الصرب الجوي و كان المنظر سيرياليا: يبلغهم (كارازيتش) بالاحتجاج فتقول (بلافيتش) ببساطة ( لم تكن الطائرات في الجو) لكن حتى (كارادزيتش) لم يستسغ ذلك حيث قال لها بغضب (بالطبع كانت في الجو يا (بيليانا)، كنا نطير كالمجانين ذلك اليوم). أما رد فعل (ميلاديتش) فكان أن (ينفلقوا) و ظهر و هو ينقر بأصابعه و غضبه يتزايد من المحادثة كلها. و مع ذلك ففي النهاية تقرر أن يقوم (كارادزيتش) بإعلام الأمم المتحدة بأن الطائرات كانت في الجو لانه كان يوم الاحتفال ب (يوم الطيران) الصربي. أما مسألة ما سيفعلونه إذا لم تقبل الأمم المتحدة التفسير، فلم ترد في الحديث مطلقا.
و كان (كارادزيتش) و (ميلاديتش) و (بلافيتش) على حق في افتراضهم أن على الأمم المتحدة أن تقبل أي تفسير يقدمونه. و رغم أن ما حدث بعد ذلك أثبت أنهم كانوا مخطئين في نشاطهم الجوي إذ تم فعليا تطبيق قرار المناطق التي يحظر فيها الطيران....
كان يتفاخر قائلا: ( إننا نحن الصرب ننقذ أوروبا، حتى إذا كانت أوروبا لا تقدر صنيعنا و حتى لو كانت تلعنه).
جندي صربي يقول:
ظننت أننا نستطيع جميعا العيش معا في سلام في (البوسنة). فقد كان لي أصدقاء مسلمين و بالطبع كثير من التلاميذ. و حتى بعد انتهاء الشيوعية ظننت أن الأمور على ما يرام. إن الأتراك منافقون و ماكرون. كان (عزت بيجوفيتش) يقول شيئا على التلفاز و لكن عندما يتحدث مع أعضاء حزبه يتكلم عن بناء دولة إسلامية هنا في (البوسنة). ابحث عنهم أو ابحث في مجلة حزبهم SDA . إنني متأكد من وجود نسخ في (سراييفو) – ستجد قصصا عن بناء مساجد في كل أنحاء (البوسنة)، في المدن الصربية. و في مؤتمر حزبهم عام 1991 أقسم (عزت بيجوفيتش) أن يستعيد للبوسنة هويتها المسلمة (الحقيقية). فماذا كنت تتوقع أن يفعل الصرب؟


يقول المؤلف:
إن دفع الأفراد إلى القتل ليس صعبا بالدرجة التي يبدو عليها. فالوحشية موجودة في كل حرب أهلية ونادرا ما يكون لها عمق أخلاقي (رغم أنه قد يبدو من قبيل التناقض أن الصراع في البوسنة كان مزيجا من الحرب الأهلية و حرب العدوان، لقد كانت بالغة القسوة كالأولى و أحادية الجانب كالثانية). فما إن تبدأ إراقة الدم فإن المقاتل المفرد يتعطش للانتقام قدر تعطشه للانتصار.
و قد صعب على الأجانب تصديق تلك الروايات في باديء الأمر، و نفاها تماما المدافعون عن الصرب. و مع ذلك فقد ثبت في نهاية الأمر صحة معظم أكثر الروايات فظاعة و التي حكاها مسلمو البوسنة منذ بدء القتال عن عملية التطهير العرقي و هي القصص التي رفضت منذ البداية على أنها مبالغات. كانت الأعداد محل تساؤل. فهل تم اغتصاب خمسين ألف امرأة مسلمة و أجبرت ألوف كثيرة منهن على الإبقاء على ثمار الاغتصاب للنهاية (حيث إن مضامين تلك الخطوة الأخيرة واضحة فبعكس اليهود فإن امتداد العرق للأب محسوم لدى كل من الصرب و المسلمين) أو أن العد كان (فقط) خمس عشرة ألفا؟ و هل كانت هناك عشرات من المعسكرات السرية حيث يذبح المسلمون أو دستة (فقط)؟ أما المذبحة فلم تكن محل تساؤل.

و لا مجال للدهشة إزاء هذا الافتقار للحساب الاقتصادي في (حرب القرى) تلك، أو للدهشة من تدمير المكتبة الوطنية في (سراييفو) و التي لم تكن لها قيمة عسكرية بل كان تدميرها مستهدفا بشكل خاص من قبل المسلحين من صرب (البوسنة) المتمركزين في التلال فوق المدينة أثناء الأيام الأولى.

و كانت إحدى السبل المستخدمة أن تدخل مجموعة من المقاتلين الصرب منزلا، و تأمر الرجل القاطن فيه أن يذهب معهم إلى جارهم المسلم. و على مرأى من القرويين الآخريين، يساق إلى هناك، و يستدعى المسلم للخارج و يعطى الصربي بندقية كلاشنكوف أو سكينا- السكاكين أفضل- و يؤمر بقتل المسلم. فإذا فعل فقد اتخذ الخطوة اللازمة لعبور الخط الذي يهدف إليه التشتنك. أما إذا رفض، كما فعل كثيرون، فالحل بسيط أن يتم قتله على الفور، ثم تكرر العلمية مع الصربي صاحب المنزل التالي، و إذا رفض يقتل برصاصة. و نادرا ما كان يضطر التشتنيك لقتل صربي ثالث. و كما أخبرني مقاتل في (بومانكاكروبا)، و لشدة دهشتي، في طرب متباهيا بهذا التكنيك ( عند البيت الثالث، يرتعدون هلعا، و يسألونك: أين تريد إصابة المسلم؟ و كم مرة؟).

لقد كانت حلقة مفرغة. فالأمم المتحدة تمد الناس بالغذاء و تتركهم عرضة لقصف القنابل، و مجلس الأمن يعلن عن ( مناطق آمنة) لا تعمد قوة الحماية إلى كفالة سلامتها كما لا تملك القوات التابعة لأمم المتحدة القدرة على ضمان هذه السلامة، و ترسل قوافل الإغاثة ضباط حماية إلى الميدان معروف سلفا أنهم لا يستطيعون توفير الحماية.
و يلوم المؤلف أهل (البوسنة) أنفسهم و كبارهم حينما لجؤوا إلى التقوقع و عدم الاحتراز:
كذلك لم يكن الأفراد من أهل (سراييفو) على درجة كبيرة من الانزعاج لما كان يجري في (كرواتيا) في ذلك الوقت. و قد فر كثيرون منهم ذلك بقولهم بأنهم كانوا في غاية الرعب مسبقا بينما كان آخرون اكثر استنكارا لأنفسهم متذكرين في عجب أنهم كانوا ببساطة لا يعتقدون أي شيء مثل هذا يمكن أن يحدث في (البوسنة). و قد قال لي صديق: ( لقد تعودت على تحويل القناة عندما يبدأ بث رسائل إخبارية من (فوكوفارد) لقد كان علي أن أبدي اهتماما أكثر).


الأمم المتحدة تدافع عن نفسها:
و ظل كبار المسؤولين يذكرون بأن التفويض لقوات الحماية التابعة للأمم المتحدة لم يكن لحماية البوسنيين بل لحماية جهود الإغاثة الإنسانية أيا كان اللبس الذي يثيره اسمها.

ليست هناك تعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...