الجمعة، يوليو 22، 2022

شاهد و مشهود: مذبحة ماي لاي Mỹ Lai massacre

إعداد د. إيمان الطحاوي

الشهادة:
"يبدو لي أن هناك قدرًا هائلاً من القتل غير الضروري يحدث هناك. هناك شيء غير صحيح في هذا. هناك جثث في كل مكان. هناك خندق مليء بالجثث. هناك شيء خاطئ هنا. هؤلاء بشر، مدنيون عزل."

كان على أندريوتا أن يمشي على عدة جثث مشوهة بشدة للوصول إلى حيث كان ذاهبًا. رفع جثة بها العديد من ثقوب الرصاص في الجذع، وكان هناك طفل ملقى أسفلها. كان يبلغ من العمر خمس أو ست سنوات، مغطى بالدماء ومن الواضح أنه في حالة صدمة...طار طومسون إلى مقر فرقة باركر، وأبلغ رؤساءه بغضب عن المذبحة.  سرعان ما وصل تقريره إلى المقدم فرانك باركر، القائد العام للعملية. أجرى باركر على الفور اتصالاً لاسلكياً بالقوات البرية لوقف "عمليات القتل". بعد إعادة تزويد المروحية بالوقود، عاد طاقم طومسون إلى القرية للتأكد من أنه لا مزيد من قتل المدنيين والتأكد من إجلاء الجرحى.


القصة:
في صبيحة يوم 16 مارس 1968 قام الملازم وليام كالي وجنوده بتطويق قرية ماي لاي ثم قام بجمع القرويين العزل وأمر بإضرام النار في بيوتهم وقتل كافة السكان. لاقى ما بين 300 و500 مدني مصرعهم في هذه المجزرة التي تواصلت حتى اكتشفها اثنان من الجنود كانا يحلقان قدرا فوق المنطقة فتدخلا لإيقاف العملية.

التوابع:

بعد مرور عام على تلك الأحداث وفي شهر مارس من سنة 1969 قام الجندي رينولد ريدنهاور ببعث رسائل إلى عدة شخصيات ومؤسسات رسمية مبلغا بذلك عن ملازمه وكاشفا فظاعة مجزرة كانت ستموت مع ضحاياها. وفي يوم 20 نوفمبر قامت وسائل الإعلام بكشف القضية وبنشر صور الضحايا.

قامت محكمة عسكرية بالحكم على ويليام كايلي بالسجن مدى الحياة غير أنه تم إطلاق سراحه بعد يوم عندما منحه الرئيس نيكسون عفواً رئاسيّا!

حاول العديد من الأمريكان تشويه سمعة هيو طومسون لشهادته ضد أفراد جيش الولايات المتحدة في مذبحة ماي لاي. . تأثرت حياة طومسون الشخصية و معنوياته. لكنه صمد كثيرا

_________________________

الكلمات المفتاحية:

شاهد و مشهود: مذبحة ماي لاي فيتنام أمريكا جيش جرائم ضد الإنسانية جرائم حرب 

 Mỹ Lai massacre March 16, 1968  

تعريف السلسلة   شاهد و مشهود: إن الله أقسم بشاهد شهد، ومشهود شهد، ولم يخبرنا مع إقسامه بذلك أيّ شاهد وأيّ مشهود أراد، وكلّ الذي ذكرنا أن العلماء قالوا: هو المعنيّ مما يستحقّ أن يُقال له: ( َشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ).

الثلاثاء، يوليو 19، 2022

ساد الصمت، و خرج طفل من كومة الجثث صائحا: "أبي، أبي، أين أنت؟" #srebrenica

بقلم د. إيمان الطحاوي 

المكان: قرية بالقرب من سربرينتسا، في البوسنة والهرسك.

الزمان: 14 يوليو 1995.

الحدث: أسر جنود الصرب (لواء زفورنيك) رتلا من الرجال المدنيين الذين فروا بعد سقوط سربرينتسا أو الذين انفصلوا عن النساء والأطفال في بوتوكاري بالقرب من سربرينتسا. نقلهم الصرب إلى مدرسة في قرية أوراهوفاك بالقرب من زفورنيك؛ حيث تحول المكان إلى ساحة إعدام جماعي لمسلمي البوسنة (البوشناق). كانوا يقتلونهم على مجموعات. ثم يذهبون ويفتتحون في الغناء والاستراحة قبل أن يعودوا ومعهم مجموعة أخرى ليشرعوا في إطلاق النار عليهم. وهكذا قتلوا نحو ألف مسلم في ساعات.

استخدم أعضاء من سرية الهندسة التابعة للواء زفورنيك معدات ثقيلة لدفن الضحايا في مقابر جماعية في موقع الإعدام. لاحقا، كشف عن إزالة الجثث من القبور الأولية وإعادة دفنها في مقابر ثانوية على بعد عشرة كيلومترات تقريبا. عرف ذلك بواسطة تحليل الطب الشرعي لعينات التربة، مع الأدلة والصور الجوية المقارنة قبل وبعد المجزرة.

كان من بينهم صبي يبلغ من العمر سبع سنوات أنقذه سائق سيارة الإسعاف كان يعمل في جيش صرب البوسنة. واحدة من الشهادات الأكثر إثارة للصدمة سجلت في محكمة لاهاي هي بالتأكيد تلك التي تتحدث عن إطلاق النار على الصبي فخر الدين مؤمينوفيتش وحول نجاته. فهي لا تزال تثير المشاعر العميقة.



الطفل: " فخر الدين مؤمنوفيتش"

المنقذ: " الشاهد المحمي هو سائق إسعاف في لواء زفورنيك في (جيش صرب البوسنة) وشاهد عيان على إطلاق النار على الأسرى البوشناق في بلدة أوراهوفاك.

دعونا نعيش هذه الدقائق مع شهادة السائق والطفل.

لنبدأ بشهادة سائق الإسعاف الصربي؛ إذ تعادل - في ميزان العدالة- شهادة العشرات من البوشناق. فالفضل ما شهدت به الأعداء. كونها فريدة ومؤثرة، ستبقى في ذاكرة الكثيرين.

يقول الشاهد المنقذ:


" ثم حدث شيء فظيع لا يمكن تصوره لا أستطيع أن أنساه لليوم ولن أنساه للأبد. أظل أفكر فيما يمكن أن يفعله انسان بآخر. بغض النظر عن كم الرعب الذي شعرت به في العديد من الأفلام والأفلام الوثائقية وما إلى ذلك، بغض النظر عن عدد كتب الرعب التي قرأتها، وعن الكتب التي تجعلك تبكي على مصير شخص آخر. دعني أخبرك، هذا لا يقارن بما رأيته هناك؛ إذ أصبت بمرض السكري من هول ما رأيت.

من تلك الكومة من الجثث المتراكمة والدخان ... التي لم تعد تبدو كأجساد بشرية. كانت مجرد قطع لحم، فجأة ظهر إنسان. أقول إنسانًا، لكن في الواقع كان صبيًا في الخامسة إلى السادسة من العمر. إنه مشهد لا يصدق. لا يصدق. يخرج إنسان ويسير باتجاه الطريق، الطريق الذي يقف فيه الجنود، يطلقون النار بالبنادق الآلية، الذين كانوا ينهون ما كانوا ينهونه للحال (القتل). هذا الطفل يتجه مباشرة إليهم. وهو يتألم.

جميع الجنود ورجال الشرطة الذين وقفوا على هذا الطريق، الأشخاص الذين تعلموا القتل، أنزلوا أسلحتهم فجأة وابتعدوا. كان الصبي مغطى بأجزاء من أحشاء القتلى الآخرين. صاح الطفل: "بابا، بابا، بابا". المسلمون (البوشناق) ينادون الأب بابا.. وقف ضابط أمام الجنود، أعتقد أنه عقيد، مخاطبا الجنود بقسوة: "ماذا تنتظرون، اقتلوه!" فرد عليه الجنود الذين كانوا سعداء بالقتل منذ لحظات: سيدي لديك مسدس، فلماذا لا تقتله أنت؟ كان الجميع عاجزا عن الكلام فيما بعد. ثم خاطب الضابط جنوده: "اصطحبوا ذلك الطفل إلى الشاحنة ثم احضروه فيما بعد مع مجموعة أخرى، لنتخلص منه". أمرهم الضابط بنقل الصبي إلى مركز اعتقال قريب، وإعادته لاحقًا إلى مكان الإعدام وقتله في جولة جديدة من قتل البوشناق.

يستكمل الشاهد:

كان الطفل مصدوما، وظل يردد: "بابا، بابا، أين أنت؟" أخذ الجنود الطفل ووضعوه في الشاحنة وهو ينزف. ثم قفزت وقلت للجنود: 'اسمعوا، سأصحبه إلى شاحنتي، وسأعزف الموسيقى لإلهائه عما حدث. سأقوم بتشغيل الراديو. صعدت إلى الشاحنة وأشعلت الضوء، وأدرت الراديو، ووجدت محطة الإذاعة المحلية. فقلت له: تعال، تعال إلي. انظر، لدي ضوء، وموسيقى. فجأة أمسك بيدي. لا أريد أن يشعر أحدكم بما شعرت به. كنت معروفا بأنني رجل قوي وصعب المراس. لكنني لا أريد أن يتعرض أي شخص لما شعرت به وهو يقبض على يدي. لقد صدمت بقوة قبضته ".

"عندما أحضرته إلى قسم الجراحة ، أمسك بيدي ، و قال لي: بابا، لا تدعهم يأخذوني بعيدًا، من فضلك". وحتى يومنا هذا، يتردد صدى كلماته في أذني.. وبينما يفحصه الطبيب وينظفه من بقايا الأحشاء البشرية واللحم، شممت رائحة كريهة. لم أفهم كيف لم أشم تلك الرائحة النتنة عندما كنت أنقله بالشاحنة إلى المستشفى. لقد صدمت للغاية من الحدث برمته."

" أعلم أنني خاطرت بحياتي لأخلص هذا الطفل. لكن هل يمكن أن يكون الأمر أسوأ من هذا ؟ لقد رأيت ذروته؛ فالذي قتل للتو كل هذا العدد من البشر فسيكون بالتأكيد مستعدا أن يقتلك".

أخذ الشاهد الصبي إلى المستشفى في زفورنيك، ونقلوه إلى قسم الجراحة لإصابته بطلق ناري في يده وساقه. استغرق علاجه ثمانية أشهر تقريبا.

أعود إلى الطفل، حيث قال مؤمنوفيتش خلال شهادته في المحكمة ثم في بيان لوسائل الإعلام لاحقا:



"في يوليو / تموز 1995، كنا نعيش في قريتنا أوركوفيتشي شرقي البوسنة. تفرقنا عن بقية أسرتنا في أحداث سربرينتسا. كنت وأبي في المنزل، حين سألني أن أعطيه له مصباحا آخر محل المصباح الذي لا يعمل. ذهبت إلى النافذة لأرى شيئًا وسمعنا أحد الرجال يصرخ أن التشتنيك (جنود الصرب) يقتربون من المنزل. أخبرني والدي أن أتوارى تحت السرير، لكن جنود الصرب عثروا علينا وأخذونا إلى الخارج. عصبوا أعيننا بأوشحة بيضاء لكيلا نرى وجهتنا لكنها تعني أن الموت سيأتينا فجأة. ركبنا الشاحنة، أتذكر القماش المشمع الأخضر. سرعان ما سقط وشاحي فطلبت من والدي ربطه لي لكنهم لم يسمحوا لي بل شدوه بقوة. شعرت بالرعب حين قادونا لمسافات، ثم توقفوا فجأة في الغابة. أخرجونا من الشاحنة وأمرونا بالاستلقاء. واستلقينا جميعًا على بطوننا في صف واحد. بدأوا في إطلاق النار علينا ".

يقول فخر الدين:

في لحظات: سمعت طلقات الرصاص وسمعت أصوات القتلى يتألمون وشعرت بكومة من الجثث تسقط فوقي وسقطت. كنت ملطخًا بالدماء والأشلاء. كنت أنزف وأتلوى من الألم. لكنني لم أمت. صرخت "بابا بابا أين أنت؟ ونظرت ورائي ورأيت والدي ينازع الموت. صرخت "بابا، لا تدعهم يأخذونني". سألتهم عما إذا كان يمكنه الحضور معي فقيل لي لا. كان هذا آخر ما رأيت منه قبل أن ينقلوني إلى عربة المسعف وأغادر المكان.

لم يتذكر فخر الدين من اسم منقذه إلا أن اسميه الأول والأخير صربي. وبالكاد يتذكر فترة الشهور الثماني التي قضاها في المستشفى. بحث عمه "رامو مؤمنوفيتش" عنه لعدة أشهر، وفي النهاية وجده أحد نشطاء الصليب الأحمر الدولي. ثم نُقل إلى مستشفى في توزلا. قال عمه إنهم حاولوا إخفاء حقيقة إصابة الصبي في المجزرة فأقروا في خطاب خروجه من المستشفى، أنه عثر عليه في الغابة مثلما قال السائق الذي أنقذه. في الفيديو، يمكنني رؤية الصبي في مقعد سيارة الجيب، منتظرًا بفارغ الصبر رؤية أخته وعمته وعمه. في نظرته، ترى ذكرى والده الذي لم ينج من إطلاق النار. ينظر إلى عمته وكأنه يتذكر بها والدته التي رحلت في زمن الحرب في سربرينتسا بعد أن أنجبت ابنتها. كان هذا هو اللقاء الأول بين ذراعي أحبائه منذ شهور.

أحيانا، يعاني الطيبون رغم ما يقدمونه من لفتات إنسانية عظيمة:

الدنيا تقتل الطيّبين جداً، اللطيفين جدا والشجعان جداً بلا تمييز. تقتلهم بإنصاف.

إرنست همنجواي - وداعا للسلاح

يعلم فخرالدين أيضًا أن الرجل الذي أنقذه عانى جراء فعلته. رغم أنه كان أيضًا شاهدًا محميًا في محكمة لاهاي.



قال مؤمنوفيتش: "بسبب ما فعله معي وما أدلى به في شهادته ضد الصرب في لاهاي، فقد تنكرت له عائلته طوال حياته. ولم يحضر جنازته سوى القليل منهم". الآن وقد رحل عن دنيانا، أود أن أقابل زوجته وولديه. إنهم يعيشون في فنلندا، بعدما عاشوا لفترة في روسيا. إذا التقيت بهم، فسأشكرهم وأخبرهم أن والدهم كان رجلاً عظيمًا وشجاعًا وإنسانًا. لقد أنقذ حياتي، ورجل أنقذ حياة واحدة، وكأنه أنقذ الناس جميعا. إذا أرادوا، فسأحتضنهم وأقبلهم، لأنهم إذا قبلوني، فسيكونون أصدقائي وعائلتي "، قال مؤمنوفيتش. يقول عمه رامو مؤمنوفيتش: "أود أن ألتقي بهم. يتيح لك ذلك أن ترى أنه يوجد الخير في كل مكان في هذا البلد". ويضيف: "الصرب قتلوا والد فخر الدين في هذا البلد، لكنه أيضًا المكان الذي أنقذ فيه أحد الصرب فخر الدين".




(وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) المائدة -32.

شهادة الضحية والجلاد:

في وقت لاحق، أدلى فخر الدين مؤمنوفيتش، بصفته شاهدًا محميًا في المحكمة في لاهاي، بشهادته ضد المجرمين.

وبعد عقدين من التخفي، قرر أن يعلن أنه ذلك الصبي الذي نجا من إطلاق النار. "سأكشف عن اسمي وذاتي علنا. أريد أن يعرف الجميع ما حدث لنا وأن يعرفوا من أنا. ليس هناك حاجة للاختباء مثلما فعل الشاهد(السائق). "

شهادة فخر الدين عمل مؤثر وبطولي. أن تقف في محكمة لاهاي، وأن تنظر في أعين القتلة، بل وأن تعود إلى موقع الإعدام. أراد القدر أن يعيش فخر الدين؛ ليكون شاهدا على المجزرة.

فيديو شهادة المحكمة:

الصمت يلف ساحة المحكمة. المجرمون السبعة في قفص الاتهام. والرؤوس محنية من هول ما تسمع أم من خزيا من جرم ما اقترفت. حتى القاضي يجلس صامتا ويلوح بعصبية. كاد أن يبكي. يعلق: ذاك بدع من الشر، لم نسمع به من قبل، ولم يكن متأصلًا في البشر.



من المحزن أن نستمع لقصة الناجي من المذبحة. فمن هو الناجي؟ الطفل أم المسعف؟

في الواقع، كلاهما ناج من هذه المجزرة. أما الطفل الذي كاد أن يكون ضمن الضحايا لكنه نجا. ويكفيه الألم النفسي والضياع الذي خلفته الحرب بل ذكرى الساعة الأخيرة من المجزرة بينما مات أبوه فيها.


"وجدته نازيًا غير نادم ادعى أنه لم يتعمد أن يضر أبدًا بأي أحد شخصيًا وقام فقط بواجباته كضابط."

-تعليق ابن عن أبيه الطبيب العسكري النازي جوزيف منجليه.

أما القاتل فهو الجندي الصربي/سائق الإسعاف. إنه ناج أيضا. لهذا أعجب منه حين قتل وشارك مباركا لما يفعله زملاؤه. وأعجب أكثر حين توقف عن القتل بل أقف أمامه كثيرا. أمام هذه النفس البشرية التي تقتل نفوسا بالمئات والألاف من المدنيين العزل و(شباب ومراهقين و شيوخا بل ونساء). ما الذي كان يدور في نفسه الشريرة لتقدم على هذه المجزرة طوعا؟ أي شهوة حيوانية هذه؟ حتى الحيوانات لا تفعل هذه المقتلة فتكتفي بفريستها التي تشبع جوعها فقط. كيف يعود لأسرته وأطفاله وبأي يد حانية يمسهم وقد قتلت للتو أبرياء مثلهم؟ وكيف يستقبلونه وينظرون في عينيه؟ أيستقبلونه استقبال المنتصر في حرب شريفة أم استقبال قاتل وضيع فتك بمدنيين عزل؟ فتخلص منهم حقدا أو شهوة أو بلا سبب! لا أعلم. لا أحد يعلم ما يدور في النفوس في هذه اللحظات. لكنه الحقد منشأ كل الشرور والآثام.

وما الذي أوقفهم حين شاهدوا خروج الطفل من كومة الجثث؟ إنه القدر. رسالة من الله ليتوقفوا ولو مؤقتا ثم يشهد بما اقترف زملاؤه في المجزرة. فجأة عدل عن هذا الرأي الذي أمر به القائد، ثم هرب الطفل الجريح إلى مشفى. لاحقا، ربما أراد أن يتطهر من هذه الآثام بشهادة حق في محكمة الأرض قبل محكمة السماء. ودفع ثمنها من إنكار قومه لفعلته (الشنيعة) إذ كيف ينقذ طفلا من القتل؟ بل وكيف يشهد بالحق؟




توقفت عند طلب الشاب من أهل الجندي الصربي أن يكونوا أهله. نعم، فكلاهما (القاتل والمقتول) ناج. نجا الطفل من الموت بلا إثم. ونجا الجندي من إثم القتل. نعم لقد قتل هذا الجندي وغيره ربما مائة نفس أو يزيد، لكنه وحده توقف وكفر عن فعله بالشهادة. اعترف بذنبه صادقا. الاعتراف الصادق بالذنب هو الخطوة الأولى للعدل. أما الكبر والإصرار فلا يفرز لنا إلا مزيدا من القتل قد يمتد لعقود وقرون. هذا الجندي أوقف هذا الشلال من الحقد والإصرار والإنكار. ترك لأسرته تاريخا مشرفا رغم إنكارهم لفعلته حتى بعد مماته.

إنني أعجب من عدالة السماء وقد اختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. إذ كيف ستتنازع على هذا الصربي. يقول إبليس لقد شارك في القتل بلا رحمة لأيام وقبلها لسنوات. شارك مباركا أو قاتلا أو مساعدا في المجزرة. لم يعصني ساعة إلا هذه الساعة التي خرج فيها الطفل من وسط كومة الجثث ملطخا بالدماء والاشلاء. فتقول الملائكة: لكنه عاد وتاب بكلمة. كلمة حق أضفت شيئا من العدل على وجه هذه الأرض.


الشعور بالذنب:

يقول فخر الدين: قد نجوت بهذه الطريقة، لكن طوال حياتي لم أستطع مسامحة نفسي على وفاة والدي. كان قادرًا على الهروب مع عمي. لكنه قرر أن يظل معي لنختبئ معا. كثيرا ما زارني المعالجون النفسيون. أصبحت حالتي أفضل قليلا.

حياة صعبة:






بعد أن تلقيت العلاج في المستشفى لشهور، تمكن الصليب الأحمر من تتبع عمي واعتنى بي هو وزوجته وأطفاله الثلاثة. كنت أعيش معه في معظم طفولتي، وبينما كنت في دار للأيتام لفترة من الوقت، كنت أزوره في عطلات نهاية الأسبوع، وأساعده في المزرعة. عاش فخر الدين ظروف معيشية صعبة، حيث تقاسم المنزل مع ثمانية أشخاص آخرين. كل من يعيش معه يعتبره عائلة. بعد عقدين من العناء، عاما، ساعدته حملة تبرعات لينتقل إلى منزله مع أخته في شتاء عام 2019. فخر الدين يخطط لبدء عمل تجاري ثم يتزوج. يقول الآن أستطيع أن ابدأ في الحياة من جديد.

البحث عن الأمان النفسي:

لدي ذكريات سعيدة من هذا الوقت من حياتي حين كان لدي أصدقاء وكان عمي يعتني بي ويغمرني بالدفء. المعيشة مع عائلة عمي تشعرني بالأمان، وأنا بحاجة إلى الأمان لأتعافى. فما حدث في ذلك اليوم قبل سبعة وعشرين عاما لا يزال يطاردني. غالبًا ما أستيقظ في الليل أرتجف ولا أستطيع العودة إلى النوم. لا يمكنني أن أجبر نفسي على التفكير في إطلاق النار كثيرًا وإلا سأصاب بالجنون. إنه عبء كبير لأتحمله.

أذهب أحيانًا إلى النصب التذكاري في سربرينتسا لزيارة قبر والدي، لكنني دائمًا أتجنب ذلك الوقت في يوليو كل عام. أعرف أن الكثير يفضل هذا الوقت لتذكر أحبائهم وزيارة قبورهم. لكني يعيد لي مسمعي صرخات الرجال الذين قُتلوا بينما نقلت بعيدًا.


عدت مرتين إلى نفس المكان الذي قُتل فيه والدي. كل ما أريده من الحياة الآن أن أجد سترته. فأرتديها طوال الوقت وأشعر بالقرب منه. لكنهم لم يجدوا إلا بقايا جثته، هيكل عظمي، بعد عشر سنوات.

يقولون إن الأيام خير مداوي. ومع ذلك، لا زلت لا أشعر بالأمان. لا أحب أن أبقى وحيدا في المنزل المطل على الطريق. أشاهد النوافذ ليلا، وأنا خائف من ظهور شخص ما. مثلما أحضر النظر عبر النافذة إلى إحضار جنود الصرب إلى منزلنا قبل سبعة وعشرين عامًا.

لقاء مستحيل بين الناجي والمنقذ:

قبل عشر سنوات في 2007، قدمت أدلة حول تجربتي كشاهد في محكمة العدل الدولية في لاهاي. بشكل لا يصدق، شاهد آخر كان "طبيبي" - كان بإمكانه قتلي، لكنه أنقذ حياتي. سألته إذا كان بإمكاني مقابلته. في الليلة التي سبقت لقائه، لم أستطع النوم للغاية، لم يكن مسوحا لنا بذكر أسماء. فقط لقاء دون محكمة أو تصوير. وبدأ كلانا في البكاء. كان الوضع كله مروعًا.



سلطت مذبحة سربرينتسا الضوء على أسوأ ما في الإنسانية. اعتقدت ذات مرة أن جميع الصرب البوسنيين قساة القلوب، لكن هذا الرجل أثبت العكس ذلك. أظهر أن كل شخص لديه القدرة على أن يتعامل بشرف.

خاتمة:


فلتكن قصة فخر الدين تحذيرًا لكل من يحلمون الآن بإشعال حروب ومعاناة جديدة في أي مكان. في الحرب يموت الجميع بغض النظر عن الدين والعرق ولون البشرة. (من تعليقات القراء).

المراجع:

1- ترجمتي الخاصة لشهادات المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة. ICTY

2- ترجمة من مواقع ولقاءات.

تعريفات:

الشاهد:” الشخص الذي يُعاصر ارتكاب الجريمة ويعاينها بأي حاسة من حواسه سواء أكانت بالسمع أو البصر أو باللمس”.

الشاهد المحمي رقم 101: رمز للصربي الذي أنقذ الطفل. أعلن بنفسه عن هويته لاحقا.

ICTY المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا:” تعمل المحكمة على توفير الحماية للشهود والمجني عليهم وتشمل إجراءات هذه الحماية على سبيل المثال لا الحصر نظر الدعاوى في جلسات سرية وحماية هوية المجني عليهم”

جيش جمهورية صربسكا: جيش صرب البوسنة.

التشتنيك: ميليشيات الصرب.

البوشناق: مسلمو البوسنة.

أوركوفيتش. Urkovici

في قرية أوراهوفاك Orahovac village بالقرب من زفورنيك Zvornik

Zvornik Brigade, لواء زفورنيك في جيش جمهورية صرب البوسنة

احصائيات: 

وفقًا لبحث أجراه معهد الجرائم ضد الإنسانية والقانون الدولي بجامعة سراييفو، قُتل 826 طفلاً في سربرينتسا بين عامي 1992 و1995م. بينما في يوليو / تموز 1995 وحده، قُتل 694 طفلاً.

من تقرير الدائرة الابتدائية عن المجزرة:

"إن حجم وطبيعة عملية القتل، مع العدد الهائل من عمليات القتل، والطريقة المنهجية والمنظمة التي نفذت بها، واستهداف الضحايا ومطاردتهم بلا هوادة، والنية الواضحة-الظاهرة من الأدلة-للقضاء على كل رجل مسلم بوسني تم القبض عليه أو تسليمه يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن هذه كانت إبادة جماعية".

"في سياق الحرب في يوغوسلافيا السابقة، وفي سياق التاريخ البشري، فإن هذه الأحداث لها أهميتها في نطاقها ووحشيتها."

الأحد، يونيو 26، 2022

#Bosnia حكاية فني الطب الشرعي الذي جمع أدلة الإبادة الجماعية في البوسنة / سربرينتشا "سربرينتسا" #Srebrenica

كتبت د/إيمان الطحاوي - طبيبة و كاتبة من مصر.

تحل علينا بعد أيام الذكرى السابعة والعشرون لمجزرة سربرنيتشا. و يصدر حاليا كتاب جديد، بعنوان (وجوه من القبور: حكاية فني الطب الشرعي الذي جمع أدلة الإبادة الجماعية في البوسنة).


المؤلف: روبرت ماكنيل، MBE

الناشر: بيهار للنشر، فلوريدا، الولايات المتحدة الأمريكية

Grave Faces: A Forensic Technician’s Story of Gathering Evidence of Genocide in Bosnia

غلاف الكتاب

في هذا الكتاب، يحكي المؤلف تجاربه أثناء عمله في الطب الشرعي. حيث جمع الأدلة على جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية في البوسنة وكوسوفو. استمر عمله من عام 1996 حتى عام 2002. كان ذلك خلال التحقيق الجنائي الدولي الذي أجرته الأمم المتحدة.

 يعد الكتاب  فريدًا من نوعه من حيث أنه أول كتاب وضعه فني متمرس شارك في عملية طويلة اعتبرت أكثر تحقيقات الطب الشرعي شمولاً في التاريخ. وأدبيا، يعتمد الكتاب على التجارب الشخصية للمؤلف التي سجلها في مذكراته. يطرح المؤلف أسئلة عامة عن الإنسانية في محاولة لفهم مستوى القسوة والهمجية التي ارتكبت ضد العديد من المدنيين الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال، في حرب عدوانية ضد البوسنة والهرسك وكوسوفو.

الرقم المعياري الدولي للكتاب 

ISBN: 978-1-7371718-2-9

عدد الصفحات: 312 صفحة

عن المؤلف:

 

روبرت ماكنيل يرسم إحدى لوحات سربرينتشا

روبرت ماكنيل، هو فني طب شرعي و رسام مقيم في جلاسكو، المملكة المتحدة. حاليا، هو فنان منتسب لتكامل اللاجئين في اليونسكو من خلال اللغة والفنون. بعد تقاعده من حياته المهنية الطويلة كخبير في علم الأمراض التشريحي، ألف كتاب ليشرح بالتفصيل تجاربه أثناء جمع الأدلة على الإبادة الجماعية في البوسنة وكوسوفو.

من عام 1996 حتى عام 2009 ، تمت دعوة ماكنيل لتشكيل جزء من فرق الطب الشرعي الوطنية والدولية الذين تم تكليفهم بتقديم أدلة مادية وعلمية على الهجمات الإرهابية في المملكة المتحدة وأيرلندا ، وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في مناطق الحرب في البلقان و في أفريقيا. ساعد ماكنيل أيضًا في تحديد هوية مئات الجنود البريطانيين والأستراليين الذين قُتلوا ودُفنوا في مقابر جماعية في فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى. كما ساعد في التعرف على ضحايا كارثة تسونامي التي وقعت في جنوب شرق آسيا في عام 2005 في تايلاند وإعادتهم إلى أوطانهم.

عن مجمع أعماله، حصل ماكنيل على وسام MBE البريطاني من صاحب السمو الملكي الأمير تشارلز في عام 1999.

تقاعد ماكنيل في عام 2009 وبدأ في الرسم لمساعدته على التعامل مع اضطراب ما بعد الصدمة. وهو حاليا سفير لذكرى سربرينيتشا في المملكة المتحدة.

 

قالوا عن الكتاب:


غلاف الكتاب

" عمل مكتوب بشكل رائع ومقنع تمامًا يتسم بالشجاعة والمهارة الدقيقة.

حينما يصف روبرت مكنيل عمله كفني في الطب الشرعي يحقق في الإبادة الجماعية في البلقان ، فإن كل صفحة يكتبها تتطلب منا أن نقف بتواضع و أن يواجه كل منا أسوأ ما في الإنسانية واللامبالاة التي تؤدي إلى إنكار الإبادة الجماعية.

عمل روبرت ماكنيل هو عمل العدالة: حذر ، صعب ، متعب ، محمل بالأدلة، موثق، جيد التقديم، مسموع ".

-أليسون فيبس ، كرسي اليونسكو لإدماج اللاجئين من خلال اللغات والفنون ، جامعة جلاسكو.

 

"في هذا الكتاب القريب للقلب والمكتوب بشكل جميل، يأخذ روبرت ماكنيل القارئ معه وهو يسافر إلى القلب المظلم للإبادة الجماعية البوسنية والجرائم ضد الإنسانية. مع تطور كل فصل، تصبح قصة الإبادة الجماعية الأخيرة التي حدثت على الأراضي الأوروبية أكثر وضوحا.  إنها قصة الحزن، والرعب، والبطولة.  ويسلط الكتاب الضوء على قصص علماء الطب الشرعي الذين عملوا بلا كلل من أجل جمع شمل الأسر مع رفات أحبائهم المحطمة وتقديم الجناة ومنكري الإبادة الجماعية إلى العدالة.  إنه كتاب يجب أن يقرأه كل أولئك الذين يرغبون في فهم ما يستطيع البشر فعله عندما تمر الكراهية والتحيز دون منازع.”


-الدكتورة مورين سير ، مديرة إدارة الحوار بين الأديان في اسكتلندا

للمزيد من النقاش حول الكتاب: أدعوكم لزيارة هذا الفيديو. مع تحياتي.

الكلمات الدلالية:  

البوسنة، البوسنة والهرسك ، سربرينيتشا، سربرينتسا، جرائم ضد الإنسانية، فنان ، علم الطب الشرعي ، إبادة جماعية ، روبرت ماكنيل   #Bosnia  حكاية فني الطب الشرعي الذي جمع أدلة الإبادة الجماعية في البوسنة / سربرينتشا "سربرينتسا" #Srebrenica 

Srebrenica Genocide is not a matter of anybody's opinion; it's a judicial fact recognized first by the International Criminal Tribunal for the Former Yugoslavia and subsequently by the International Court of Justice. 

DO NOT FORGET 7/11 1995.

الأربعاء، يونيو 01، 2022

رحلة ابن جبير الأندلسي

رحلة ابن جُبَيْرالأندلسي

المُسمّاة: "تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار".

وأيضاً: "اعتبار الناسك في ذكر الآثار الكريمة والمناسك".

كتبت د/ إيمان الطحاوي

 لم يدون ابن جبير أخبار رحلاته الثلاث بل قصر تأليفه على رحلته الأولى. فما الذي نعرفه عنه وعنها؟

 


 النسخ والمخطوطات:

  •  ما زالت في مكتبة جامعة ليدن بهولندا نسخة مخطوطة من رحلات ابن جبير من 210 صفحة كُتبت في مكة سنة 1470 م، ويبدو أن هذه النسخة قد كُتبت على عجل؛ إذ سقطت منها كلمات في عدة مواضع، وحدث خلط بين بعض الحروف، وافتقر كثير من مواضع المخطوطة إلى التنسيق وعلامات الترقيم.
  • ثم طبع الكتاب للمرة الأولى كاملًا بالعربية في لندن سنة 1852م بعناية الإنجليزي وليم رايت W. Wright.
  • ثم قام دي خويه  M.J. de Goeje  بطباعة نسخة منقحة في ليدن سنة 1907م .
  • أقدم نسخة معروفة موجودة في مكتبة في الغرب، في جامعة ليدن في هولندا ، ومنذ ذلك الحين تُرجمت إلى اللغة الروسية والفارسية. والأوردو والإيطالية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية والكتالونية - اللغتان الأخيرتان في موطنه (الأندلس).
  •  جدير بالذكر أنه في القرون التالية، قام عدد لا يحصى من الناس بمحاكاة بل وحتى سرقة حقوقه الأدبية.
  • يقال: إنه لم يصنف كتاب (رحلته) وإنما قيَّد معاني ما تضمنته فتولى ترتيبها بعض الآخذين عنه.
  • النسخة الحالية تقع في 300 صفحة، و قرأتها في 2021..

The Travels (Rihla) of Ibn Jubayr (875/1470, Mecca). Leiden University Library 


المؤلف:

 ابنُ جُبَير الأندلسى هو الأديبُ، والشاعرُ، والرحّالةُ الشهيرُ، محمد بن أحمدَ بن جبير بن سعيد بن جبير بن محمد بن عبد مناة، يُكنَّى بأبي الحسن، ويُلقَّب بابنِ جُبَير، والأندلسيّ، والبلنسيّ، والشاطبيّ.

وُلِد في مدينةِ بلنسية في العاشرِ من شهرِ ربيع الأوّل من عامِ خمسمئةٍ وأربعين للهجرة، الموافق 1145 م. حفظ القرآن الكريم و تعلم بدءا على يد والده. كرَّسَ حياتَه للترحالِ، ودراسةِ العلومِ اللغويّة، والحسابِ، والكتابةِ، والشِّعرِ، والأدبِ. استخدمه أمير غرناطة أبو سعيد بن عبد المؤمن ملك الموحدين في وظيفة كاتم السر فاستوطن غرناطة.

  الرحلات:

اشتُهِر بكتابِه (رحلة ابن جُبير) الذي لخَّصَ فيه الأحداثَ التي مرَّ فيها خلالَ رحلته إلى الحج. 

  الرحلة الأولى: كان ابن جبير يبلغ من العمر 38 عامًا عندما غادر غرناطة يوم الخميس 8 من شوال سنة 578 من الهجرة الموافق 15 فبراير1183م. و هي الرحلة التي استمرت سنتين، و هي ما سنتحدث عنها تفصيلا.


 الرحلةُ الثانية: بدأت الرحلةُ الثانيةُ لابن جُبَير في العامِ خمسمئةٍ وخمسةٍ وثمانين للهجرة الموافق 1189م، متوجّها فيها نحوَ بيتِ المقدسِ الذي فُتِح آنذاك على يدِ القائدِ المسلمِ صلاح الدين الأيوبيّ، واستمرّت رحلتُه نحوَ سنتين.


 الرحلةُ الثالثة: بدأت الرحلةُ الثالثةُ لابن جُبَير في العامِ ستمئةٍ وواحدٍ للهجرة و كان عمره 72 عاما، وانطلقَ فيها من مدينةِ سبتةَ، وتوجّه نحو بيتِ المقدس والإسكندريةِ، ومكةَ المكرّمةِ، وظلَّ يتنقَّلُ بينها حتى تُوفّيَ في مدينةِ الإسكندريّة في العامِ ستمئةٍ وأربعةَ عشرَ للهجرة الموافق 29 سبتمبر 1217م و هذه الرحلة لغسل الأحزان بعد وفاة زوجته.

 

غاية الرحلة:

بعيدا عن القصة المزعومة من الحج تكفيرا عن إجباره على شرب النبيذ و التي لم يذكرها هو في مؤلفاته.  فهذا سبب غير منطقي لأن الحج فريضة. كما أنه كرر الرحلة وفاءا لزوجته في آخر سنوات عمره. 

 أيا كان دافع ابن جبير، فإن ما وثقه في رحلته الطويلة يعد كتابا علميا يفيد منها أهل التأريخ و الآثار. يعتبر كذلك عملا أدبيا يحوي النص البديع والوصف المفصل للمساجد و القبور و غيرها. كما كان بها بعض من نقد و إبداء الرأي لما شاهده. 

ربما كان هناك حافز شخصي و هو العثور على أصول عائلته. لأنه ولد في بلنسية لكنه ينحدر من سلالة كنانة العربية، حيث كان جده الأكبر من أوائل الداخلين إلى الأندلس. 

لا يزال هناك سبب آخر ربما كان ذا طبيعة أدبية: فلقد كان مفتونًا بعالم الصحراء و سفر القوافل. يرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى الصور القوية في الشعر العربي القديم الذي تعلمه عندما كان صبيًا.

 

ماذا نتعلم من قراءة هذه الرحلات؟

  •  نتوقف اليوم في زمننا الذي ننعم فيه بالأمان و الراحة أثناء رحلة الحج مقابل ما وصفه ابن جبير من خوف و انعدام الأمن أثناء رحلات الحج المرهقة و الطويلة عبر البحر والبر.  
  •  تصف الرحلة شيئا من العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في فترة الحملات الصليبية على مستوى المدنيين و الحكام. كما أعرب عن تقديره للسفن الأوروبية التي تنقل الحجاج المسلمين إلى أماكنهم المقدسة دون تدخل. وأشاد طوال الوقت بالمجتمعات المسيحية المزدهرة في الأراضي الإسلامية والمجتمعات المسلمة المماثلة في الأراضي المسيحية. كذلك، و استعاذ من الفتنة و المذلة في الانصياع للغزاة الصليبيين في بعض الأماكن.
  • ولاحظ ابن جبير أن الفلاحين المسلمين في الأرض التابعة للمسيحيين كانوا في رخاء، بينما كان إخوانهم الفلاحون المسلمون عند الملاك من بني دينهم لا ينعمون بمثل ذاك الرفق والعدل.
  • تلقى ابن جبير تعليمه في ظل حكم الموحدين، حيث كان مالكيا مهتما بإصلاح الدين، ومع ذلك لم يكفر أصحاب البدع و كان واصفا أمينا و مؤرخا لما يراه دون تجن. وإن كان ينزعج مما يرى من ظلم أو ضلال.  
  • جاءت جميع كتاباته بغير صيغة المتكلم.
  • وبالرغم من حنينه الشديد إلى الوطن في الخارج ، لم يستطع ابن جبير البقاء في الأندلس بعد عودته. ربما كان ذلك لأن الأندلس في ذلك الوقت كان يواجه خسارة الكثير من أراضيه لصالح الجيوش الكاثوليكية، بدءًا من معركة لاس نافاس دي تولوسا (معركة العقاب)، في عام 1212م، أي خمس سنوات قبل وفاته.
  •  وربما على الأرجح ، رأى في يد السلطان صلاح الدين الأيوبي القوية الوعد بأن القدس ودمشق والقاهرة مرة أخرى ستكون شيئًا أفضل، مثلما شاهده و وثقه في  باليرمو الصقلية. و جاء فيها "امتلاك كل ما تتمناه من الجمال ، الحقيقي أو الظاهر ، وجميع وسائل العيش ، الناضجة "حيث يسود السلام لا الحرب.
  • من الملاحظ أن ابن جبير كان شديد الملاحظة و حسن التوصيف، فترك لنا وصفا مميزا رغم أن رحلته كانت بقصد الحج بالأساس.
  •  أتخيل لو أن هذه الكتب حرقت مثل كثير من الكتب العربية في الأندلس، لما وصلنا من أخبار هذه الرحلات شيئ. 

 وصف الرحلة:



  خرج ابن جبير من بلده غرناطة يوم الخميس 8  شوال  578هـ بصحبة صديقه: أحمد بن حسان، قاصداً أداء فريضة الحج، عن طريق البحر من سبته، وسارت السفينة في البحر تتقاذفها الأمواج ومرت بمساحة شاطئ الأندلس حتى ثغر دانية ثم جزر ميورقة ومنورقة وسردانية ثم جزيرة صقلية ثم إلى جزيرة اقريطش (كريت) ثم وصلت الإسكندرية في يوم 29 ذى القعدة الموافق  26 مارس أي انها اسغرقت في سفرها من جزية الطريف إلى الإسكندرية ثلاثين يوما. ثم إلى القاهرة و مصر (الفسطاط) فتجول بهما، ثم قصد مدينة قوص في صعيد مصر، وعبر الصحراء الشرقية ثم إلى ميناء عيذاب على البحر، حيث استقل سفينة أوصلته إلى جدة، ووصف ما لاقاه من أهوال البحر الأحمر الذي كاد يعصف بسفينته.



ودخل جدة في أيام أميرها: مكثر بن عيسى، فأقام بها أسبوعاً كاملاً، من ربيع الآخر 579هـ ونحى باللائمة على طريقة ابن عيسى في استيفاء المكوس رغم تحذيرات صلاح الدين الأيوبي وتعويضاته. 



ومن جدة ركب قافلة حملته إلى مكة، فوصلها يوم 13 ربيع الآخر 579 هـ. ووصف كل معالمها وشعائرها وجبالها وأطعمة أهلها، وصب جام غضبه على من جعل حرم المسجد سوقاً للبيع. وأدهشه ما رآه من عادات قبائل االسرو اليمنية. و لم يغفل ذكر رقة قلوبهم أثناء الدعاء رغم وصفه و تعجبه من ابتداعهم و قلة معرفتهم بكيفية الصلاة الصحيحة. وحظي بالدخول إلى الكعبة، ولم يكن ذلك ممنوعاً على الناس، ووصف مراسم الدخول إليها، وتفاصيل مشاهداته فيها. وأقام بمكة ثمانية أشهر، مكنته من كتابة أطول فصول رحلته. 

ثم قصد المدينة المنورة، ودخلها يوم 30 محرم 580هـ وأقام فيا أقل من أسبوع، ما جعله يوجز في وصف معالم المدينة وحرمها، مستعيناً بما كتبه القدماء. 



واختار العودة إلى الأندلس من جهة الشام ماراً بنجد، فالكوفة فالحلة فبغداد حيث لبث فيها مدة وجد فيها الفرصة للكتابة عنها، وكان قاسياً في وصف أهلها، ثم قصد بلاد الشام ماراً بتكريت فالموصل، فنصيبين فدنيصر فرأس العين فحران فمنبج فبزاغة فالباب فحلب واصفلاً ما جاورها من بلاد الإسماعيلية، ومن حلب إلى قنسرين، فخان التركمان فالمعرة، فحماة فحمص فدمشق، ووصلها يوم 24 ربيع الأول أثناء محاصرة صلاح الدين لحصن الكرك، وأقام في دمشق حتى 5 جمادى الآخرة 580 هـ وكتب نبذة مطولة عن جامعها وقلعتها وعاداتها وأخبار صلاح الدين فيها. 

وترك دمشق إلى عكا وهي في يد الصليبيين، لركوب البحر مع تجار النصارى، إلى صقلية. ووصف إمارات الصليبيين في الساحل الشامي، وأسرى المسلمين في أيديهم، وما لقيه من الأهوال في البحر حتى وصوله جزيرة صقلية أيام صاحبها غليام. 

و أخيرا، وصل بيته في غرناطة يوم الخميس 22 محرم 581 هـ الموافق أبريل 1185 م. هناك، شرع في تدوين كتابه ، حيث ازداد علما و معرفة و صار حاجا و أتم كتابته في 1186 م. 

رحم الله ابن جبير الأندلسي و جزاه عنا كل خير.

 

المراجع:

 

https://archive.org/details/travelsibnjubay00goejgoog/page/n203/mode/2up
Ibn Jubayr, Muḥammad ibn Aḥmad, 1145-1217; Goeje, M. J. de (Michael Jan), 1836-1909
Ibn Jubayr, The Travels of Ibn Jubayr (c. 1185)
https://www.worldcat.org/title/travel-writer-ibn-jubayr/oclc/988183646&referer=brief_results1
HISTORICAL ATLAS OF THE ISLAMIC WORLD
https://ibnjubayr.lib.virginia.edu/
https://artsone-open.arts.ubc.ca/ibn-jubayr-and-ibn-battutah-travels/
https://archive.aramcoworld.com/issue/201501/travelers.of.al-andalus.part.1.the.travel.writer.ibn.jubayr.htm
https://www.aldiwan.net/cat-poet-ibn-jubair-shaatibi 
https://www.hindawi.org/books/26180405/13/


(Ibn Jubayr (September 1145 –29 November 1217; Arabic: ابن جبير , was an Arab geographer, traveller and poet from al-Andalus.

His travel chronicle describes the pilgrimage he made to Mecca from 1183 to 1185, in the years preceding the Third Crusade. His chronicle describes Saladin’s domains in Egypt and the Levant which he passed through on his way to Mecca.

Further, on his return journey he passed through Christian Sicily, which had only been recaptured from the Muslims a century before, and he makes several observations on the hybrid polyglot culture which flourished there.