بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، أكتوبر 17، 2015

حاجتنا إلى ثقافة اجتماعية - مي زيادة


في ذكرى الأديبة الرقيقة (مي زيادة).. كنت قرأت لها عدة كتب و عنها عدة كتب و رسالة بحثية..وددت لو 
أني اكتب عنها شيئا ينتصر لها في ذكراها..لكن لضيق الوقت، كان الأفضل هو إعادة نشر إحدى مقالاتها لكم


حاجتنا إلى ثقافة اجتماعية
مي زيادة - مجلة الهلال - يناير ١٩٤٠ 



المغزى الأدبي يتلخص عادة في الجزء الأخير من الكلام، وعند فصل الخطاب، أما في هذا الموقف فقد كان الديباجة المشرقة. أي شيء أدل على الثقافة الاجتماعية المكتملة من تعضيد الغريم للغريم في سبيل المصلحة العامة؟ هذا هو الدرس الأدبي الذي ألقاه علينا عدوي الحميم وغريمي القديم الدكتور أمير بقطر.

بالأمس — قبل خمسة أو ستة أعوام — خاصمني خصومات طنانة رنانة في سبيل المصلحة العامة، وها هو ذا اليوم، في سبيل المصلحة العامة، يشرِّفني بترؤس هذا الاجتماع، ويستقبلني بهذه الكلمات الطيبة؛ إني أمحضه الشكر خالصًا، وهذا الترحيب عندي آثر ما يكون من هذا الأديب الذي جمع أدبه بين جمال المثل الأعلى وحيوية الواقع المحسوس، من هذا العالم العالمي بأسلوب التفكير، بسعة المدارك، بغزارة المعارف، برحابة الإحاطة، المصري الوطني بالغيرة والهمة، ببراعة الإجمال، بتعيين الأهداف، بإحكام التحقيق، من هذا القائد الذي يسير بفيالق الناشئة المصرية إلى أفق يتلاقى عنده جلال الماضي ومجد المستقبل.

أيها السادة والسيدات

صيحة الإصلاح الاجتماعي في مصر سارت والصيحة السياسية جنبًا إلى جنب، وكان في مصر أبراج ثقافية تقوم وسط الزعازع، وتظل في نفس الوقت بعيدة عنها، وفي مقدمة تلك الأبراج هذه القاعة التذكارية.

من على هذا المنبر المضياف، بين هذه الجدران الصامتة، انطلقتْ وما زالت تنطلق أصواتُ نفر من خيرة أبناء البلاد وبناتها، متحدثة في جد ورصانة وحمية عما بقي على مصر — بعد نجاحها السياسي — أن تحققه في مختلف نواحي الحياة القومية، وأظن أن في هذه القاعة وبمساعي قسم الخدمة العامة تكوَّنتْ أول جماعة مصرية غرضها إصلاح القرية وتحسين شئون الفلاح، ومن هنا مضى أول فوج من فتيان مصر ينشرون دعايتهم بالقول ويحققونها بالعمل، لإنصاف أولئك المحسنين الصامتين الفلاحين، الذين بعرقهم وبدمهم يغذُّون الحياة المصرية.

فهل من عجب — والحالة هذه — أن ألقي السلام على هذه القاعة الغنية بالتيارات الفكرية والدوافع الحيوية، بعد الغياب عنها أربعة أعوام؟ ولا أشك في أنكم تشاركونني في توجيه الشكر والتهنئة إلى عميد قسم الخدمة العامة الدكتور ويندل كليلاند؛ الشكر لما أسدى وما فتئ يسدي من خدمات، سواء بالتدريس والكتابة والإشراف على قسم الخدمة العامة، ومعاونة وزارة الشئون الاجتماعية بعلمه وخبرته وسديد رأيه. والتهنئة لأن جهوده صادفت نجاحًا، وكانت ذات أثر محسوس في تكوين هذه الحمى المتفشية لطلب الإصلاح والسعي إلى تحقيقه. إن ارتفاع درجة الحرارة في مثل هذا الباب لهو الصحة بعينها، إني أتهم الدكتور كليلاند بإلقاء القنابل الممغنطة ووضع الألغام الديناميتية في المجتمع المصري! بَيْدَ أن هذا الصنف من الألغام والقنابل يوافق عليه قانون الجنايات وقانون الأحكام العسكرية، وترحِّب به وتنشِّطه الحليفة العظيمة وكل أمة أحبت مصر في ماضيها، فتمنت لها مستقبلًا حقيقًا بذلك الماضي المجيد.

ولما كان التبادل أساس الحياة، تحتم أن يكون لصاحب الفضل مَن هو ذو فضل عليه، وهنا نذكر السيدة المثقفة اللطيفة مسز كليلاند التي تمكن قرينها الفاضل من التفرغ لأعماله المفيدة، ونذكرها بالحمد لأنها شأنها شأن بنات مصر، متطوعة لخدمة الجمهور والقيام بأعمال التمريض والإسعاف العام، وهي إلى ذلك سيدة بيت مثلى، تُحسِن إدارة المنزل وتنشئة الأطفال، وتتقن طهي صنوف الطعام بما فيها صينية البطاطس بالفرن، هذه الصينية التي دخلت في التاريخ. شئون يراها البعض حقيرة تافهة، غير أن المرأة المصرية الناهضة التي جمعت بين الثقافة الفكرية والروح الاجتماعية تتقن معالجتها، وتدرك أهميتها؛ لأنها الشرط الأساسي لصحة المجتمع وراحته وهنائه.

أما وزارة الشئون الاجتماعية فلئن تراكمت عليها التبعات والمطالب والاقتراحات، وهي بعدُ وليدة، فذلك دليل على أن وجودها كان ضروريًّا، وهي بعدُ وزارة «سمباتيك»، ونحب أن تكون صلة بين المجتمع والحكومة، ولئن كانت أفقر الوزارات، فلنذكرن أن الثروة لا تقوم بالمال فقط، بل بالمال وبالرجال وبالهمم، بحسن تشخيص العلل الاجتماعية، وبحسن التدبير في تقديم الأهم على المهم، والمهم على الإضافي في تطبيق الدواء.

أيها السادة والسيدات

في البلاد كثير من المدارس والمعاهد العلمية، فماذا تكون هذه الثقافة الاجتماعية التي نحتاج إليها؟

إن الثقافة المدرسية والجامعية بمختلف فروعها ودرجاته، مهمتها إعداد الأفراد لمزاولة حرفة أو مهنة أو عمل، وهي مهمة لا مندوحة عنها في تكوين الشخصيات الفردية، ومن ثَمَّ صنوف ثقافية شتى حكومية وقانونية، وطبية وزراعية وتجارية وصناعية، وميكانيكية وعسكرية وأدبية وفنية، إلى آخر ما هناك، والمفروض أن كلًّا من هذه الثقافات تتناول أهم الموضوعات والأساليب المطلوبة في نوع العمل، وقد يكون بعد هذه — أو إلى جانبها — ثقافة شخصية محصنة: كأن يكون المرء طبيبًا ويقرض الشعر، ويحسن العزف على آلة موسيقية وهو تاجر، ويعالج الأدب أو النحت أو الرسم وهو موظف، ملبيًا بذلك داعي الذوق والميل والتطلع، متلمسًا التسلية والترفيه عن النفس وتقضية أوقات الفراغ في نشاط ذكي نبيل، فأين الثقافة الاجتماعية من كل أولئك؟ أَجَلْ، إن كل نوع من العمل لهو عامل من عوامل النشاط العام والتنظيم العام، ولكن الرابطة التي تربط بين صنوف الثقافة وصنوف النشاط، وتنظم اتجاه الرغبات وتنعم جوانب الشخصيات، ما هي تلك الرابطة؟ وكيف تتكوَّن؟

من المهد إلى اللحد يحيط بنا المجتمع من كل جانب، يحيط بنا بحسناته وسيئاته، بقوانينه وعاداته، بعدله وظلمه، برأفته وقسوته، بظلماته وأنواره، بممكناته وحرماناته، لقد اختلط تصرف الكثيرين من الناس في سبيل الثروة والجاه والسلطان. وكم من بطشٍ فظيع! كم من حيلة ثعلبية! كم من إهمال أثيم! كم من ظلم فاحش حتى في مظاهر اللياقات الأنيقة أحيانًا! وحجتهم هو قانون تنازع البقاء وأن الحق للقوة، ولو صح ذلك، فماذا يكون الفارق بين الجماد والإنسان، بين طائفة من الجلاميد المتحاذية في بقعة واحدة من الأرض، وبين جماعات من الناس يعيشون في بقعة واحدة من الأرض؟ لا ضمير للجماد، لا ضمير للنبات، لا ضمير للحيوان، وإنْ نحن وجدنا عند بعض طوائف الحيوان، كالنحل والنمل مثلًا، إلى جانب روح التنافس وتنازع البقاء روحَ التضامن والتعاون، ونظام توزيع العمل. بَيْدَ أن كل أولئك، ومثلهم الطفل والمعتوه والهمجي، رازحون تحت وطأة قانون التنازع، وهم لضغط غرائزهم صاغرون، ولو نحن اكتفينا بما هم فيه، كنا منكرين جهود الإنسان للتحرر من عبودية الغريزة، وما كنا أهلًا لتلك الكلمات المقدسة المرادفة لاسم الحياة، ولا معنى للحياة بدونها كلمات الحق والواجب والحرية! والواقع أن الحرية ليس لها من قيمة أدبية في نفسها، وكل قيمتها في أنها تمكِّننا من التمييز بين الحق والواجب، وتمكِّننا من التصرف الكريم في سبيل الظفر بالحق والقيام بالواجب. كل قيمة الحرية في أنها تمكِّننا من التقدم في سبيل الكمال الممكن، وليس في سبل الكمال من محطة نهائية ثابتة، بل كلما تقدَّمْنا طلبنا المزيد من التقدم، وكلما نشط العلم ونشط الاختراع ونشط الارتقاء، تولدت معها في المجتمع عيوب ملازمة لطبيعتها، فيعمد المجتمع المستنير إلى الإصلاح. وكل ما تفاخر به الحضارة الحقة، كل ما يشرِّف الإنسانية المدركة، هو التغلب على فظاعة القوانين الطبيعية بقوانين منبعثة من الروح الإنسانية، الذي بدونه لا يكون الفرد إنسانًا، ولو هو استحوذ على كنوز العالم وتفوق في جميع المعارف والفنون والكفايات!

أيها السادة والسيدات

الكون كله بشاسع مسافاته وتعدد موجوداته، إنما يحيا بالحركة؛ الحركة هي الحياة، والحركة على ثلاثة أنواع: ففي عالم الجماد ليست الحركة إلا تكرارًا للمظهر، وفي عالم الكائنات الحية تكون نشئًا، حتى إذا ما بلغت مرتبة خاصة من التطور البيولوجي في الإنسان كانت الحركة ما نسميه ضميرًا أو وجدانًا.

الضمير، الوجدان في الفرد يجعله إنسانًا. الضمير، الوجدان في الجماعة يجعلها هيئة اجتماعية. الضمير، الوجدان المشترك بين أهل البلاد الواحدة يجعل تلك البلاد وطنًا، والثقافة الاجتماعية إنما نواتها في هذا الإدراك.

استعملت كلمة «إدراك»، بَيْدَ أن الضمير الاجتماعي ليس محض إدراك، ولا يكفي أن تفرضه قواعد العلم وقياسات المنطق، بل إلى جانب هذه، هو منطلق من القلب الحي؛ من الرغبة الصادقة، من العاطفة المتوهجة. الضمير، الوجدان الاجتماعي يُشعِرك بأنك لستَ وحدك وأنت في عزلتك، بأنك جزء حي من وحدة حية قلبها الرحيب ينبض في قلبك الصغير؛ مرضها مرضك، وسلامتها سلامتك، همها وذلها وضلالها همك وذلك وضلالك، عزها ومجدها وعظمتها عزك وعظمتك ومجدك. المجتمع جسم واحد، والألم ولو في ظفر القدم يكفي لإتعاب الرأس، وتضعضع وظائف الدماغ، واضطراب وظائف سائر الأعضاء بالتبع. الوباء ينتشر أولًا في أحقر الأحياء وأقلها نظافة، فلا يلبث حتى يكتسح القصور، ولو وُجِد في المجتمع جائع واحد لا يدري كيف يجد قوت يومه، فكيف يهنأ الغني بطعامه الفاخر، وكيف يتقلب السري على فراشه الوثير؟ نحن نعلم أن الغني السري لا يخلو من الألم؛ إذ لا بد لكلٍّ من أن يحمل عبئًا من أعباء الحياة، وكلما تقدَّم الإنسان بثقافته وإدراكه، تقدَّمتَ معه على نوع ما صنوفُ آلامه، ولكن شتان بين الحرمان من الضروريات الحيوية الأولية والحرمان من وسائل الرخاء الكمالي! وتقديم المساعدة للمحتاج عملية سحرية تحوِّل عندنا معنى الألم وتجعله نوعًا من الرضى والطمأنينة، والثقافة الاجتماعية تعلمنا كل هذا، وتحملنا على تفهُّم هذه الكلمة البديعة من العالم الطبيعي هكسلي القائل: «تنازُع البقاء هو قانون التطور للحيوان، أما الإنسان فتطوُّره يتم بالتعاون والتعاضد والتضحية عند الحاجة.»

وصل بنا سياق الحديث إلى نقطة غاية في الأهمية، وهي أن الضمير الاجتماعي لا ينفصل عن الضمير الأخلاقي، وأن الثقافة الاجتماعية والثقافة الأخلاقية متمِّمة كلٌّ منهما للأخرى، لتصبح روحًا ذات حيوية دينامتية توحِّد الأفكار والمشاعر والأهداف والمساعي. الأفراد تحيا وتقضي، الأجيال تظهر وتختفي، أما المجتمع فباقٍ، والفرد بحياة المجتمع خالد، والفرد الذي يسعى بنية حسنة ويحكم العمل حيث يجب أن يكون وكما يجب أن يكون، ويساعد إخوانه في حيز مقدوره، فذاك الفرد يكبر في عين نفسه، ويجد في داخل وجدانه حرية أعظم، وثروة أوسع، ويرى العالَم أمامه أرحب، ويحس كرامة السيادة، وعندئذٍ يفهم لماذا قيل «سيد القوم خادمهم».

ولقد قيل كذلك «العمل خير من العلم»، ولكن ليكون عملنا محكمًا لا بد لنا من العلم. إن جميع العلوم والفنون والآداب وُجِدت قبل السسيولوجيا أيْ علم الاجتماع الذي لا يناهز القرنين، ولكن هذا العلم الذي هو أحدث العلوم ما كاد يظهر حتى استوعب في رحابه جميع فروع المعرفة الإنسانية والنشاط الإنساني؛ لأن كل علم وكل نشاط صادر عن المجتمع، ولولا المجتمع والأفراد التي تكوِّنه ما كان علم ولا كان نشاط، كذلك الثقافة الاجتماعية تجمع بين عديد المعارف والفنون لتلخصها روحًا اجتماعيًّا وضميرًا اجتماعيًّا وفائدة اجتماعية، الثقافة الاجتماعية هي علم وعمل، إحساس وتطبيق، رجاء وتحقيق.

نحن نعلم أن المشكلة الاجتماعية تتطلب حلولًا كثيرة، ولكننا نعلم كذلك أن التحسين مهما كان زهيدًا فهو يمهِّد السبيل لتحسين أعظم.

وما هي الوسائل لنشر الثقافة الاجتماعية والروح الاجتماعي؟ هي الوسائل التي نعرفها جميعًا: العائلة، المدرسة، الكتاب، الأدب، الحي المهذب الراقي، الفن، الموسيقى، المعارض، المتاحف، المسرح، الصالون، الأعياد القومية، الرحلات المدرسية، الصحافة، الراديو، السينما. ما أعظم تقدُّم السينما في أيامنا وما أبعد تأثيرها! إنها تأخذ شيئًا فشيئًا بالموضوعات الجادة المجدية، متجردة بطبيعة تقدُّمها من السخافات التافهة، وكم كانت الوزارة موفَّقة في تنظيم الإذاعات المدرسية! قد تفوتني إذاعات المحطة مرات، ولكن لا تفوتني إذاعة مدرسية واحدة؛ لأني أجدها مليئة حياة.

تنشيط الثقافة الاجتماعية وتعميم الروح الاجتماعي أصبح الآن فرضًا على كل ذي نفوذ في أية ناحية من نواحي المجتمع فيساعد كل بما عنده؛ فرضًا على الأغنياء، فرضًا على الأقوياء، على المدرسين، على المثقفين، على المشرِّعين، على رجال الدين، على رجال الحكومة، على كل من يتلفظ بكلمة الوطنية، وما الوطنية في الحياة اليومية إلا عمل منظم عنيد متتابع فعال صامت، أما الوطنية كصيحة حرب، كراية جهاد، كعاطفة مكتسحة، فلها ساعات معينة، وعندما تطغى الكريهة فعندئذٍ يدعو داعي التضحية والاستبسال.

نشر الثقافة الاجتماعية وتكوين الضمير الاجتماعي فرض على تلك الضعيفة القوية؛ المرأة، التي في ألمها وعذابها هي منشئة الطفل، ومهذبة الرجل، وموجدة الروح في المنزل وفي المجتمع على السواء، هي التي تنمي الفضائل الاجتماعية من لطف ومجاملة ولباقة وصبر ورعاية ولين وتسامح ورفق وحنان، هي خالقة الفروسية في الرجال. لا تخافوا أيها السادة الرجال من ثقافة المرأة وحريتها! هي مثلكم حسنة النية، طموح إلى المثل الأعلى، تسير في سبل الحياة باحثة، ضالة، مهتدية، باحثة من جديد لتبلغ الهدف النبيل. إن ارتباكات الحياة لتحيِّر أكبر العقول! منذ سنوات قلائل نالت المرأة شيئًا من الحرية والثقافة، فانظروا كيف ازدهرت مواهبها وتجلت شخصيتها في هذا الزمن القصير! اتركوها تتعرف وجودها، وتستغل لخيرها وخيركم ممكناتها! وثقوا أنها لن تخيب آمالكم فيها! إن أختكم في القومية والإنسانية لا تخون رجالها!

نشر الثقافة الاجتماعية وتكوين الضمير الاجتماعي فرض على الشبان، وهم في البلاد دم وحماسة وحيوية، وذكاء ونشاط وعبقرية، هم الذين يبحثون عن علل الحاضر ليعالجوها، وهم الذين يطلبون طرائف الماضي ليحتفظوا بها ويستنطقوها، وهم الذين يزحفون إلى غزو رحبات المستقبل بعزم الشباب وأريحيته وإخلاصه.

وذلك فرض على أولي الشأن الذين يديرون دفة الحكم، إن في إهمال الألوف بلا تعليم وبلا عمل لَتبذير باهظ في القوى، وغض من حيوية المجتمع، ومظاهر النشاط والتقدم في نواحي الحياة المصرية تحملنا على التفكير: كم ذا تكون النتائج باهرة لو تعلَّم جميع الجهَّال واشتغل جميع المتعطلين؟ إن المجتمع لا يحتفظ بقوة كيانه ميسِّرًا لنفسه وسائل التقدم إلا بضمانة الاحتياجات الحيوية الملحة لجميع الأفراد، بالإنصاف في توزيع الحقوق والواجبات، بتمكين كل فرد من اكتساب حقه بتأدية واجبه، وكما أن حضارة أهل المنزل لا تقاس بالواجهة المزخرفة وبجمال التنسيق في غرفة الاستقبال، فكذلك حضارة البلاد لا تقاس بفخامة بعض الأحياء في العاصمة وبعض المدن، بل تقاس خصوصًا بالحالة العامة في الأقاليم والأرياف، حتى أصغر القرى وأضأل زاوية.

حسن أن تشيدوا القرى النموذجية، وتصلحوا الأراضي البور، وتبنوا المساكن للعمال وتعمموا نشر التعليم، ونود أن تشمل هذه المشروعات الإصلاحية جميع أنحاء القطر، ولكننا نعلم أن كل ذلك يتطلب مالًا وفيرًا ووقتًا طويلًا، وإنه لذلك لا بد من تقديم الأهم على المهم، فنجعل أولًا ماء الشرب خاليًا من الميكروبات في جميع الجهات، ونضمن وسائل المعالجة والتطبيب في كل قرية، ونقدِّم للأطفال الغذاء قبل أن نفرض عليهم التعليم، بل يجب تقديم قوت الأجساد بالتغذية الكافية، وقوت العقول بالتعليم، وقوت النشاط بالعمل، كل هذا للجميع وفي آن واحد، وليس ذلك لينفي وجود المثل الأعلى؛ لأن التاريخ الاجتماعي والسياسي والفكري ليس إلا انعكاسًا للشروط الاقتصادية، وتحقيق العدالة بين الناس يقوم خصوصًا على حياة اقتصادية أوفر عدلًا، وما المثل الأعلى إلا زهرة جميلة جذعها راسخ في الحياة العملية المحسوسة.

حسن أن يَجِدَّ القانون في مطاردة الأشرار وتأديبهم، بَيْدَ أن السجون والعقوبات لا تخنق الغريزة الجنائية، بل قد تقوِّيها. لا إصلاح بدون إعداد الوسط الصالح، الجريمة مغامرة وذكاء ونشاط وقدرة، وقانون التحول هو أقدر القوانين وأفعلها في الطبيعة وفي الإنسان جميعًا، فلو نحن حذقنا سر التحويل بالتربية وبالوسط استخرجنا من شخصيات المجرمين شخصيات عظيمة باسلة.

عدِّلوا برامج الدراسة؛ فبرامج الدراسة كالقوانين مثقلة بالجثث البالية! اعتنوا بالأطفال؛ فالأطفال هم براعم الأمل ووعود المستقبل! حبِّبوا إليهم طور التربية والتعليم، مكِّنوهم من الاستفادة وهم يلهون ويلعبون، وأنشئوهم على حب الجمال وتذوُّق الجمال!

حسِّنوا السلالة المصرية جسدًا وعقلًا! وخير الوسائل لذلك — بعد مراعاة قواعد الصحة والنظافة — هي الخدمة العسكرية والألعاب الرياضية التي هي كذلك خير وسيلة لمكافحة الإدمان على المسكرات، في المدن وفي الأرياف، سوقوا الناشئة إلى ميادين الرياضة، فتزاول الألعاب الرياضية ليس باعتبارها مهنة لكسب العيش، بل باعتبارها لهوًا مشوقًا. إن أمة تتبارى شبيبتها في ميادين الألعاب الرياضية لهي أمة يجري الدم في عروقها نشيطًا، فلا خمول فيها ولا شلل، هي الأمة التي تحسن التنفس وتألف التوازن النفسي والعقلي بالحرص على توازن الأعضاء والحركات، هي الأمة التي تستنكف وسائل الانحطاط؛ لأنها تحس بكرامتها البدنية والأدبية، هي الأمة التي تعتمد على نفسها، وتنشأ على روح الزمالة الصريحة والمباراة النبيلة، هي الأمة الشجاعة، وجيشها هو الجيش القوي المقدام، وهي بكل ذلك سائرة حتمًا إلى مزيد من العافية والجمال الحسي والأدبي.

أيها السادة والسيدات

إن العالم لفي اضطراب لم يعرف له التاريخ من قبلُ مثيلًا؛ أخطار عديدة تهدد الجميع، ولكن الشخصية القوية يرهفها الخطر، ويحفز مواهبها، فلا تطيل التلمس والمحاولة بل تهتدي بسرعة إلى أنجع الوسائل لقضاء حاجتها، وكلما صادفت نجاحًا زادت ثقة بنفسها، واستسلمت لنبيل الانفعالات، فأقبلت عليها نفحات الإلهام من روح الله، من أغوار الوراثات، من مستودعات الأماني والاختبارات، من مستودعات الحضارة الحقة والإنسانية الحقة.

لقد أثبتت مصر وجودها مرة في المسافة والزمن، فكانت مهد الحضارة، وها هي ذي الآن حيال تطور عظيم يشمل جميع النواحي. إن مصر الحديثة فتية بعمر نهضتها، فتية بآمالها، فتية برجالها وبنسائها، فتية بجهودها، فتية بشبَّانها، فتية بمليكها! ولقد أضافت إلى خميرة مجدها القديم خميرة حديثة مقدسة كوَّنَتْها دماء الشهداء، ففي مصر من الحيوية المتجمعة ما يكفي لتُثبِت وجودها مرة أخرى بحضارة جديدة وازدهار جديد.
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...