الاثنين، فبراير 22، 2021

مما قرأت: الحب الحقيقي للدكتور عادل صادق - رحمه الله-

قد يبدو ظاهرياً أنك اخترت بإرادتك أن تحب ، ولكن في حقيقة الأمر أن الحب هو الذي اختارك وذلك لأنك أهل لأن تحب وأن تكون محبوباً ، أي لتخوض أعظم وأعمق تجربة إنسانية وهي الحب .
والقادرون على الحب الحقيقي قليلون مثل كل شيء ثمين ، الحب يحتاج إلى مؤهلات معينة ، سمات خاصة في الشخصية ، ومعظمها سمات ومؤهلات يكتسبها الإنسان من الأسرة والمجتمع أي البيئة المحيطة وصفات شخصية يكتسبها بنفسه ، ”  قبل أن تبحث عن نصفك الآخر تأكد أن نصفك الأول مكتمل ”
وإذا فَهمنا طبيعة الحب الحقيقي ، فإننا نستطيع أن نتوقع تلك السمَات التي تؤهل أي إنسان ليخوض هذه التجربة السامية .
الحب الحقيقي ليس هزلاً ، ليس عرضاً مؤقتاً ، ليس ميلاً عاطفياً مجرداً ، ليس نزوة ، ليس رغبة ، ليس عبثاً ، ولكنه تجربة استيعابية شاملة مركزها جوهر الإنسان وذاته ووعيه ، مركزه الباطن وتشمل كيان الإنسان كله أي الفكر والوجدان والسلوك.
ولذلك فجوهر تجربة الحب الحقيقي هو الصدق ، وإذا كان الموت هو الحقيقة المؤكدة الماثلة أمام أعين البشر ، وتؤثر تأثيراً ضخماً في حياتهم ، وهي ذات مغزى ، فإنه على الطرف المقابل يأتي الحب الحقيقي ليصبح هو الحقيقة الأخرى المؤكدة والتي تؤثر في حياة البشر تأثيراً ضخماً وتحمل أسمي وأقوي المعاني .
إذن فالحقيقتين الثابتتين في وجود الإنسان هما الحب والموت ، مركز الحياة ، ومعني الحياة ، يحددان مصير الإنسان ويشكلان وعيه ورؤياه وفلسفته ويؤثران على إدراكه وفهمه وسلوكه ،لحظة الحب الحقيقي هي لحظة الصدق ، ولحظة الموت الحقيقي هي لحظة الصدق .
ولهذا فإن تجربة الحب الحقيقي لا يقوي عليها إلا إنسان صادق ، هذا هو الشرط الأول والأساسي ، الحب الحقيقي يدل على صدق الإنسان الذي يعايشه ، والإنسان الصادق يدلل على أن حبه هو حب حقيقي ، لا يمكن لكاذب أو مخادع أو منافق أو غشاش أو نصاب أن يعيش تجربة صدق ولا يمكن للتجربة الصادقة أن تتحقق من خلال كاذب أو مخادع أو منافق أو غشاش أو نصاب .
وإذا كان جوهر الحب الحقيقي هو الصدق فإن جوهر الصدق هو الصدق مع النفس ، إن الصدق مع الذات هو أسمي وأعلي مراتب الصدق بل هو قلب الصدق ، فلا صدق بدون صدق مع الذات ، والصدق مع الذات يتطلب وعياً ، نضجاً ، استبصاراً ، شجاعة ، خبرة ، ثقة بالنفس ، فالصدق مع الذات هو القوة الحقيقية ، رمز القوة في الإنسان ، من هو أقوي البشر ؟ إنه الإنسان الذي يتمتع بأكبر درجات الصدق مع الذات ، إنها البصيرة ، القدرة على النفاذ إلى الداخل ، السيطرة الكاملة على الوعي ، الفهم الحقيقي ، إنه التحرك من الداخل إلى الخارج ، من المركز إلى المحيط ، من القلب إلى الأطراف ، من الباطن إلى السطح ، وتلك هي الحركة الطبيعية في الكون كله ، وذلك هو الناموس الطبيعي الذي حدد الله به علاقة الأشياء ببعضها وعلاقة كل شيء مع نفسه .
وهذه هي الصورة المثلي الطبيعية التي صيغ الإنسان عليها ، أن يكون له وعي وحين يكون هذا الوعي صادقاً فإنه يحدد حركة الإنسان الطبيعية في الحياة بأن يكون هو مركز هذه الحركة .
وبذلك يكون هذا الإنسان منسجماً مع كل ما هو طبيعي وصادق في الحياة ، ولهذا لا نتوقع منه إلا الصدق ، ولهذا فإنه في لحظة ما يستطيع أن يٌحب ، أن يختاره الحب حين يمهد له اللقاء مع ذات إنسانية أخري تتحرك هي أيضاً من وعيها الصادق ، وبذلك يكون الحب الحقيقي التقاء ذاتين ، التقاء وعيين  .
لا يمكن أن يتحقق حب حقيقي بين اتنين إلا إذا تحرك كل منهما من الداخل ، من مركز الوعي ، أي لا بد أن يكون كل منهما صادقاً مع ذاته أولاً ، وبذلك يتحرك كل منهما نحو الآخر ، كأن يداً خفية تدفعه ناحية الآخر ، يتحرك بحدسه ، بإلهامه ، بقوة غير مرئية ، روحه أو بصيرته هي التي تقوده .
إن لحظة الصدق التي يشعرها كل منهما ناحية الآخر في لحظة اللقاء الأول أو في هذا الجزء من الثانية هو الذي يحدد مسار العلاقة بعد ذلك وهو الذي يجعل كل منهما يتوقف عند الآخر ، يندهش ، ينبهر ، تتحرك كل أجهزته تهيؤاً للحدث العظيم ، يشعر أنها أهم لحظة في حياته ، بل أخطر لحظة في حياته ، منعطف هام ، نقطة تحول جذرية ، يري أن المستقبل الحقيقي يبدأ من عند هذا الجزء من الثانية ، إنها لحظة كشف ، وتتسلط الأنوار كلها عند هذه البقعة من وعيه ، ويقترب دون خوف بجرأة قد تكون غير معتادة ، بثقة ، بتحد ، بشجاعة ، لا يمكن أن يترك هذه اللحظة  من الزمان تفلت منه ؛ لأنه يريد أن يربطها بكل لحظات حياته المستقبلية ، وذلك تأكيداً للصدق ، لصدقه ، أي لتحركه من مركز وعيه ، فالصدق يجعله شجاعاً ، جريئاً ، واثقاً .
في اللحظة الأولي أو في هذا الجزء من الثانية ينتابه شعور الفرحة ممزوجاً بالطمأنينة ، ويندهش حين يتولد لديه شعور آخر غير المفهوم بأنه يعرف هذا الإنسان من زمن بعيد ، ألفة وطمأنينة غريبة يشعرها مع هذا الغريب الذي لم يكن يعرفه من قبل والذي التقي به منذ لحظة واحدة ، ويتولد لديه شعور آخر أكثر غرابة بأنه سوف يظل يعرف هذا الإنسان بقية حياته من خلال علاقة قريبة جداً
ولذلك ، فإننا حين نقول لإنسان انضج فهذا معناه ، كن نفسك ، وهذا معناه أيضاً : كن صادقاً مع ذاتك  ، أي تحرك من داخلك ، تحرك من صميم ذاتك ومن مركز وعيك بفهم كامل وبصيرة ، بذلك تكون ناضجاً ، أي مؤهلاً للحب الحقيقي ، أي تكون إنساناً حقيقياً .
الإنسان الحقيقي هو الإنسان القادر على الحب ، هو الإنسان المؤهل لأن يحب وأن يكون محبوباً أما الإنسان المزيف فهو غير قادر على الحب ، ليس مؤهلاً لأن يحب ، قد ينخدع بمظهره إنسان بسيط فيعجب به لحين ، وقد يخدع هو الآخرين بعواطف زائفة ، ولكنه سرعان ما ينكشف أمره ، ولهذا ينتقل من علاقة إلى علاقة تحت مسمي الحب ، ولكنه حب زائف ، هو لا يستطيع أن يحب ؛ لأنه لا يستطيع أن يعطي نفسه بالكامل ، في الحب الحقيقي فإنك تعطي نفسك بالكامل لمن تحب أي تهبه حياتك .
الإنسان الحقيقي المؤهل للحب هو إنسان كريم سخي معطاء ، سعادته الحقيقية في العطاء ، الإنسان البخيل هو إنسان أناني نرجسي (النرجسية تعني حب النفس ) ، والأناني لا يحب ، والنرجسي لا يحب ، الأناني النرجسي يريد كل شيء لنفسه ، ولا يري إلا نفسه ويريد أن يٌسَخر الآخرين لخدمته ، لا يأبه لمشاعر الآخرين وآلامهم ، ولذلك فهو معزول نفسياً ، لقد أقام جداراً صلباً بينه وبين الآخرين ، بينه وبين جيرانه وزملائه وأقاربه ، ولذلك فهو غير مؤهل وغير مدرب ؛ لأن يلتقي بتلك الذات الإنسانية التي تجبره على هدم ذلك الجدار الذي يفصله عن الناس ، وهو غير قادر علي أن يثير الحب في صدور الآخرين .
هناك بشر يملكون هذه المقدرة العجيبة على تحريك مشاعر الآخرين إيجابياً تجاههم ، قادرين على تحريك العواطف ، قادرين على إشعال نار الحب في قلوب الآخرين ، نور أو قل إشعاع يصدر عنهم ، هالة طاقة تحيط بهم ، سر غامض لا تستطيع أن تدركه أو تفسره . يجعلهم يستقرون على مقعد قلبك الرئيسي ، بمجرد أن تراهم وربما لأول مرة ، بينما الأناني النرجسي يفتقد هذه المقدرة تماماً ، قد يثيرك جماله ، وقد تعجب بنجاحه ، وقد تنبهر بذكائه ولكنه أبداً لا يحرك قلبك .
والإنسان الكريم لا يكون كريماً مع حبيبه فقط ، ولكن الكرم والعطاء أسلوب حياة بالنسبة له ، فلسفة خاصة ، هكذا هو من قبل أن يلتقي بمن يحب ، وهو موقف قائم على الإحساس بالآخرين ، الإحساس بالبشر والشعور بالمسئولية تجاه الإنسانية عامة ، إنه يشفق ويعطف من قبل أن يعرف الحب طريقه إلى قلبه ، وهو أيضاً يحترم الذات الإنسانية ، ينظر إلى البشر على أنهم ذوات حرة مستقلة تحمل نزوعاً للخير يفوق نزوعها للشر ، ولذلك فقدرته على التسامح عالية ، لا ينصب نفسه قاضياً أو جلاداً ، ولا يترفع أو يتعالي أو يتكبر ، ولهذا فالتواضع من صميم صفاته ، المتكبر لا يستطيع أن يحب ، والمغرور لا يستطيع أن يحب ولا يستطيع أحد أن يحبه ، إنها صفات تزيد من الهوة والحواجز التي تفصل بين نفوس البشر .
الإنسان المؤهل للحب لا يتمادي في عداء ، ولا يلجأ إلى العنف ، ولا يخطط لإيذاء ، ولا يسعد بمصيبة آخر ، ويَهب عن طواعية وطيب خاطر لمساعدة من يحتاجه أو من يلجأ إليه ، ولهذا فهو يتسم أيضاً بالشجاعة ، شجاعة مصدرها قوة إيمانية ، إيمانه بالله ، ولهذا فهو يحب كل مخلوقات الله ، ويتعاطف معها ويحترمها ، ولذلك يهتم بأن يكون له دور إيجابي في الحياة ، يرفض أن يكون سلبياً ويرفض أن يكون عاطلاً ويرفض أن يكون متجمداً فهو إنسان نشط ، إنسان منتج ، إنسان يعمل ، حركة للأمام ولأعلي ، حركة إيجابية هادفة ، ولذلك فهو حين يحب فإن حبه يكون حقيقياً .
فالحب الحقيقي ليس مجرد هوى وميل وانجذاب وتعلق وعاطفة ، الحب الحقيقي هو موقف واتجاه حركة وفعل واطمئنان روح والشعور بالأمان ، حب يمتد نحو العالم .
عالم الحركة والفعل والفكر ، الحب الحقيقي يشمل بناء الشخصية ذاتها وارتباطاتها بعالمها المحيط ، الحب الحقيقي الصادر عن إنسان حقيقي هو فعل إبداعي ؛ لأنه يتضمن ارتباطاً روحياً عميقاً بذات أخري تتمتع بالنضج قادرة علي العطاء المطلق والإحساس بالمسئولية واحترام البشر والتعاطف معهم ، ذات مؤمنة متواضعة شجاعة .
هذا هو مفهوم النضوج والذي يجعل الإنسان صادقاً يتحرك من جوهر ذاته ، أي إنسان حقيقي ، إنسان يتمتع بصفاء روحية سامية تتضاعف عشرات المرات ، وتتأكد وتٌثمر حين يلتقي بنصفه الآخر ، توأم روحه ، فيتاح حينئذ لفيض الخير الذي بداخله أن يجد من يتلقاه كالنهر السخي الذي لابد أن يجد أرضاً صالحة طيبة تتشرب مياهه وتزدهر بها ، ولذلك فالحب الحقيقي هو خبرة إبداعية ، والمحب هو أقرب إلى الفنان ، أو هو عاشق للفن ، والفن عنده أسلوب حياة ، إن تناوله للحياة هو تناول الفنان الذي يعطي كل اهتمامه لفنه ، عمله حتى وإنه كان بسيطاً يحيله إلى فن ، يؤديه باستمتاع وإتقان وإخلاص ويضفي عليه لمسات الجمال .
حواره فن فهو لا يتلفظ إلا بكل ما هو جميل ، ذات معني ومضمون إنساني فكري حتي وإن كان متواضعاً عمله وثقافته . علاقاته بالآخرين من أغراب وجيران وزملاء وأصدقاء وأقارب فيها فن أيضاً ، فهي علاقات تتسم بالبراءة والبساطة ، والتلقائية ، والمباشرة والبعد عن سوء الظن وافتراض الخير كأساس لكل علاقة إنسانية ، فن يتبدي بوضوح في مودته التي تصبغ كل علاقاته الإنسانية بكل الطبقات الاجتماعية . وهو يتخير الأخيار لصحبتهم : لا تقوي روحه على مصاحبة خبيث ، أو مخادع  ، أو منحرف ، أو متكبر ، أو أناني ، الإنسان الحقيقي يحيط نفسه ببشر حقيقيين . والإنسان الحقيقي هو الإنسان القادر على اتخاذ قرارات حقيقية ، أي القرارات الصادقة ، الحقيقة والصدق ، وجهان للشجاعة ، إذن هو إنسان حقيقي ، أي صادق ، أي شجاع .قراره حقيقي أي صادر منه هو من داخله ، من بؤرة ذاته ، وعين عقله ، وقلب باطنه ، دون أن يخضع لأي مؤثرات خارجية ، ولهذا فاختياراته حرة مطلقة ، هو يتحمل مسئولية اختياراته ، ولهذا لا يتنازل عنها بسهولة إزاء صعوبات أو مشاكل تواجهه . أما الإنسان المهزوز الذي يبني مواقفه وقراراته على آراء الآخرين ، وتكون اختياراته خاضعة للإيحاء من الآخرين ، فإنه يتنازل عنها بسهولة ، ينقلب إلى النقيض في ثانية ، يتراجع عن قراراته ومبادئه ؛ لأنه يعرف أنها غير حقيقية وغير صادقة ،  أي ليست نابعة من ذاته ، ولهذا فالإنسان الحقيقي يدافع عن حبه ، يحافظ عليه ، يناضل من أجله ، ولذا فالحب الحقيقي يستمر مدي الحياة ، أما الحب الزائف فهو حب مرحلة ، متقلب ، متغير ،هو الحب الذي من الممكن أن ينقلب إلي كراهية ، أو إلي تبلد تام للمشاعر علي أقل تقدير . والإنسان الحقيقي بالرغم من أنه يتغير بمعني أنه يتطور وينمو ويزداد وعيه بصورة مستمرة ، بل هو حريص على التطور إلا أن مبادئه الأساسية ثابتة ، جوهره ثابت ولذا فحبه ثابت ، فهو إنسان مؤمن بنفسه ، ومؤمن بمن يحب ، وهو حين اختار فإنه قد اختار بإرادته الحرة ، اختار من صميم ذاته وروحه ، ولهذا فهو سيد قراره . قرار اتخذه بوعيه الكامل ، أي يعرف كيف اتخذه ، يستطيع أن يلمس ذلك في أعماقه ، يعرف تماماً أنه صادر من أعمق أعماقه ، ولهذا فهو يتحمل كافة المسئوليات المتعلقة بهذا القرار ، ولذلك من النادر أن يستشير أحداً إذا واجهته صعوبة أو مشكلة ، ومن المستحيل أن ينصاع لرأي أحد يختلف مع رأيه أو يطلب منه التنازل أو التراجع عنه ، ولهذا فهو قد يتهم بالعناد أو بالضعف ، والحقيقة أنه ليس كذلك ، فالتصميم على الرأي ليس عناداً بل إيماناً ، وعدم القدرة على التراجع عنه ليس ضعفاً بل قوة . والقرار الحقيقي يصدر عن شيئين : إلهام داخلي ، وفهم للذات والموضوع ، فالإنسان الحقيقي ؛ لأنه يتمتع بالصفاء ، فإن له بصيرة أكثر عمقاً ووعياً ، يعتمد على حدسه ، يهتدي إلى الطريق بفعل ضوء داخلي صادر من مكان ما في أعماق باطنه ، وهو يثق في هذا الإلهام وهذا الحدس ويمشي وراءه بثقة ويؤمن به عن إقتناع ، قد يبدو هذا اقتناعاً غير موضوعي ، ولكنه في الحقيقة يمثل قمة الموضوعية ؛ لأن ذلك هو جوهر حياة الإنسان ، حياة باطنية وحياة خارجية ، حياة روحية وحياة مادية ، واقع ملموس وغيب غير مرئي ، وكلما كانت النفس مؤمنة صافية عامرة بالحب خالية من الحقد والحسد بعيدة عن الشر ، قريبة إلى الخير والصفاء والتواضع ، كلما كانت أقدر علي الاستشفاف والإدراك الخفي والرؤية الباطنية . ولهذا فإن الإنسان الحقيقي حين يحب يدرك حقاً أنه يحب وأن حبه حقيقي ، لا أحد يدله على ذلك ، إنه يهتدي بنور داخلي يصدر من مكان ما في أعماقه ، وهو يفهم ذلك تماماً ، أي يفهم نفسه وذاته .
وهو أيضاً قرار مبني على فهمه للإنسان وللموضوع ، أي للواقع المحيط ، فرؤياه ثاقبة مبنية على خبرة بريئة ، والخبرة البريئة هي القادرة على رؤية العلاقات الصحيحة بين الأشياء ، أما صاحب الخبرة الخبيثة أو المبنية على خبث أو التي أكسبت الإنسان خبثاً وسوء نية فإنها تري العلاقات مضطربة ومعوجة ومنحرفة ولهذا تكون علاقاته بالعالم الخارجي مبنية على الشك وسوء النية ، ولهذا فهي علاقات مضربة قلقة وتسبب ألماً وتزيده حيره وعداوة .
الإنسان الحقيقي يدرك أن قراره قرار صحيح ، وأن اختياره اختيار حكيم ، ولهذا يشعر بالطمأنينة الفرحة ، وتلك هي المشاعر المباغتة التي تنتاب الإنسان حين يلتقي بنصفه الآخر وتوأم روحه للمرة الأولي ، ولهذا يشعر بسعادة طاغية خالية من الخوف وبعيدة عن الشعور بالذنب ، سعادة تجسد حريته المطلقة ، أما الإنسان غير الحقيقي فهو عبد ذليل خائف ولهذا فهو لا يثير حباً ولا يحظي بحب .
وفي النهاية يهتف الإنسان الحقيقي  صاحب القرار الحقيقي من أعماقه : أنا حر .
إذن الإنسان الحقيقي هو إنسان حر ،شجاع ، قوي ؛ ورغم قوته فهو متواضع ، وتواضعه هو مصدر رحمته ، وتلك هي الشخصية الثرية السخية اللامحدودة الطموحة ، أما الإنسان الزائف هو إنسان  فقير ومحدود ، ليس فقراً مادياً ، ولكن فقر في الشخصية ، لا يستطيع أن يبتعد خارج حدود ذاته ، ولهذا من المستحيل أن يلتقي مع جوهر ذات أخري .
وصحبته دائماً من الأشرار السيئين ؛ لأنهم يتكلمون لغة مشتركة ، مع السيئين يشعر بعد التهديد ، لن يهدده أي حصار عاطفي ، الإنسان الزائف يخاف من حب الآخرين ويخاف من نفسه ، يخشي أن يقع في الحب ، وهو في الحقيقة لن يحب ؛ لأنه غير قادر على الحب ، وإذا تعلق بإنسان من الجنس الآخر ، فهو تعلق مادي ، مال أو جنس ، نفع أو شهوة ، أي قمة الفقر والزوال ثم الحسرة والندم هم أقرب أصدقاء حياته .
د.عادل صادق 
ملحوظة:  (إعادة نشر من المدونة الأصلية ..نشر أولا في 2015)

الجمعة، فبراير 19، 2021

عن رحيل طبيب القلب الانسان..

 كتبت د/ إيمان الطحاوي

منذ أيام، رحل عن عالمنا طبيب القلب الشهير (برنارد لاون) عن عمر يناهز 99 عاماً. في عام 1962، اخترع "لاون" جهاز تنظيم ضربات القلب، وهو جهاز يستخدم الصدمة الكهربائية لإعادة القلب إلى نظامه الطبيعي. كما كان من أول الأطباء الذين أكدوا على أهمية الحمية الغذائية و التمرينات الرياضية في علاج أمراض القلب. 

Bernard Lown
Dr Bernard Lawn 1921-2021

أما على الجانب الانساني، فقد بدأ اهتمامه بمسألة الحرب النووية منذ عام 1959 حين كان يستمع في إنجلترا لمحاضرة عن خطر الصراع النووي. كان يلقيها السير/ فيليب نويل بيكر - و كان للتو حاصلا على جائزة نوبل للسلام أيضا. بعدها، اجتمع الدكتور لاون بثمانية أطباء، لتنشأ بينهم مجموعة تسمى (أطباء من أجل المسؤولية الاجتماعية). يمر الوقت، و يؤسس مع زملائه (رابطة الأطباء الدوليين لمنع الحرب النووية). و التي بلغ عدد أعضائها 135 ألفا من 41 دولة، منها روسيا و الولايات المتحدة الأمريكية. كان هدفها وقف تجارب الأسلحة النووية و التوعية بآثارها المدمرة.  لهذا استحقت الرابطة جائزة نوبل للسلام في عام 1985. 

 و أترككم مع ترجمتي المختصرة لكلمته أثناء تلقيه هذه الجائزة.

"الأمل بدون عمل هو أمر ميؤوس منه. "

نحن الأطباء نحتج على احتجازالعالم كله كرهينة. نحتج على الزيادة المستمرة في المبالغة في القتل.  نحتج على توسع سباق التسلح إلى الفضاء. الحوار بدون أفعال يقرّب الكارثة أكثر من أي وقت مضى..نحن الأطباء نطالب بأفعال لتنفيذ المزيد من الأعمال التي ستؤدي إلى إلغاء جميع الأسلحة النووية.

السيدات والسادة الزملاء الأعزاء،

أوفياء لقسم أبقراط ، لا يمكننا أن نصمت ونحن نعلم ما يمكن أن يجلبه وباء - الحرب النووية -  للبشرية. يرن جرس هيروشيما في قلوبنا، ليس كجرس جنازة ولكن كجرس إنذار، يدعو إلى اتخاذ إجراءات لحماية الحياة على كوكبنا. لقد حذرنا الشعوب والحكومات من أن الطب سيكون عاجزًا عن تقديم الحد الأدنى من الإغاثة لمئات الملايين من ضحايا الحرب النووية.

لنتذكر كلمات المؤلف الفرنسي الرائع أنطوان دو سانت -إكسوبيري الذي قال: "لماذا نكره بعضنا البعض؟ نحن جميعًا في أمر واحد و في زمن واحد ، نتشارك نفس الكوكب ، نحن طاقم من نفس السفينة. إنه لأمر جيد أن يولد الخلاف بين الحضارات المختلفة شيئًا جديدًا وناضجًا. ولكنه أمر شنيع عندما يلتهمون بعضهم البعض ".

إن المواجهة هي طريق الحرب والدمار ونهاية الحضارة. حتى اليوم ، تحرم شعوب العالم من مئات الملايين من الدولارات التي هي في أمس الحاجة إليها لحل المشكلات الاجتماعية ومكافحة الجوع والأمراض. 

بينما التعاون هو الطريق إلى زيادة رفاهية الشعوب وازدهار الحياة. يعرف الطب العديد من الأمثلة عندما ساهمت الجهود المشتركة للدول والعلماء في مكافحة الأمراض مثل الجدري.

لم تكن السنوات الخمس التي أمضاها أطباء دوليون لمنع الحرب النووية كلها ورودًا. كان علينا أن نتعامل مع انعدام الثقة والتشكيك واللامبالاة والعداء أحيانًا. تطلعاتنا واضحة: فمنذ الأزل، كان الطبيب -ولا يزال- هو الشخص الذي يكرس حياته لسعادة إخوانه من بني البشر. 

إن منح جائزة نوبل لحركتنا ينشط جميع القوى الداعية إلى القضاء على الأسلحة النووية من الأرض.

في هذه اللحظة أتذكر البرقية التي تلقيتها وقت انعقاد أول مؤتمر لنا من امرأة عادية في بروكلين. كانت قصيرة: "شكرا نيابة عن الأطفال".

بصفتنا بالغين ، نحن ملزمون بتجنب تحول الأرض من كوكب مزدهر إلى كومة من ركام. واجبنا تسليمها لخلفائنا في حالة أفضل مما ورثناها. لذلك ، ليس من أجل الشهرة، ولكن من أجل السعادة ومستقبل جميع الأمهات والأطفال ، عملنا - نحن الأطباء الدوليون لمنع الحرب النووية -، ونعمل الآن، وسنظل نعمل...

نمتليء أنا و دكتور تشازوف -طبيب قلب روسي مؤسس-  مشاعر عميقة من الامتنان والتواضع والفخر لأننا نقبل هذه الجائزة المرموقة نيابة عن الرابطة. كلانا طبيب قلب، وعادة ما نتحدث عن القلب. إذا أردنا أن ننجح في هدفنا المتمثل في تخليص الترسانات العسكرية من أدوات الإبادة الجماعية ، فنحن بحاجة إلى القوة التنشيطية (غير العادية) التي تأتي عندما يتحد العقل والقلب لخدمة البشرية.

نحن الأطباء الذين يرعون الحياة البشرية من الولادة إلى الموت، لدينا واجب أخلاقي لمقاومة  الانجراف نحو الهاوية. يجب علينا التحدث نيابة عن السكان المهددين على هذا الكوكب الهش. 

#Science #Peace #UNESCO  #CARDIOLOGY 

الخميس، يناير 14، 2021

هل تذكرون أطباء سربرينتشا؟ -- إعادة نشر

 هل تذكرون أطباء "سربرينتشا"؟

إعداد و ترجمة د/ إيمان الطحاوي

 "على الرغم من أن الحرب قد انقضت، لكني لا زلت أحملها بداخلي و أعيش في تبعاتها".."نعم، لقد وضعت الحرب أوزارها، لكن الزمن لم يخفف الألم".."لقد تعلمت شيئا فشيئا أن أتعايش مع هذا الألم على مر السنوات، و أخيرا كان علي أن أخلق توازنا بين ألام الماضي التي لازلت أحملها، و الحاضر الذي أعيشه الآن".. " لقد خلقت نوعا من الفضاء السوريالي العجيب بين العالمين. فكلاهما لا يجتمع و لا ينفصل أيضا." 

 " إن كان قدري أن أكون طبيبا أثناء الحرب، فقدري أيضا أن أكون شاهدا؛ أتلو شهاداتي بعد هذه الجريمة".. "علينا ألا نصمت أبدا" " إننا حين نحكي قصصنا أثناء الحرب و المجازر، فإننا نوفي دينا لهؤلاء الذين قتلوا و لم يحييوا ليسردوا لنا قصتهم".." إننا بروايتنا و شهادتنا على الحرب و الانتهاكات و المجازر، نمنع مجازر مماثلة من الحدوث مستقبلا، و سننقذ آخرين من أن يلقوا نفس المصير في المستقبل بطريقة ما" .." و بالنهاية، فإن مالا يتم كتابته و توثيقه يكون كأنه لم يحدث".

 الدكتور إيلياز بيلاف - 2013  Dr Ilijaz Pilav

الطريق الطويل/طريق الموت:

 في يوليه من العام ألف و تسعمئة و خمسة و تسعين،  كان الخروج من بلدة سربرينتشا مستحيلا..كان أطول و أصعب طريق يمكنك أن تسير فيه لتنجو..طريق ابتدأه نحو  اثنا عشر إلى خمسة عشر ألف رجل ذاقوا مرارة الحصار و الجوع في سربرينتشيا لنحو ثلاث سنوات..كانوا يبعدون عن أقرب مكان تحت سيطرة قوات البوسنة المسلمة بنحو 50خمسين كيلو مترا..و كان عليهم أن يسيروا على الأقدام في هذا الطريق منهكين يحملون جرحاهم و العجائز..و محملين أيضا بفزعهم تحت شمس يوليو الحارقة..كان عليهم أن يصارعوا الموت وسط التلال و الغابات، جراء طلقات المدافع و الغازات المهلوسة، التي يطلقها الجنود الصرب بين الحين و الآخر..لقد استطاعوا الفرار من سربرينتشيا في الواحدة ظهرا في اليوم الحادي عشر من يوليو 1995 حيث كانت القوات الصربية على بعد مئات الأمتار من المتشفى.  كان الدكتور بيلاف واحدا ممن رحلوا. و أصر د/ بيلاف رغم تعنت القوات الأممية على إخراج الجرحى معه و أن لا يتركهم وراءه في مستشفى سربرينتشيا مخافة قتلهم على يد قوات الصرب.


كان نحو ثلاثة آلاف و خمسمئة رجل هم أول الواصلين إلى "توزلا" في السادس عشر من يوليه 1995..آخرون ضلوا الطرق و لم يصلوا إلا بعد أسابيع..بعضهم استسلم للصرب مضطرا، أو قبض عليه و من ثم تمت تصفيتهم وسط الغابات..بعضهم مات في الطريق متأثرا بجراحه. وآخرون مفقودون حتى الآن بلا أثر. 

مازال الدكتور بيلاف يذكر السير بين نيران القصف، و طلقات القناصة و الألغام في الغبات. يتذكر و يشهد على مجزرة أخرى، قام بها الصرب في "كرافيتشا" في الطريق ذاته. حيث امتلأ الطريق أمامه و خلفه بالقتلى و المصابين..  كانوا نحو خمسمئة إلى ألف مصاب و قتيل. حاول التأكد أن من لا يستطيع السير من المصابين يتم حمله و نقله.. "كان الأمر مرعبا لكن على الأقل استطعنا إنقاذ حياة بعض الجرحى." حين يتذكر الأمر يشعر بالفزع و تتغير ملامح وجهه كأنه حدث بالأمس القريب.

 مسيرة السلام 2005:

أراد الدكتور بيلاف أن يحيي ذكرى الرفاق و الأقارب ممن ماتوا و ضحوا في هذه الرحلة فأقام  مسيرة السلام في عام ألفين و خمسة. و المسيرة كانت موتا محدقا بالفارين من المجزرة إلى المجهول في صيف عام ألف و تسعمئة و خمسة و تسعين. حيث لم يكن معروفا لديهم أية جهة محددة يسيرون فيها في الغابات،  و لا يعرفون هل لازالت توزلا تحت حكم القوات البوسنية أم سقطت مثلما سقطت سربرينتشيا بيد الصرب؟

مسيرة 1995: إنه لا ينسى...!

لم ينس الطبيب أنات الجرحى يسمعها في الظلام و هو لا يستطيع أن يفعل لهم شيئا. و لم ينس أيضا أخاه الذي كان يسأله عن معنى الحياة و الموت..لم يستطع أن يجيبه، فلم يعد هناك معنى لأي إجابة حينها..افترقا لعل أحدهم يحظي بفرصة للنجاة..لكن أخاه ذهب عائدا إلى قاعدة "بوتوكاري"، و لم يوقفه أخوه  حينها..فلم يكن أحدهما يعلم أين طريق النجاة في هذا الموقف الحرج..و مات أخوه، و عاش هو..لا يزال السؤال يلح على ذهن الدكتور بيلاف كل يوم: هل فعل كل ما بوسعه حقا؟ هل كان هناك ثمة تصرف آخر يستطيع أن يفعله؟ كان شعورا صعبا حين فر إلى "توزلا"، شعور من لا يملك أملا لكنه يحاول و لا يستسلم..للحظات، بكى هذا الطبيب الجراح القوي..و كشف لنا عن قلب محطم لسنوات. قلب طبيب محطم.. تغيرت نبرة صوته و كأنها تحمل ألام الألاف ممن قتلوا و كأنه يتحمل وحده مسؤلية و ذنبا لا يد له فيه..و حين وصل لخط الأمان ، لم يعد يشعر بالخوف من الصرب.. ربما صار شعورا باللاخوف و اللا أمان أيضا. فما الذي سيصيبه أكثر من ما شاهده من أهوال. لم يعد يستسلم للشعور بالفزع.. لكنه أيضا لم يشعر بالسعادة حين وصل و نجا بحياته مع آخرين..و أي سعادة تلك و هناك الألف قتلوا و فقدوا و منهم أخوه الأكبر منذ أيام..  يقول إنه لا يدعي "البطولة المطلقة"..لكنه كان صامدا حقا و بقوة لسنوات..إنه صمود الرجال حقا.   

شارك د/ بيلاف في مسيرات السلام و واصل زياراته لمقبرة "بوتوكاري" حيث دفن ضحايا مجزرة "سربرينتشا".. و بين الحين و الآخر، يلقي كلمة عن المجزرة و عن التسامح أيضا.  

تعريف بالطبيب البطل:

ولد د/ بيلاف في  عام ألف و تسعمئة و خمسة و ستين. بدأ دراسته الطبية في سراييفو و بعد تخرجه قدم له مشرفه عملا طبيا في سراييفو كجراح..لكنه قرر أن يعود لبلدته الجميلة حيث الحياة الهادئة في سربرينتشا على الحدود الصربية البوسنية، ظانا أنه لن يحتاج للعمل في سراييفو كجراح..لكن سرعان ما بدأت الحرب و احتاج مضطرا للعمل في سنوات الحرب كطبيب وجراح أثناء خدمته العسكرية.

بعد حصار لنحو عام، أعلنت سربرينتشيا مدينة آمنة تحت حماية قوات حفظ السلام الأممية مع بلدة "زيبا" ZEPA  في عام ألف و تسعمئة و ثلاثة و تسعين.  لكنها كانت محاصرة في نفس الوقت. لم يكن د/ بيلاف أكمل عامين من التدريب بعد التخرج و عمره ثمانية و عشرون عاما. ..كان –إذن- يعمل بلا خبرة كبيرة و بلا معدات و لا أدوية تقريبا (خاصة المضادات الحيوية و مسكنات الألم و أدوية التخدير)..و مما زادالأمر تعقيدا أنه كان يعمل مع رفاق مدربين..كان د/ بيلاف بينهم طبيبا و عسكريا في ذات الوقت حين كان يؤدي خدمته العسكرية. أخبره القائد "ناصر أوريتش" أن عمله الطبي مقدم على العسكري؛ لأننا إن فقدنا قائدا عسكريا في هذا الحصار، من المكن أن يحل محله من يليه..لكن الطبيب لا حيث لم يعد ناك من أصل خمسة و أربعين طبيبا أحد يذكر..في هذه الأوقات العصيبة كان يعالج الجرحى من مصابي الخطوط الأمامية في الحرب ثم توجه ليصبح طبيبا بالمشفى الوحيد مع رفاقه. في لحظة حرجة، كان عليه أن يحسم أمره، فإن شاء هرب و تنصل من المسؤلية و إن شاء بقى و تعرض للخطر مع رفاقه الخمس..خمس أطباء فقط عليهم أن يعالجوا جرحى و مرضى -بكافة التخصصات- في مدينة مغلقة على نحو أربعين إلى خمسين ألفا، من أهل البلدة و الفارين إليها وكثير منهم فقراء أو بلا مأوى..مرت الأيام، و اعتاد الأطباء الخمس العمل تحت القصف، لدرجة أن قذيفة سقطت داخل غرفة العلميات، لكنها لم توقفه عن إتمام الجراحة التي كان يقوم بها. فانتظر حتى انقشع الغبار الذي خلفته القذيفة ليكمل خياطة الشريان في جراحة لمصاب في ذراعه و وجهه من أثر قصف سابق. بالنهاية، أجرى د/ بيلاف  نحو ثلاثة ألاف و خمسمئة جراحة أثناء سنوات وجوده في "سربرينتشا".   

و جاءت أولى المساعدات الطبية من " توزلا" حيث خاطر بتوصيلها طبيب مقدام آخر و هو (د/ ندرت مويكانوفيتش) Dr Nedret Mujkanovic . أحضر المعدات و الأدوات الجراحية اللازمة لأصدقائه الأطباء المحاصرين في "سربرينتشيا". قام بتهريبها سيرا لمدة أسبوع متخطيا الألغام و مرمى نيران الجنود الصرب ليدخل "سربرينتشا" في أغسطس 1992. و قضى نحو ثمانية أشهر مساعدا زملائه في "سربرينتشا"، أجرى نحو ألف و ثلاثمئة عملية جراحية. لاحقا، منح أعلى تكريم من الجيش البوسني و هو  (الزنبقة الذهبية)...و أخيرا،.. مات منتحرا  في العام ألفين و ثمانية.

يقول الدكتور بيلاف: "لقد كان علي أن أقنع المصاب بأن يتحمل الألم لأطول وقت ممكن أثناء الجراحة مثل البتر مثلا أو جراحة في البطن..و أعلم في قرارة نفسي، أنني شخصيا لا أتحمل هذا الألم"..كان ذلك بسبب عدم وجود أدوية التخدير، و التي لم تصل إلا بعد شهور من الحصار و بكميات قليلة. كان الأمر أشبه بعملية تعذيب يضطر لها الطبيب لينقذ المصاب و يقبل بها المصاب لينقذ حياته. كان المستشفى المحاصر - بلا أدوية أو مستلزمات- أقرب لمكان بدائي من القرون الوسطى أكثر من كونه مكان طبي في نهاية القرن العشرين. و  وصلت المواد المخدرة متأخرة في قافلة لاحقة.

كان عدد المصابين يزداد مع القصف و انفجار الألغام يوما بعد يوم. و عليهم أن يتعاملوا مع الأمر بنجاح لكن بخبراتهم البسيطة و بلا إمكانيات تقريبا! كان المصابين متراصين في الطرقات و الأطباء يعملون دون توقف لأيام بلا راحة يواصلون ليلهم بنهارهم.. التحق بهم طبيب و تخرج آخر وقتل ثالث- الدكتور نجاد دتزانيتش- -  Dr Nijaz Dzanic- أثناء قصف جوي في صيف 1992العام ألف و تسعمئة و اثنين و تسعين..كان عليهم أن يخدموا نحو  50 ألف مدنيا ممن يعيشون في "سربرينتشا" محاصرين من 1992 حتى 1995. 

لقد اندهش فريق عمل منظمة "أطباء بلا حدود" من ظروف العمل وسط نقص المستلزمات و المعدات في بداية الحرب..و فعلوا ما بوسعهم لإدخال الإمدادات الطبية (و التي تفنن الصرب في عرقلة دخولها حتى مع القوات الأممية عدة مرات). كان هذا بعد شهور من عزل سربرينتشيا..و كانت مساعدتهم محل تقدير كبير من الجميع أطباء و مصابين. 

يوم المجزرة:

و أخيرا، جاء اليوم الحاسم.. حين بدأ الصرب دخول سربرينتشيا...الآن، عليك أن تنقل المصابين من المستشفى قبل أن تصل قوات الصرب و التي لم تتوان من قبل عن اقتحام المستشفيات و قتل الجرحى. عمل د/ بيلاف رفقة زملائه الأطباء بالمستشفى لا ينام إلا ثلاث ساعات يوميا لمدة خمسة أيام منالسادس من 6 يوليه حتى اليوم الحادي عشر من الشهر ذاته..كان الصرب يقصفون منتصف البلدة كل ساعة تقريبا  بينما تجري مناوشات على أطراف البلدة. رفض د/ بيلاف أن يعتبر هذه هي النهاية، حاول إرسال رسالة باتصال إذاعي للقوات البوسنية (ليخبرهم بوصول قوات الصرب للبلدة) عن طريق مكتب البريد، فجاءه الرد: "إن القائد يستريح الآن". ربما كانت القوات الصربية تتحكم في الإشارات حينها. لا شيء لم يفعله الصرب..و رأى أنه لا أمان أو تعويل على القوات الأممية. توجه لقائد من كتيبة القوات الهولندية المسؤولة عن حماية المدنيين في سربرينتشيا مطالبا إياه بحماية المستشفى و فتح البوابة و إزالة السلك الشائك ليخرج المصابين منها. رفض القائد طلبه بحجة أن القوات الأممية لن تستقبل هؤلاء الجرحى في مقرها لأنهم غير مهيئين للتعامل مع الجرحى..ثم أجابه القائد أنه لا علاقة له بالصراع بين المسلمين و الصرب..لم يكن هناك وقت ليناقشه فهدده الطبيب بفتح البوابة بالقوة..و أخيرا، سمح له القائد الأممي بإخراج الجرحى من المستشفى قبيل وصول قوات الصرب..هذا التصرف و الرد الأممي يلخص رد كل مسؤولي الأمم المتحدة حينها.. و حين صرخ أحدهم "الصرب دخلوا البلدة"، كان على الأطباء الخمس أن يختاروا من بين مئات المصابين من منهم سيستطيع السير، و من يجب حمله. أخذوا معهم  ما تمكنوا من حمله من الأدوية و المحاليل البسيطة ليبدءوا رحلة الخروج من "سربرينتشا". خرجوا كسرب ممزق من المنهكين و المرضى و المصابين و الأطباء..خرجوا ليبدءوا رحلة الطريق الطويل.

 أحد جنود هولندا من القوات الأممية قال مدافعا عن نفسه حين أدين بالتورط و التواطوء مع قوات الصرب قبيل مجزرة "سربرينتشا". قال: إنه من الصعب تحديد من هم الرجال الطيبون و من هم الأشرار!..و بهذا القياس المغلوط و التبرير الأحمق، فهو يدعي أنه لم يكن مخطئا حين تراخى أو تواطأ مع قوات "صربيا" حين تسلمت بلدة "سربرينتشا" التي كانت تحت حماية الأمم المتحدة..بالنهاية، ارتكبت المجزرة... 

عودة إلى المشفى الميداني:..

**في كتابها (مشفى حرب: قصة حقيقية للجراحة و البقاء) المنشور في عام ألفين و ثلاثة..تعرض لنا الطبيبة و الصحفية الأمريكية (شيري فينك) و الفائزة بجائزة بوليتزر..تعرض لنا تجربة خمس أطباء احتجزوا في جيب "سربرينتشا" مع نحو خمسين ألف من الرجال و النساء و الأطفال العزل في أبريل من عام ألف و تسعمئة و اثنين و تسعين حتى عام ألف و تسعمئة و خمسة و تسعين.. و كان عليهم أن يكونوا الملجأ الطبي الوحيد للجرحى دون وجود جراح واحد بينهم في مشفى صغير معد لخدمة بلدة صغيرة يسكنها أقل من عشرة ألاف. فإذا به فجأة ملجأ لنحو خمسين ألفا و لسنوات.. و بمساعدة من ثلاثة أطباء آخرين أحدهم من أطباء بلا حدود..و الآخر جراح من البوسنة كان عليه أن يعبر الطرق  و حقول الألغام ليصل لهم..استطاعت هذه المجموعة الصغيرة أن تعبر أزمة استمرت لأربع أعوام و نصف..كانت على أشدها حين احتل الصرب سربرينتشيا في يوليه 1995. و كانت أصعب الأوقات المصيرية حين يقرر الطبيب أن هناك أمل من أن  يعالج هذا الجريح و أن عليه أن يترك ذاك الجريح ليلقى حتفه.

كان الأمل في ألا يحدث هجوم بسبب من وجود القوات الأممية و أحد أطباء "منظمة أطباء بلا حدود"..كان أملا خادعا لم يصدقه حتى أي ممن تعلقوا به..فلا الأمم المتحدة حمتهم و لا الصرب خافوا من تشوه صورتهم أمام العالم منذ بدء الحرب. فأعمل الصرب آلة القتل متعطشين لمزيد من الدماء..فحصدوا بدم بارد أرواح أكثر من ثمانية ألف رجل أعزل في نحو ثلاثة أيام، و هكذا كانت كانت مجزرة سربرينتشيا. 

__

"The five doctors who remained – Ilijaz Pilav, Avdo Hasanovic, Fatima Dautbasic, Branka Stanic and Ejub Alic – had to bear the burden providing care to the 50,000 people in the besieged town of Srebrenica".

و قبل أن أنتهي و على سبيل العرفان: أتلو أسماء الأطباء الذين كانوا بالمشفى في سربرينتشا.

"إلياز بيلاف ، أفدو حسنوفيتش ، فاطمة دوتباسيتش ، وبرانكا ستانيتش ، وإيجوب أليتش – و دائما معهم نجاد دتزانيتش- ندرت مويكانوفيتش"..

هذا، و دم الشهداء...

د/إيمان الطحاوي.

 ملحوظة: ترجمة الاسماء من ترجمتي قدر المستطاع. أرحب بالتعليق و التصويب.

SOURCES:

http://www.srebrenica.org.uk/survivor-stories/dr-ilijaz-pilav/

https://iwpr.net/global-voices/unsung-heroes-srebrenica
https://www.goodreads.com/book/show/209414.War_Hospital

https://scholar.google.com/citations?user=Z27VqOIAAAAJ&hl=en
https://jamanetwork.com/journals/jama/article-abstract/198822

https://www.refworld.org/docid/51e3a5e24.html
https://www.nytimes.com/1993/04/24/world/conflict-balkans-view-bosnia-war-srebrenica-hospital-s.html


الأحد، يناير 10، 2021

في وداع 2020 ..أن تأتي متأخرا

مما قرأت: المواضيع الأكثر رواجًا لعام 2020: ما بحث عنه النّاس في العالم العربي بعيدًا عن فيروس كورونا المستجد

مرّ عام ومعه أحداث لم تخطر على بال أحد، مع بداية انتشار فيروس كورونا المستجد وغيره من الأحداث. فهل كانت الجائحة هي الموضوع الذي بحث عنه الجميع وتصدّر قوائم عمليات البحث الأكثر رواجاً على Google لسنة 2020؟

 لقد أوضحت عمليات البحث الأكثر رواجاً على محرك بحث Google أنّ على الرغم من وجود الجائحة، إلا أن شغف التعليم ومواكبة الاهتمامات من الرياضة إلى الفن كان له دور هام في حياتنا جميعًا. وكان ذلك وفقًا لتقرير Google السنوي الذي يتناول أكثر مواضيع البحث رواجاً وبحثًا لعام 2020 والتي تتضمن الشخصيات العامة والمشاهير والأحداث والأغاني والبرامج التلفزيونية والمسلسلات والمباريات الرياضية في مختلف الدول العربية. 

تم إعداد التقرير من خلال النظر إلى زيادة عمليات البحث أو الأسئلة المطروحة (المجمعة ومجهولة الهوية) على محرك Google في الفترة بين عامي 2019 و2020. وقد حُذف المحتوى غير المناسب إلى جانب الأسئلة المتكرّرة، لاستخلاص نتائج تعكس جانبًا من تجارب واهتمامات الأفراد في العالم العربي.

فما هي المواضيع والأحداث التي جذبت انتباه المنطقة بعيدًا عن الجائحة؟ إليكم نظرة وفقاً للترتيب الأبجدي للدول العربية:


مصر:

تصدرت "نتائج الثانوية العامة" المرتبة الثانية، فلم يقل الاهتمام بالدراسة أثناء الجائحة على الرغم من التحديات التي واجهها المعلمون والطلاب. وكانت "المكتبة الرقمية" ضمن الكلمات الأكثر بحثًا في مصر مع محاولات التأقلم للدراسة عن بعد. واستمر المصريون في ملاحقة اهتماماتهم سواء في متابعة أحداث عالمية مثل "الانتخابات الأمريكية" أو متابعة كرة القدم وخاصة "الدوري المصري". وأما محبي المسلسلات، فكان البحث عن مسلسلات "الاختيار" و"البرنس" هم الأكثر رواجاً.  


 

المصدر

 https://arabia.googleblog.com/2020/12/2020.html

الأحد، أغسطس 16، 2020

فاطمة.. " وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ"

ما الذي اقترفته فاطمة، و من ذا الذي تزعجه مولودة بعمر الساعات حتى يقتلها؟



في  12 يوليه 1995، أنجبت (هافا موهيتش) ابنتها في المقر الهولندي لقوة الأمم المتحدة للحماية (مصنع بطاريات قديم). أنجبتها بعد يوم من دخول القوات الصربية لبلدة (سربرينتشا). قتل جنود صرب بعضا من مسلمي سربرنتشا داخل محيط المقر الأممي. و منهم صبي ذبح و رأت أمه جثته مفصولة الرأس أثناء خروجها بالحافلة. لقد قامت قوات الأمم المتحدة بدورها المخزي، طلبوا من قوات الصرب أن لا يقتلوا أحدا قريبا من المقر! و جاءتهم الأوامر بعدم الاحتكاك مع قوات الصرب فتركوهم يقتلوا أمام أعينهم. بعد ساعات، قتل الصرب زوجها و أخيها في نفس المجزرة مع أكثر من ثمانية ألاف رجل بمقابر أخرى جماعية.    

في أواخر عام 2011،  أدلى أعضاء الكتيبة الهولندية الأممية بشهادتهم بعد إنكارة لسنوات. اعترفوا بوجود مقبرة جماعية بمحيط المصنع.  

 في 10 ديسمبر 2012، تم العثور على بقايا المولودة (فاطمة)، من بين خمسة ضحايا تم استخراجهم من المقبرة الجماعية داخل المصنع. كانت عظامها صغيرة و مختلطة ببعضها مع الآخرين. لم يكن من السهل تحديد لمن ينتمون.  فاطمة هي أصغر ضحية للإبادة الجماعية في سريبرينيتشا. هناك ما لا يقل عن 8371 ضحية أخرى ، لكن فاطمة عاشت أقصر وقت خلال تلك الليلة العصيبة من يوليو.

هناك رواية أخرى..حيث تلقي الأم باللوم في وفاة طفلها على الاندفاع المحموم للبحث عن الأمان بين قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بينما اجتاح صرب البوسنة البلدة. غادر الأطباء الخمسة حينها مع الجرحى في ظروف عصيبة. تقول الأم أن سيدة ساعدتها في الولادة في مجمع الأمم المتحدة. لم يسمحوا لها حتى برؤية المولودة فور ولادتها. أخبرتها السيدة بعدها أن الفتاة ولدت ميتة، و ان حبلها السري كان ملفوفا حول رقبتها! لم يخبروها أين جثتها و لا أين دفنت! بعد نصف ساعة كانت تنزف بعد الولادة، و كان عليها أن تشحن في الحافلات مع بقية النساء المغادرات سربرينتشا. انتهى الأمر!

في 11 يوليه 2013،  بعد أن توسلت الأم (هافا) أن تسمي طفلتها، حتى يكون لها اسم مكتوب على شاهد قبرها. أطلقوا عليها اسم (فاطمة). و إن لم يكن للطفلة نصيب من الحياة و لم يرحمها قاتلها، فليكن لها اسم بعد الممات. تم دفنها في المقبرة الجماعية مع 408 ضحية أخرى تم التعرف على رفاتهم بتقنية الحمض النووي في مشهد يتكرر كل عام. دفنت رفاتها في قبر صغير مغطى بالزهور بجوار قبر أبيها و قبور معظم رجال العائلة الذين قتلوا في نفس المجزرة.

في 11 يوليه 2020،... فاطمة ، اليوم عمرها 25 عاما، و كل عام ستكبر معنا..فاطمة عمرها بعمر مجزرة سربرينتشا. إنني أتخيل قاتلها الصربي الآن يكبر كل عام و ينعم بحياته. و أراه مع بقية مجرمي المجزرة و قد أطلق سراحهم بعد تمضية بضع سنوات. و ربما لم يحاكم بالأساس! فالقصاص الدنيوي ليس عادلا تماما..من يحاسب كل الجنود واحدا تلو الآخر و بأي دليل؟ إن كثير من قادة الحرب المحرضين على المجازر لم يحصلوا على سجن مدى الحياة و بعضهم خرج بعد انتهاء محكوميته منذ سنوات!  فما بالنا بصغار الجنود؟

من بين ألاف من مجرمي حرب البوسنة، هنالك شخص واحد أتعجب منه.. هذا الذي قتل أو تسبب في وفاة رضيعة بعمر الساعات و ذاك الذي ذبح ذبحا طفلا بعمر الست سنوات أمام أعين القوات الأممية في 12 يوليه 1995..و آخر قتل كهلا مسلما يناهز السبعين في نفس توقيت المجزرة!  

أسائلهم: (بأي ذنب قتلتموهم؟ بأي ضمير فعلتم فعلتكم تلك؟ بأي عقل كنتم تتصرفون؟) 

المراجع:

https://www.danas.rs/dijalog/licni-stavovi/oprosti-nam-fatima/

https://prishtinainsight.com/forgive-us-fatima/

https://www.sarajevotimes.com/youngest-victim-bothered-two-day-old-fatima/

https://www.findagrave.com/memorial/113676834/fatima-muhic

Daughter of Hajrudin & Hava Muhic

Born & died at the United Nations compound in Potocari, Srebrenica

http://srebrenica-genocide.blogspot.com/2012/12/testimony-i-saw-headless-body-of-my-son.html

https://www.flickr.com/photos/bosnjaci/9409557941

AFP PHOTO / ELVIS BARUKCIC (Photo credit should read ELVIS BARUKCIC/AFP via Getty Images)


Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...