Pages

Friday, March 03, 2023

سجين شيلون للشاعر الإنجليزي لورد بيرون The Prisoner of Chillon BY LORD BYRON

سجين شيلون، للشاعر الإنجليزي لورد بيرون.
تعريب الأستاذ محمود الخفيف
إلى الذين لا يلويهم شيء عما يعشقون من حرية



تمهيد

كتب بيرون هذه القصيدة الجميلة في فندق صغير في قرية بالقرب من لوزان، حيث عاقته رداءة الجو عن متابعة سيره، وقد أثار مرأى ذلك الحصن العتيق (شيلون) في قلبه ذكرى فرنسوا دي بونفارد الذي سجنه فيه دوق سافوي من أجل مبادئه الجمهورية عام 1570م وقد جعله بيرون بطل هذه الأقصوصة الخيالية الرائعة.

- 1 -

لقد علق الشيب بشعري ولكن لم تلده السنون، كذلك لم تبيض رأسي في ليلة كما تبيض رؤوس الرجال بغتهم الرعب.

وتقوست ساقاي. وإن لم يك ذلك عن جهد، بل لقد صدئتا في سكون موبق مهلك، إذ كانتا نهب الدمار في سجن مظلم تحت الأرض.

وكان حظي في هذه الدنيا حظ أولئك الذين لا يجدون في أرضها مضطربا، ولا في سمائها مسرحاً، إذ كان ذلك عليهم محرما.

على أن ما ألاقيه، إنما هو من أجل عقيدة أبي! أجل، من أجل تلك العقيدة أقاسي الأصفاد وأغازل الموت طالبا يده!

ولقد قضى ذلك الأب نحبه مستشهدا على خشبة الصلب، في سبيل مبادئه، التي لم يكن لينثني عنها، وفي سبيل هاتيك المبادئ عينها، يجد أبناؤه مأواهم في ظلمات السجن.

كنا سبعة، نحن الذين تراهم الآن واحداً فحسب، ستة في الشباب وواحداً في المشيب، انتهوا جميعاً كما بدأوا فخورين بما صبه الاضطهاد على رؤوسهم من نقمة.

ألقي بواحد في النار، وهلك اثنان في الميدان، حيث طبع الدم عقيدتيهما بخاتمه، وذهبا كما ذهب أبوهما في سبيل الله الذي أنكره أعدائهم، وألقي بالثلاثة الباقين في غيابة السجن حيث لم يعش منهم سواي أنا. . . حطامهم الباقي.

- 2 -

هنالك في سجن (شيلون) ذلك السجن العتيق العميق، توجد سبعة أعمدة أقيمت على النمط القوطي، سبعة أعمدة ضخمة شهباء، تتراءى كالحة على بصيص منبعث من شعاع كئيب سجين، شعاع من أشعة الشمس ضل طريقه، فسقط من خلال الشقوق في الجدار الضخم على أرض السجن، واخذ يزحف فوق تلك الأرض الرطبة المبللة كأنه خيال المذنب انعكس في مستنقع.

في كل عمود من تلك الأعمدة علقت حلقة، وفي كل حلقة ربطت سلسلة. آه. يا لهذا الحديد من آكل، فهاهي ذي أسنانه لا يزال أثرها في ساقي ولن يزول ذلك الأثر إلا بزوال هذا النهار الجديد، الذي تتأذى به الآن عيناي وتتألمان، لأنهما لم تريا الشمس هكذا تشرق منذ سنوات لا يسعني حصرها، فقد نسيت عددها وغاب عن وعيي تعاقبها الثقيل، منذ أحنى آخر اخوتي رأسه وفارق دنياه، وأنا بجانبه لا تزال تدب في جسمي الحياة!

- 3 -

أوثقونا كلا في عمود من تلك الأعمدة الحجرية وكنا ثلاثة معا، ولكن كل في معزل عن أخويه، ولم نك نستطيع أن نتحرك خطوة واحدة، ولم يك يتسنى لأحدنا أن يرى وجهي الآخرين لولا ذلك الضوء الشاحب الأغبش الذي جعل كلاً منا غريباً في عين أخيه: وهكذا كنا معا وإن كنا في الوقت نفسه منفردين، كانت أيدينا مغلولة مربوطة، ولكن قلوبنا كانت تذوي من الحزن.

على أننا مع ما كنا نقاسيه من حرمان أنفسنا من عناصر الحياة الصافية وجدنا بعض العزاء أن كنا نستطيع أن نتحادث ويسمع كل منا كلام أخويه فيسري كل عن الآخرين بما ينشد من أمل جديد أو بما يذكر من أسطورة قديمة أو بما يتغنى به من نشيد حماسي من أناشيد البطولة ولكن هاتيك التعلات وا أسفاه تسربت إليها في النهاية برودة المكان، وصار لأصواتنا رجع كئيب موحش هو الصدى المرتد من أحجار ذلك السجن، صارت أصواتنا حبيسة ضعيفة ولم تعد كما كانت بالأمس طليقة مليئة. ربما كان ذلك وهما ولكني لم اعد أتبين في تلك الأصوات أصواتنا السوالف.

- 4 -

كنت أكبر هؤلاء الثلاثة، وكان علي أن أشد أزر أخوي وأسري عن قلبيهما، ولقد قمت من ذلك بأحسن ما استطعت، وكذلك قام كل منهما بما وسعه.

وتالله لقد حرك الحزن نفسي من أعماقها، وبلغ الأسى منها كل مبلغ من أجل أخي الأصغر، ذلك الفتى الذي أحبه أبي لأنه كان يرى في جبهته جبهة أمه، وكان يرى في عينه لازورد السماء.

وفي الحق أنه مما يذكي القلوب أسى أن يرى مثل هذا الطائر في مثل ذلك القفص. ذلك لأنه كان جميلاً كالنهار حين كان يبدو لعيني من جمال النهار بقدر ما يبدوا منه لأعين النسور الفتية المحلقة في جو السماء؛ كان جميلاً كنهار القطب، لا يرى الغروب حتى يتصرم صيفه، ذلك الصيف الصاحي الطويل زمن ضوئه ابن الشمس المتشح بياض الثلج.

كان أخي شبه ذلك النهار في نقائه وبريقه وكان عذب الروح يفيض بالمرح، ولا تعرف عيناه الدموع في شيء، اللهم إلا فيما ينال الآخرين من شقاء، وهنالك تفيضان كما يفيض الغدير المنحدر من الجبل، ولن يرقأ دمعه حتى يدفع ذلك الشقاء الذي أزعجه مرآه وأمضه.

- 5 -

وكان الآخر مثله في صفاء الروح، ولكنه خلق محارباً مقداما، فكان قوي البنية، متين الأعضاء، له من قوة الإرادة ما يتحدى به العالم في ساحة الحرب، وكان أشد ما يبهج نفسه أن يتاح له الموت في طليعة الصفوف، لا أن يذوي هكذا في الأغلال.

ولقد أوهن روحه صليل تلك الأغلال حتى ذبلت كما تذبل الزهرة، ورأيتها تتساقط شيئاً فشيئاً، وفي الحق لقد نالني مثل ما ناله، ولكني تجلدت لأبقي على حشاشة هذا البيت العزيز الغالي، وكان أخي هذا صائداً يطارد الغزلان والذئاب على متون التلال، ولذلك كان يرى في هذا السجن أقبح هوة وفي تصفيد قدميه أسوأ عذاب.

- 6 -

كان تقع بحيرة ليمان تحت أقدام ذلك الحصن على عمق ألف قدم. وكانت لججها تتلاطم وتعج حتى لتصل إلى رأسه وتجعل قياس عمقه يبدأ من تلك الرأس البيضاء التي كانت تكتنفها الأمواج من جميع النواحي، وتجعل مع الحائط من الحصن سجنين؛ وتدعه كالقبر الحي!

وكان يقع القبو الذي ألقي بنا فيه تحت سطح البحيرة، وكثيراً ما سمعنا موجها فوق رؤوسنا يلطم الجدران بالنهار والليل ولقد أحسست ثبج الشتاء يضرب القضبان في الريح العاصفة ورأيته ينبعث صعداً نحو السماء الهانئة.

وعند ذلك أرتج الصخر وهو الصخر، وأحسسته يهتز وما هو بالمهتز، ذلك أني كنت حينئذ أستطيع أن ابتسم، أن أرى الموت الذي يطلقني من هذا الأسر!

- 7 -

ذكرت أن أقرب الأخوين إلى مكاني تساقطت نفسه وذوى عوده، وكذلك ذكرت أن قلبه القوي انصدع وانسرقت قوته.

عزفت نفسه عن الأكل وعافته، ولم يك ذلك لما كان عليه من قبح ووحشية، فقد ألفنا طعام الصيد ورضنا أنفسنا عليه.

أبدل ما كنا نشربه من لبن تجود به غنمات الجبل، بماء أتوا به من الخندق، وكان الخبز الذي يلقى إلينا على حال أحسسنا معها كأن دموع الموثقين البائسين قد سقته فألانته آلاف السنين، منذ ألقى الإنسان ببني جنسه أول مرة في الأصفاد كما يفعل بضواري الوحوش!

ولكن ما كان ليضيره ذلك أو يضيرنا، لم يكن ذلك ما أذاب قلبه وفت في عضده، فقد كانت روح أخي من ذلك الطراز الذي تتسرب إليه برودة الموت حتى ولو كان في قصر، إذا حيل بينه وبين شعاب الجبال وجوانبه الحادرة. وليت شعري لم أخفي الحقيقة وأؤجل النطق بها. . . لقد لفظ أخي أنفاسه.

رأيته يموت ولكن وا حسرتاه لم أستطع أن اسند رأسه، لا ولم استطع أن أمسك بيده وهي تموت ولا بعد أن همدت فيها الحياة، لم أستطع شيئاً من ذلك ولو أني تنزيت في الحديد وحاولت عبثاً أن أفك السلاسل واجعل أصفادي شطرين. لفظ أخي أنفاسه، ففكوا سلاسله وحفروا له لحدا قليل العمق، وقد جعلوه هكذا قريب القرار في مثل تلك الأرض الباردة أرض ذلك القبو.

ولقد توسلت إليهم أن يمنوا علي بسلوة لنفسي فيدفنوا جثمانه في بقعة يقع عليها ضوء النهار وهي فكرة سخيفة، ولكنها أوحت إلى نفسي أن قلبه الذي فطر على الحرية لن يجد حتى في ضجعة الموت راحة في مثل ذلك ا وكان أولى بي أن أكفي نفسي عناء هذا التوسل، فما أغنى عني منهم شيئاً، إذ ضحكوا في برود ثم وسدوه وسدوا عليه حيث سجنوه، وهناك رقد ذلك المخلوق الذي أجزلنا له الحب تحت أرض منبسطة لا ينبت فوقها عشب، ترتكز فوقها السلاسل المفرغة والأغلال نصبا ملائما لذلك الاغتيال!

- 8 -

ولكن الآخر، ذلك الفتى الحبيب الذي كان يشبه الزهرة، ذلك الذي أعززناه منذ أن رأت الوجوه عيناه، ذلك الذي كان يحمل صورة أمه في وجه صبوح. ذلك الطفل الذي تحب فيه الطفولة جميعاً، ذلك الذي كان أحب وأعز خيال إلى أبيه الشهير، والذي اصبح في السجن آخر ما بقي لأعنى به، والذي كنت من أجله أجهد أن أبقي على حشاشة نفسي، عسى أن يقلل ذلك من شقاءه وعسى أن تتاح له الحرية يوماً ما؛ أقول حتى ذلك الأخ أيضاً، ذلك الأخ الذي ظل إلى ذلك الوقت محتفظاً بروح ذاتية أو موحاة، غلب على نفسه في النهاية ورأيته يذبل كما تذبل الزهرة على غصنها يوما بعد يوم.

يا إلهي! إنه لمما يبعث الرعب في القلوب، أن نرى الروح البشرية تنطلق مولية في أية صورة وفي أي موقف، ولقد رأيتها من قبل تنطلق في دم مسفوح، ورأيتها في البحر الثائر تجاهد الموج المنتفخ القاذف، ورأيت المضاجع المحتضرة مضاجع الذين أسرفوا على أنفسهم يشيع فيها الهذيان من شدة الهول، رأيت ذلك كله وما حوى من صور مرعبة، ولكن رزئي في أخي كان فاجعة.

لم يصحب موته هول مما أسلفت، وإنما أسلم روحه مستيقنا غير معجل، وتساقطت نفسه ومضى هادئا وادعا، أكثر نعومه في نحوله، وابرز جمالا في ضعفه؛ ذهب غير دامع المقلتين ولكنه عطوف رؤوف، حزين على من خلفهم وراءه؛ سار للموت وفي وجنتيه نضرة بدت كأنها تهزأ بالقبر! ولقد ذهبت صبغتها في رقة وهدوء كما يتلاشى في السماء قوس الغمام؛ سار وفي عينيه بريق يكاد ومضه يضيء ذلك القبو.

مات لم أسمع له غمغمة ولا أنة تحسر على هذا الذي انتابه قبل أوانه. لم أسمع سوى كلمات قليلة عن حياة هي خير وأبقى، وإشارة طفيفة إلى الأمل أراد بها أن يثيره في نفسي إذ قد غرقت في السكون، وأحسست بفقدان روحي في ذلك القفر الذي عظم عندي عن كل قفر.

وأخيرا توانت وتضاءلت تلك التنهدات التي كان يحاول كتمانها، تلك التنهدات المنبعثة من هزال نفسه المتلاشية.

أصخت بسمعي، ولكني لم اسمع شيئاً، فصرخت إذ ذهب الهلع بلبي، فعدت في وحشية المذعور ثم أدركت أني صرخت عبثاً؛ ولكن هلعي ما كان لينهنه بزجر، لذلك عاودت الصراخ واحسبني سمعت صوتا، وإذ ذاك فصمت سلسلتي في وثبة قوية وأسرعت إليه ولكنني لم أجده!

وما فعلت سوى أن رحت أحدق في تلك البقعة القاتمة، وما أحسست سوى أني مازلت حيا وأن رئتي تتنفسان ذلك الهواء الرطب اللعين هواء القبو.

وهكذا انكسرت تلك الحلقة التي كانت تصلني باللانهاية، والتي كانت تربطني بتلك السلالة المضمحلة التي انحدرت منها؛ انكسرت في ذلك المكان المهلك تلك الحلقة الوحيدة آخر الحلقات واعزها جميعا لدي. وبات أخواي أحدهما تحت الأرض والآخر فوقها وكلاهما لا ينبض فيه عرق.

أخذت بيدي تلك اليد التي تدلت هامدة، ولكن يدي وا حسرتاه كانت مثلها في برودتها. ولم أعد أجد في نفسي القوة لأن أتحرك أو أناضل، ولكني على الرغم من ذلك أحسست أني ما زلت حيا، وتملكني ذلك الشعور المضطرم الذي لا يقر، ذلك الشعور الذي يكون مبعثه إدراكنا أن الشيء الذي أوليناه محبتنا لن يعود أبداً إلى ما كان عليه. وليت شعري لم عجزت عن أن أضع حدا لتلك الحياة؟ لم يعد يربطني بالأرض أمل. ولكن ظلت لي فيها عقيدتي وهي التي حالت دون أن أقتل نفسي.

- 9 -

أما ما كان من أمري بعد ذلك، فلست أتبينه تماماً. لا أذكر سوى أنني فقدت شعوري أولا بالضوء ثم بالهواء، وأخيراً بالظلمة نفسها. لم أعد أفكر في شئ أو أحس شيئاً، ووقفت حجراً بين الأحجار. كنت كالصخرة الجرداء يغشاها الضباب، إذ لم يكن حولي سوى الفراغ والكآبة والظلام. لم يعد ثمة ليل ولا نهار؛ حتى ولا ذلك النور البغيض نور القبو الذي كان ينفر منه بصري الكليل، لم يبقى إلا الفراغ الذي فني فيه الكون كله فلا أحس سواه، والوجود الذي لا يرتبط بمكان في معناه!

لم يعد ثمة سماء ولا أرض، ولم يعد ثمة ثبوت ولا تحول ولا زمن ولا خير ولا شر، لم يكن هناك سوى السكون، والتنفس الذي لا يبعث حركة فلا هو إلى الحياة ولا هو إلى الموت.

كنت في بحر من الخمود الراكد تغشاه الظلمة، لا تدرك له نهاية، ولا يسمع فيه صوت، ولا تحس فيه حركة!

- 10 -

طافت بعقلي بغتة بارقة من النور؛ كانت غناء حلوا تغنى به طائر، غناء انقطع ولكنه ما لبث أن عاد؛ ولقد كان أجمل سجع سمعته الآذان! طربت له أذناي حتى دارت عيناي تتبعان هذه المباغتة السارة، في تلك اللحظة لم تستطيعا أن تريا إني حليف الشقاء، ولكن حواسي عادت في خطا كئيبة إلى طريقها التي الفتها، ورأيت جدران القبو وأرضه تدور فتلتف حولي في بطئ كما كانت من قبل، ورأيت ذلك البصيص المنبعث من الشمس يزحف كما كان يزحف من قبل؛ بيد أني رأيت ذلك الطائر في تلك الكوة التي دخل منها الشعاع يقف مشغوفاً أليفاً كما لو كان فوق شجرة، بل اكثر ألفة مما لو كان هنالك. كان طائراً جميلاً ذا جناحين أزرقين وغناء جم المعاني؛ ولقد خيل إلي إنه تغنى بتلك المعاني جميعاً من أجلي! وما وقعت عيناي من قبل على طائر مثله ولن تريا بعد شبيهاً له أبداً. وبدا لي كأنما كان يعوزه إلف كما كان يعوزني إلف، ولكنه لم يصل إلى نصف ما كنت فيه من وجد ووحشة. وكذلك بدا لي إنما قد جاء ليهبني حبه، على حين لم يبق لي من يهبني ثانية مثل ذلك الحب. ولقد جعلتني هذه البشرية المنبعثة من حافة القبو أشعر ثانية وأفكر ولست أدري أكان أطلق سراحه حديثاً أم أنه كسر قفصه وجاء ليطل عليّ قفصي! ولكني أيها الطائر الجميل وقد عرفت معنى الأسر لن أستطيع أن أريده لك!

وليت شعري لعله زائر من الفردوس تنكر في جناحين! ذلك إني كنت أفكر أحياناً أنه ربما كان روح أخي هبطت إلي. ولتغفر لي السماء تلك الفكرة، تلك اللحظة التي جعلتني أذرف الدمع وجعلتني ابتسم ولكنه في النهاية ولى بعيداً عني، وإذن فقد كان من بني الفناء؛ عرفت ذلك حق المعرفة. وإلا فما كان ليذرني هكذا في وحدة أحسستها ضعفين: وحدة كنت فيها كما يكون الجسد في أكفانه، أو كما يكون السحاب المنعزل: ذلك السحاب الفريد الذي يتراءى في اليوم الضاحي حينما تكون نواحي القبة صافية كلها فيبدو في الجو كعبوس لا موجب لظهوره والسموات طلقة والأرض في بهجة.

- 11 -

طرأ على حالي نوعاً من التغير إذ أصبح آسري ذوي رحمة؛ ولست أدري ماذا جعلهم كذلك وقد ألفوا مناظر الشقاء، ولكن ذلك ما حدث. بقيت سلسلتي المكسورة منفصمة الحلقات. وكانت الحرية عندي أن أتجول في صومعتي من جانب إلى جانب، وأن أقطعها طولاً وعرضاً، وأن أطأ أرجاءها جميعاً، وأدور حول كل عمود، ثم أعود إلى حيث بدأت، لا أتجنب وأنا أطأ الأرض بقدمي إلا ذينك القبرين العاريين: قبري أخوي. ذلك أني كنت إذا ظننت أن وطأة على غير قصد مني قد أهانت مضجعهما الخافض، ينبعث نفسي لاهثاً كثيفاً، وينقلب فؤادي المتحطم ضريراً عليلاً.

- 12 -

تسلقت الحائط ولكني ما أردت الهروب. فقد غال الردى كل من كانوا يحبونني من البشر، ومن ثم صارت الأرض كلها عندي سجناً أكثر سعة مما أنا فيه، لم يكن لي ولد ولا والد ولا ذو قربى، ولا شريك فيما ألاقي من شقاء.

ذكرت ذلك فاغتبطت به لأن فكري في هؤلاء قد أورثني الجنون، ولكني كنت أتطلع إلى تسلق الجدار حتى النوافذ التي تعترضها القضبان. كما كنت أتطلع إلى أن أصوب بصري مرة أخرى في هيام إلى تلك الجبال الشاهقة.

- 13 -

رأيتها لما تزل على ما كنت عليه فلم تنل منها يد التغيير كما نالت مني في الأغلال؛ ورأيت الثلج الذي يكلل هاماتها منذ آلاف السنين كما رأيت البحيرة الواسعة الطويلة اسفل منها، ونهر الرون الأزرق في أشد فيضه وسمعت جارف السيل يتلاطم ويندفق فوق الصخر المتشقق والجذوع المتحطمة؛ وأخذت عيناي المدينة النائية البيضاء المنازل، كما لمحت القلاع التي تفوقها ابيضاضاً تجري مسرعة؛ ثم وقع بصري على جزيرة صغيرة تراءت حتى لي أنا باسمة، ولم يلح سواها أمام نظري؛ جزيرة صغيرة خضراء ظهرت كأنما لا يزيد عرضها على ذلك إلا قليلا، قامت فيها ثلاث شجرات باسقات، وكانت تهب عليها نسمات الجبل وتجري بجوارها المياه، كما كانت تنمو فوقها زهرات جميلة اللون عاطرة الأنفاس.

ورأيت فيما رأيت السمك يسبح إلى جدران السجن؛ ولقد بدا للعين مرحا: وحداته وجماعاته؛ وأبصرت النسر يركب متن الريح الهائجة، ويخيل إلي إني لم أره من قبل في مثل تلك السرعة. وعندئذ اخضلّت عيناي بدمع جديد وتبلبل خاطري، وودت لو أني لم انطلق من تلك السلاسل، ولما نزلت أحسست كأن الظلمة في مأواي الكدر تقع عليّ كأنها حمل ثقيل: كانت كأنها القبر ينطبق عليّ من جهدنا في خلاصه، وأحس بصري وقد انقلب إلى هكذا محزوناً كأنه يطلب راحة كراحة القبر.

- 14 -

ولست ادري كم لبثت بعدها في ذلك القبو، ربما كانت شهوراً أو أعواماً أو أياماً. لم أحص لها عدداً ولم ألق إليها بالاً ولم يك ثمة من أمل يرفع عيني ويمسح عنهما القذى المحزن. وأخيراً اقبل الرجال ليطلقوني من الأسر، فلم أعن أن أعرف ما سبب هذا ولا حفلت أين اذهب، فلقد تساوى في النهاية عندي الفكاك والقيد. وتعلمت أن أصالح على اليأس نفسي. ولذلك حين أقبلوا يطلقونني وحين ألقيت جميع السلاسل جانباً، أحسست أن تلك الجدران السميكة قد صارت لي معتكفاً وأصبحت علي وقفاً؛ وكأني شعرت نصف شعور ساعتئذ إنهم أتوا ينتزعونني من وطنٍ ثان. لقد اتصلت بيني وبين العناكب أسباب الصداقة، وكنت أراقب عملها الدائب، كما كنت أرى الجرذان في نور القمر. وليت شعري ماذا يدعوني أن أحس أنني دون هؤلاء جميعاً؟ لقد صرنا آلاّفا جمعتهم وحدة المكان.

وكنت أنا فيهم ملك الجميع، ولي الحول أن اقتل أنى شئت! ولكنا تعلمنا أن نعيش معاً هادئين، وذلك لعمري من عجيب الأمور! في ذلك السجن توثقت الألفة بيني وبين الأغلال ذاتها. وهكذا ينتهي بنا طول الاعتياد إلى ما نصير إليه فهأنذا الذي لاقيت ما لاقيت قد تنهدت حينما عادت حريتي إلي!

 نشر أولا في مجلة الرسالة 1937
الجزء الأول بتاريخ: 01 - 02 - 1937
و التتمة بتاريخ: 08 - 02 - 1937


و هنا ترجمة أخرى:



و تجدون الأصل بالإنجليزية هنا

The Prisoner of Chillon BY LORD BYRON



Wednesday, March 01, 2023

فهرس بعض الخسارات، ترجمة سمير جريس 1

مقتطف من حوار:(سمير جريس: مع كل عمل يتقلص يقيني بشأن الترجمة المُثلى)
الشرق الأوسط، 09 أغسطس 2022:


س: يتسع «فهرس بعض الخسارات» للتاريخ والعلم والخيال، كيف كانت انطباعاتك عن ترجمة كتاب يوديت شالانسكي وفلسفة هذا التجربة؟

- هذا الكتاب من التجارب الممتعة في الترجمة، وكذلك من أشقها. هو كتاب فريد، يمزج الوقائعَ التاريخية والعلمية بالخيال الروائي، وفيه تقدم يوديت شالانسكي وجوهاً مختلفة لتراجيديا الفناء والزوال.

والحقيقة، على قدر بهجتي بهذه التجربة، كان حزني على مصير الترجمة. لقد انتهيت منها مطلع عام 2020، لكنها لم تصدر إلا في ربيع هذا العام قبيل معرض أبوظبي للكتاب. الكتاب يبدو كالشبح، لا يجده أي شخص في أي مكتبة، لا في مصر ولا خارجها. وهذا شيء محزن للغاية الحقيقة.



س: عادةً ما تكون عين المترجم على النقل الأمين وجودة الترجمة من جهة وفنون الأسلوب واللغة من جهة أخرى، كيف تتحرك بين هذين الهامشين بما يدعك مطمئناً في النهاية للترجمة التي تحمل توقيعك؟

- لخصت بسؤالك إشكالية مهمة من إشكاليات الترجمة، بين الوفاء للأصل، وبين مراعاة مقتضيات اللغة الهدف.

المترجم مثل لاعب السيرك، عليه أن يسير على هذين الحبلين، ويتوازن، فلا ينبغي في رأيي أن يكون نقله أميناً إلى الدرجة التي تشعر فيها في كل سطر أنك أمام نص مترجم، بل ركيك يحاكي أحياناً بنية اللغة الأصلية، وفي الوقت نفسه عليه أن يحرص على ألا تضيع كل سمات النص الأصلي، فيصبح مسخاً بلا روح. هي إشكالية كبيرة، وكل مترجم يحاول أن «يتوازن» على الحبلين بطريقته.



س: بعد مسيرة طويلة من العمل الاحترافي للترجمة، هل ترى أن مشكلات الترجمة تتقلص، أم أنها تفتح مع الوقت والتجربة مزيداً من الأسئلة التي تخص اللغة والسياق الثقافي والفني؟

- الترجمة من الأعمال التي كلما مارستها، تعرفت على مزيد من إشكالياتها. ومع كل عمل، يتقلص يقيني بشأن «الترجمة المثلى». بالطبع يكتسب المترجم خبرة تمكنه من تجاوز عديداً من العوائق، لكن المترجم –وأتكلم هنا عن نفسي - يزداد وعياً بمدى عجزه عن نقل كل شيء إلى اللغة الأخرى، فهكذا، بمرور السنين يزداد وعيي بما يفقده النص الأصلي خلال الترجمة. لكن هذا شيء في صميم عملية الترجمة، لذلك أطلق عليها الكاتب وعالم اللغويات الإيطالي أمبرتو إيكو «عملية تفاوض»، لا يمكن أن تحصل خلالها على كل شيء، بل يجب أن تتخلى عن شيء، لتكسب شيئاً آخر.

Thursday, February 23, 2023

عندي لأجل فراقكم آلام

 

عندي لأجل فراقكم آلام


عندي لأجل فراقكم آلام
فإلام أعذل فيكم وأُلام

من كان مثلي للحبيب مفارقًا
لا تعذلوه فللكلام كلام

نعم المساعد دمعي الجاري على
خدي إلا أنه نمام

ويذيب روحي نوح كل حمامة
فكأنما نوح الحمام حمام

إن كنت مثلي للأحبة فاقدًا
أو في فؤادك لوعة وغرام

قف في ديار الظاعنين ونادها
يا دار ما فعلت بك الأيام؟

أعرضت عنك لأنهم قد أعرضوا
لم يبق فيك بشاشة تستام

يا دار أين الساكنون وأين
ذياك البهاء وذلك الإعظام

يا دار أين زمان ربعك مونقًا
وشعارك الإجلال والإكرام

يا دار مذ أفلت نجومك عنا
والله من بعد الضياء ظلام

فلبعدهم قرب الردى ولفقدهم
فقد الهدى وتزلزل الإسلام

فمتى قبلت من الأعادي ساكنًا
بعد الأحبة لا سقاك غمام

يا سادتي أما الفؤاد فشيق
قلق وأما أدمعي فسجام

والدار مذ عدمت جمال وجوهكم
لم يبق في ذاك المقام مقام

لا حظ فيها للعيون وليس
للأقدام في عرصاتها إقدام

والله إني على عهد الهوى
باقٍ ولم يخفر لدي ذمام

فدمي حلال إن أردت سواكم
والعيش بعدكم علي حرام

يا غائبين وفي الفؤاد لبعدهم
نار لها بين الضلوع ضرام

لا كتبكم تأتي ولا أخباركم
تروى ولا تدنيكم الأحلام

نغصتم الدنيا علي وكلما
جد النوى لعبت بي الأسقام

ولقيت من صرف الزمان وجوره
ما لم تخيله لي الأوهام

يا ليت شعري كيف حال أحبتي
وبأي أرض خيموا وأقاموا

مالي أنيس غير بيت قاله
صب رمته من الفراق سهام

والله ما اخترت الفراق وإنما
حكمت علي بذلك الأيام

شمس الدين الكوفي
623 - 675 هـ / 1226 - 1276 م
محمد بن أحمد بن أبي علي عبيد الله بن داود الزاهد بن محمد بن علي الأبزاري.
شمس الدين الكوفي. الواعظ الهاشمي خطيب جامع السلطان ببغداد. له شعر وموشحات.

Wednesday, February 22, 2023

#reading: A Piece of My Mind

 A Piece of My Mind



 Sanctity
JAMA. 2023;329(7):537-538. doi:10.1001/jama.2022.24989

The minutiae of clinical work intrude upon me at all times. The ping of an email announces a new message asking for a prescription refill, an urgent appointment, a question to be answered. The anachronistic vestige of the medical profession beeps angrily at me when the hospital operator pages me to call the pathology laboratory because of a mislabeled specimen. The yellow bar on the electronic medical record flashes an inescapable reminder that I have results to follow up on. In the clinic room with a patient, I struggle to remain focused as my eyes drift to the clock that relentlessly ticks away and into the next patient’s appointment time.

The next email awaits. The next page awaits. The next patient awaits. I rush through my day, hurtling from one encounter to another, putting out one fire and jumping to the next, pivoting from distraction to distraction. My attention remains fragmented, and I do not approach the end of the day with a sigh of relief but rather with mounting dread for the notes I must finish, the orders I must sign, the care plans I must manage.

No one entered medicine to stare at screens daily, but that is the majority of what I do. The patient appointments that comprise my day generate far more screen time than patient-facing time. The joy of my work centers around the time I have with patients, but often, the frantic pace of clinical care precludes leisurely conversations and opportunities to understand what makes my patient a human instead of just a patient. Each additional minute sitting in front of a computer drains me, but each additional minute I spend with a patient beyond the time allocated means that I will have less time for the next patient, the next email, the next page. This imbalance between what nourishes me and what exhausts me makes me question my career choice on many days.

But there is one place where time and distraction do not exist, where I feel insulated from all the external forces that demand my attention: the operating room. The sanctity of the operating room, with its sterile white walls, harsh luminescent lights, and gleaming trays of metal instruments, permits me no distractions. My pager is turned off, my phone is silent, my email is ignored. Here, no one can reach me. Here, in this moment, I create a sacred compact with my patient: I am here, just for you.

That singular focus is unusual in a world overflowing with distractions that constantly erode the intimacy of our human connections. When was the last time someone truly saw you, heard you, touched you, without the reflection of a screen imposed in between you or a plethora of interruptions shattering your time together? In today’s fragmented world, that singular focus is a gift, both for me and for my patients. It harkens back to a time when my predecessors made house calls, cared for entire families, and thrived on the sense of connection and compassion that remain the foundation of medicine. It fulfills a need, both for me and for patients. It reawakens my compassion for patients and clinical care because compassion flows best for me without any distractions worrying the edges of my consciousness. It reawakens my compassion for myself; that I am the type of physician I want to be, that I abide by the excellence in which I was trained.

With nothing between us, I see patients for who they are: human, vulnerable, and often frightened. With nothing between us, the patient-physician relationship becomes sacred again. Day after day, my patients and I connect, clasp hands, and exchange reassurances. It is odd that in some ways, the deepest sense of connection I feel in clinical care is when my patients are asleep. But it is a sense of connection rooted in a complete sense of trust. Patients entrust their lives, their pain, their bodies to me. To carry that responsibility is an immense privilege, but it is also an immense burden. I bear the burden of human error, which haunts me the next time I step into the operating room.

I watch as their spontaneous breathing stops and an endotracheal tube becomes their lifeline. I watch as they are eased into a living death. I stand by their side as machines force air into their lungs, as the surgical team gently lifts and repositions arms and legs, as the nurse scrubs their bodies to prevent infection. I honor their faith in me as my scalpel slices tissue and fascia, seeking to extract the intruder in their bodies. My patients are silent, but their bodies speak to me. A scar snaking around the belly button warns that I may need to reconsider a traditional laparoscopic entry. A raised slash across the chest reminds me of the urgency of the task; removing ovaries to extinguish the supply of estrogen to an estrogen receptor positive for breast cancer. A faint line curved like a smile announces that children wait for her safe return, just as mine do for me.

Bodies morph into battlegrounds as I struggle with adhesions, excessive bleeding, and abnormal anatomy. I cannot give up even when I feel strained; I find a way to innovate and create solutions. An operation cannot be hurried along. I cannot set a reminder to complete a task at the patient’s next visit. In the operating room, the here and now demands immediate attention. I only exist in the present. Hours pass, and I do not notice hunger or thirst; the hallowed nature of my task supersedes the demands of my mortal body. I can only focus on the instruments and the patient, dredging forth from my mind an intense concentration that I thought long diminished by the relentless race of modern-day life. My hands cannot waver. Each cut, each stitch must be precisely placed, those bodies remind me, because underneath the drapes lies someone’s beloved.

With reverence, I mend what is broken. With relief, I tie down the last knot. For if patients’ bodies speak to me, so too do I speak to them: I care enough to do my best. I remain focused and alert until I set the instruments down, remove the drapes, and the patient takes that first postoperative gasp of breath. I call their families, a distant voice providing comfort and solace, that yes, the surgery went well; yes, their loved one will go home later today; yes, I’m pleased with the results. I forge new connections in that moment of closure. I slip out of the operating room when the patient awakens. The frigid air follows me in a cloud permeated with the smell of antiseptic solutions and the rusty tang of blood. That silent communion has ended; until next time.

Section Editor: Preeti Malani, MD, MSJ, Deputy Editor.
 source: JAMA, 2023

 

Friday, February 17, 2023

Story of Nedžad Avdić #Srebrenica قصة نجاد أفديتش #سربرينتسا

Nedžad Avdić

 

الترجمة إلى العربية: د/ إيمان الطحاوي. طبيبة و كاتبة 

قصة نجاد:

"وقف رجل خمنت أنه في منتصف الثلاثينيات من عمره يرتدي بدلة أنيقة. و على مظهره الوسيم، بدت عيناه غائرة قليلاً وحائرة. قدّمه رشاد لنا باسم نجاد أفديتش.

في مواجهتنا وخلفه، تراصَّ أكثر من ستة آلاف قبر. بلغة إنجليزية بسيطة إلى حد ما، أخبرنا نجاد بهدوء عن قصته المذهلة.

في أوائل ربيع عام ١٩٩٢، أحرق الجنود الصرب منزلنا ودمروه. هربت عائلتي - أبي وأمي وثلاث أخوات أصغر مني - من الأسر والقتل. بعد شهور من الاختباء في الغابة، لجأنا الى سربرنيتسا في مارس/آذار ١٩٩٣.

عشنا في ظروف صعبة: في مرآب ومدرسة وأحيانًا في مدخل المنازل بجانب النار مع لاجئين آخرين. عانينا الجوع الشديد، وطالما ذهبنا بحثا عن طعام في جميع أنحاء سربرنيتسا في القرى المحترقة والمدمرة.

في غضون ذلك، وصلت قوات الأمم المتحدة ورأينا فيهم رجال إنقاذ. كنا نلعب كرة القدم مع الجنود الهولنديين كل يوم تقريبا. وفي كثير من الأحيان، شاهدنا الجنود يأكلون بينما نحن الأولاد نتضور جوعا. على أي حال، عددناهم أصدقاء. لكن في تموز/يوليو 1995، تغير كل ذلك. وعندما بدأ هجوم ملاديتش، نسيَنا الهولنديون وتركوا نقاط التفتيش وفروا. لم يكن لدينا خيار سوى متابعتهم وانتظار المساعدة، لكنها لم تأت مطلقا.

 

Nedžad Avdić

كنا خائفين من الذهاب إلى بوتوكاري - قاعدة جنود الأمم المتحدة الهولندية. كنا نخشى على حياتنا. بعد أيام من الاختباء والبحث في الغابة والتلال حول سربرنيتسا، توجهت أنا ووالدي وعمي في اتجاه توزلا على طريق طويل غير معروف وغير مؤكد عبر الغابات وحقول الألغام.

هربنا، ثم تعرضنا لقصف مستمر من المدفعية الصربية عبر التلال. في طريق الموت هذا، وهو طابور لا نهاية له من الرجال والفتيان، قُتل العديد منا وكان الجرحى يصرخون طلباً للمساعدة، دون جدوى. أثناء تلك الفوضى، فقدت والدي وركضت وسط الحشد، أبكي وأنادي عليه.

بعد ذلك، لم نتمكن من الاستمرار في المضي قدمًا لأننا كنا في الجزء الخلفي من الطابور الذي تفرق. ضللنا طريقنا وسط الغابة؛ لم نكن نعرف إلى أين نذهب. نادى الجنود الصرب بمكبرات الصوت (الميجافون)، اخرجوا وإلا ستقتلون. سوف تحصلون على العلاج وفقا لاتفاقية جنيف”.

https://www.robertmcneil.co.uk 

 خرجنا على الطريق في 13 يوليو/تموز، حفاة الأقدام، جوعى، عطشى، مرهقين، خائفين ونحمل جرحانا. فعل الجنود الصرب كل ما يمكنهم فعله؛ ليجبرونا جميعا على الاستسلامحملوا حوالي 2000 رجل وصبي في شاحنات، واقتادوهم إلى حتفهم. بعد أن قادونا في الشاحنات المغطاة في اتجاهات مختلفة، نقلونا إلى حقل حيث أطلقوا النار علينا جميعا.

https://www.robertmcneil.co.uk


عذبونا وكنا نموت من أجل قطرة ماء. قبل الإعدام، أجبرونا على خلع ملابسنا. غلل أحد الجنود أيدينا خلف ظهورنا. في تلك اللحظة، أدركت حينها، أنا الصبي الذي أبلغ من العمر سبعة عشر عامًا، أن هذه هي النهاية. كنت أحاول الاختباء داخل الشاحنة خلف الرجال، وأتمنى أن أعيش بضع ثوان أخرى. فعل الآخرون نفس الشيء. أخيرًا، كان عليّ أن أقفز. أمرونا أن نجد مكانًا ونصطف خمسا خمسا في كل صف.

 اعتقدت أنني سأموت سريعا، دون معاناة. بينما كنت أفكر في أن أمي لن تعرف أبدًا أين انتهى مصيري، بدأوا في إطلاق النار علينا من الخلف. لا أعرف ما إذا كنت قد فقدت وعيي، لكنني استلقيت على بطني وأنا أنزف وأرتجف. أُصبت برصاصة في بطني وذراعي اليمنى. استمر إطلاق النار، وشاهدت صفوف الناس تسقط.

كنت أسمع وأشعر بالرصاص يُطلق من حولي. بعدها بوقت قصير، أصبت بجروح بالغة في قدمي اليسرى. كان الرجال يموتون حولي؛ و بإمكاني سماع حشرجة موتهم.

كنت أموت أيضًا، في ألم رهيب، وعدمت القدرة على أن أنادي الجنود ليقتلوني فأرتاح من هذا الألم. حدثت نفسي: يا إلهي، لماذا لا أموت؟ فالألم لا يطاق.

انتصف الليل، وابتعدت الشاحنة. وأنا أحاول أن أرفع رأسي، لحظت رجلاً يتحرك. سألته، هل أنت حي؟

فأجاب: “نعم، تعال وفك قيدي”. نجحنا في فك قيود بعضنا بعضا، وفي تجنب الشاحنة التالية التي وصلت.

 بعد أيام من المعاناة، والتجول في الغابة، والاختباء في الجداول، والنوم في المقابر، والزحف مع ألمي الرهيب، تمكنا من الوصول إلى الأراضي الخاضعة لسيطرة الحكومة البوسنية. لم ينج والدي وعمي وأقاربي الذين لجئوا إلى القاعدة الهولندية في بوتوكاري. الرجل الذي أنقذني يعيش بعيدًا عن البوسنة اليوم. بينما عدت إلى سربرنيتسا في عام 2007 “.

عندما أنهى نجاد حديثه، تفحصت الوجوه المتوترة لمجموعتنا. كانت بعضهم يذرف الدموع، والبعض الآخر، بما في ذلك أربعة محققون في مسرح الجريمة، تأثر بوضوح بما سمع للتو، ووقف صامتا شاحب الوجه.

رفعت عيني ونظرت إلى أكثر من 6000 شاهد قبر أبيض تتراص فوق المقبرة وفي الأفق. كان جدار الجرانيت المنحدر بلطف أمامهم مباشرة بأسماء وسنة ميلاد 8372 قتيلا وممن ما زالوا في عداد المفقودين منحوتا بشكل جميل حسب الترتيب الأبجدي. عندما تأملت كل واحدة للحظة واحدة فقط، تخيلت أنها تتحول إلى أرقام المقابر الجماعية التي عملت عليها مع بادئات الحروف مثل؛ CSK و NK و BRN و KM وغيرها. طرفت بعيني، وسرعان ما عادوا إلى أسماء الأبرياء الذين سُرِقت منهم حياتهم بقسوة.

رواية نجاد عن تجربته، المروعة كما كانت، لم تكن في حد ذاتها مفاجأة لي. فلقد جمعنا الكثير من القصص المماثلة من تلك القبور. كان الجزء الصادم من قصة نجاد، بالنسبة لي، هو أنه نجا سليمًا، ببدنه على الأقل، وهو رعب يفوق مخيلة  معظم الناس.

أن تكون قادرًا الآن على الحديث عن ذلك الأمر، وإن كان يتعثر في بعض الأحيان بشكل مفهوم حين يصل إلى أحلك أجزاء روايته، فهذه شجاعة غير عادية. كنت آمل أنه إذا كان هناك أي شك في الهمجية ضد هؤلاء الرجال في تموز/يوليو 1995، أو عندما تحدث منكرو الإبادة الجماعية للمسلمين في سربرنيتسا، فإن تجربة نجاد يجب أن تُخرس المشكّكين، المنكرين، وتتركهم خزايا.

أخبرني نجاد لاحقًا أنه ظل صامتًا على مدار العشرين سنة الماضية، من أجل حماية عائلته. لكن الآن بعد أن كبرت بناته، شعر بحاجته إلى سرد قصته."

للمزيد...  الكتاب على أمازون 

Grave Faces: A Forensic Technician’s Story of Gathering Evidence of Genocide in Bosnia: Robert McNeil: 9781737171829: Amazon.com: Books 

Robert McNeil MBE, FAAPT is a Glasgow based painter who, following his retiring from a long career as an Anatomical Pathology Technologist (APT), now focuses on his roles as an ambassador for Remembering Srebrenica UK and an Affiliate Artist for UNESCO’s Refugees Integration through Language and the Arts.

الترجمة إلى العربية: د/ إيمان الطحاوي. طبيبة و كاتبة 


Thursday, February 09, 2023

"ألم لا يطاق".. قصة صورة الأب التركي المفجوع التي هزّت مشاعر العالم

 


مسعود هانسر يمسك بيد ابنته المتوفاة إرماك (15 عاما) في أعقاب الزلزال الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا، في كهرمان مرعش بتاريخ 7 شباط/فبراير 2023 © آدم ألتان / ا ف ب

غازي عنتاب (تركيا) (أ ف ب) – كان آدم ألتان، المصوّر منذ أربعين عاما قضى خمسة عشر منها في وكالة فرانس برس، يعمل أمام مبنى منهار عندما رأى رجلا جالسا قرب الأنقاض في كهرمان مرعش، مركز الزلزال الذي أودى بأكثر من 14 ألف شخص في تركيا وحدها.

لم يكن أي فريق إنقاذ قد وصل إلى الموقع الثلاثاء غداة وقوع الكارثة، وكان السكان يحاولون إزالة الأنقاض بأنفسهم لإنقاذ أحبائهم.

ظلّ الرجل الذي يرتدي سترة برتقالية ساكنًا وسط الاضطرابات، غير مبال بالمطر والبرد.

لاحظ حينها آدم ألتان أن الرجل الذي يبعد 60 متراً عنه كان يمسك بيد ممتدة من بين الأنقاض.

بدأ حينها بتصوير المشهد: أب يمسك بيد طفلته الميتة بدون أن يتركها، وسط الأنقاض والدمار.

التقط ألتان الصور بينما راقبه الرجل الذي همس له بصوت مرتجف "التقط صوراً لطفلتي".

ترك يدها التي لم يرغب في إفلاتها للحظة ليوضح للمصور المكان الذي ترقد فيه ابنته البالغة 15 عامًا، قبل أن يسارع الى امساكها مجددا.

يقول آدم ألتان "لقد تأثرت كثيراً في ذلك الوقت. اغرورقت عيناي بالدموع. ظللت أقول لنفسي + يا إلهي، هذا ألم لا يطاق+".

ثم سأل المصور الرجل عن اسمه واسم ابنته، وأجابه الأب مسعود هانسر: "ابنتي إرماك".

يقول المصور: "تحدث بصعوبة، بصوت منخفض للغاية. كان من الصعب طرح مزيد من الأسئلة عليه فقد طلب السكان من حوله من الناس التزام الصمت حتى يتمكنوا من سماع أصوات الناجين المحتملين المحاصرين تحت الأنقاض".

في تلك اللحظة، اعتقد المصور على الفور أن الصورة تلخّص آلام ضحايا الزلزال، لكنه لم يتخيل التأثير الذي سيكون لها.

انتشرت الصورة في وسائل الإعلام حول العالم وكذلك على الشبكات الاجتماعية حيث تشاركها مئات آلاف المستخدمين المصدومين من آثار الزلزال.

تلقى آدم ألتان آلاف الرسائل من أنحاء العالم تعبّر عن التضامن مع حزن الأب المفجوع.

ويقول "أعتقد أنها صورة سترسخ في ذاكرتي. أخبرني كثيرون أنهم لن ينسوا هذه الصورة أبدًا، وأنا منهم".

ذاكرة السودان المدمرة - زيارة إلى المتحف الوطني في الخرطوم

المتحف الوطني بالخرطوم، السودان. المؤلف  @BehrendtMoritz كتب: موريتز بيرندت  @dremanreads ترجمة: د.إيمان الطحاوي ذاكرة السودان المدمرة   زيا...