بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، أكتوبر 16، 2015

مترجم (7) "دَهسُ الحج: كيف تحدث كوارث الحشود، وكيف يمكن تجنُّبها؟"

"دَهسُ الحج: كيف تحدث كوارث الحشود، وكيف يمكن تجنُّبها؟"
ترجمة: د/ حمزة المزيني جزاه الله خيرا على الترجمات 
5/10/2015م


By: Leo Benedictus   
The Guardian
October 3, 2015
 Pilgrims on the Jamarat bridge, which can handle up to 600,000 people per hour. Photograph: Fayez Nureldine/AFP/Getty Images


تأتي القصة التي سأرويها من حضوري احتفال "[الكرنفالي السنوي الذي يقام في لندن المسمى بـاحتفال] نتنج هيلNotting Hill Nفي سنة 1999، ويمكن أن تكون لك قصة مختلفة خاصة بك عن كوارث الحشود، أو عما حدث في ذلك الاحتفال]. فقد كان يوم الاحتفال مشمسا ولم يكن لدينا [أنا وأصدقائي] خطة محددة عدا أن نتجول في الشوارع وأن نستمتع بذلك. وقد وصلنا في أواخر النهار تقريبا إلى ملتقى طرق غاص بطوفان من آلاف الناس. ولم يكن بوسعنا إلا الاستمرار في المسير وسط ذلك الطوفان البشري، كما فعل الناس جميعا.
ثم أخذ الحشد في التزايد الكثيف بصورة تصاعدية قريبا من ملتقى الطرق. ولم نجد أنا وأصدقائي بدا من أن نمشي فرادى الواحد تلو الآخر، وهو ما جعل من الصعب أن يرى بعضنا بعضا. وإذا أراد أحد منا أن يكلم الآخرين فعليه أن يصرخ بأعلى صوته ذلك أن الناس جميعا كانوا يصرخون بأعلى أصواتهم كذلك. ولم يمض وقت طويل إلا وقد وصل الحشد إلى درجة قصوى من التلاحم حتى كان من المستحيل عليك أن تعود أدراجك، بل حتى أن تختار أي اتجاه آخر [لتسلكه]. ووصلت قوة التلاحم إلى مستوى جعلت ذراعيَّ يتثبتان إلى جانبيّ. وقد انحشر رأسي بين [رؤوس] الآخرين بما يشبه تثبيت بيضة في صندوق. ولم يكن بوسعي [أنا وأصدقائي] طوال الوقت إلا الوقوف والانتظار، لكن الحشد كان يندفع بين آونة وأخرى إلى الأمام مما يجعلنا جميعا ننجرف معه. بل كان الحشد يحملنا في بعض الأحيان.
ويبلغ طولي 175 سم تقريبا، وهو ما مكنني من الإطلال على الحشد من حولي بصعوبة. أما قصار القامة فقد انحشروا بين صدور الآخرين وظهورهم، ولم يكونوا يستطيعون النظر إلى شيء إلا إلى قطعة من السماء فوقهم. وكان عدد من رجال الشرطة يقفون وراء الحواجز الجانبية المانعة للتدافع وكانوا يصرخون بعبارات تدعو للأمل مثل: "تحركوا، من فضلكم". وأتذكر أني سألت أحد هؤلاء عند نقطة ما عن المدة التي سيستمر فيها هذا الزحام، لكني لم أتلق إلا صرخة غاضبة منه. ولا أتذكر ما قاله، لكني أتذكر أنه لم يكن متحكما بانفعاله [غاضبا جدا].
وكانت تصدر بين آنة وأخرى صرخة ذعر في مكان ما ثم تتلوها نداءات للتوقف عن الدفع. وكنت أتصور أن بعض الناس أصيبوا بنوبات من حالة الرهبة من الاحتجاز، وهو أمر مفهوم. وكنت أحرصَ ما أكون على أن أخرج، ولم أشكّ قطعا بأني سوف أخرج [سالما من ذلك الزحام الخانق]. ذلك أن فكرة أني في خطر تبدو سخيفة، بل لقد كان بعض الناس يضحكون. [وما يدعو إلى ذلك] أننا كنا في مكان مفتوح. فكيف يمكن لأحد أن يموت بسبب ضيق المكان تحت هذه السماء الواسعة.
ولم يمت أحد بسبب الدهس في احتفال نتنج هيل سنة 1999م، لكني كنت مخطئا في ما يخص الحشود. ذلك أنه منذ 1999م مات نتيجة لحوادث دهس الحشود عشرة أشخاص أو أكثر في حوادث مسجلة مماثلة، أو وقوع حادث واحد [من حوادث الحشود] كل أربعة أشهر تقريبا. فقد حدثت [مثل هذه الكوارث] في جنوب إفريقيا وفي غانا واليابان والولايات المتحدة والصين والهند والفيلبين وتانزانيا وهولندا وألمانيا وكمبوديا والبرازيل ومصر.... إلى غير ذلك، أي في كل مكان من العالم. وقد قضى 935 شخصا في سنة 2005 في حادث وقع على جسر الأئمة في بغداد ـــ وهو عدد يفوق عدد ضحايا أي هجوم انتحاري حدث في العراق. وتبلغ كوارث الحشود المرتبطة بالحج حدا مفزعا. فقد قضى 1426 حاجا دهسا في سنة 1990، وقضى 270 حاجا في 1994م، و118 في الأقل سنة 1998، و35 في 2001، و14 في 2003، و251 في 2004، و3 في 2005، و360 في الأقل سنة 2006م. والأمر الأكثر مفاجأة أن يبلغ عدد ضحايا الدهس في هذه السنة حتى الآن 769 حاجا بعد مرور ثمان سنوات لم يحدث فيها أي حادث دهس أثناء الحج.
والسؤال هو: لماذا تحصل حوادث الدهس الناتجة عن الحشود؟ ولماذا تستمر في الحدوث؟ والجواب عن هذين السؤالين بسيط. فهذه الحوادث ليست كوارث طبيعية. وهي تحدث لأن أحدا لم يعمل على منع حدوثها. بل إن البروفيسور إدوين جالياEdwin Galea يظن أنها آخذة في التزايد. يعود ذلك لأننا نحاول [في العصر الحاضر] القيام بخدمة أعداد تتكاثر من الناس في وقت أقصر، وهو ما يعني كثافة بشرية أعلى، وهي التي تقود إلى تزايد تكرار هذه الكوارث. لذلك يبدو أن السبب الرئيس لذلك يكمن في تزايد العمران والتمدين.
ويستخدم البروفسور "جاليا" ومجموعته المسماة بـ "مجموعة الحماية الهندسية من الحرائق"Fire Safety Engineering Group التجارب عن السلوك والنمذجة الرياضية لفهم الكيفية التي تتحرك الحشود في أوضاع مختلفة. والهدف من ذلك القضاء على حالات الكثافة [البشرية] الخطيرة. وقد قصصت عليه ما حدث لي سنة 1999 في مكتبه الصغير الذي تصطف على طاولة فيه صناديق ملأى بالملفات. وكانت إجابته من غير تردد: "ذلك أمر خطير جدا، ويجب عليك ألا تدخل في مثل هذا الوضع أبدا. يجب ألا يحدث هذا أبدا".
و"جاليا" أسترالي المولد وهو متخصص في فيزياء الفضاء، وكان قد تخصص في الأصل في ديناميات السوائل داخل النجوم. ثم أصبح مهتما بحالات انتشار الحرائق بعد كارثة حدثت في بوابات مطار مانشستر [في بريطانيا] سنة 1985م مات فيها 54 شخصا حين شب حريق في إحدى طائرات البوينج 737؛ ثم صار مهتما بحركة الحشود، وبعد ذلك بسلوك الحشود. وكان يُظن بأن حوادث دهس الحشود تدخل تحت صنف مشكلات دينمايكيات السوائل، لكن ذلك ليس صحيحا إلى حد بعيد. ذلك أنه حين يحتشد الناس بشكل متلاحم جدا فإنهم يتحركون بما يشبه حركة السوائل، لكن فهْمَ ديناميات ذلك النوع من الحشد توحي بأنه لن يستمر على حال آمنة. ففي الوقت الذي يتحرك فيه الناس كما تتحرك السوائل، يكون الأمر قد بلغ حدا بعيدا من الخطورة. إذ تبلغ معرفة ما الذي ينبغي لك أن تقوم به حدا يشبه معرفة كيف ستتحرك طائرة من غير أجنحة [مستحيلة] ـــ إذ يبدو ذلك أمرا لافتا، لكن الوقت ربما سيكون متأخرا جدا [لفعل شيء نحوه].




 وحين لا يكون الحشد على درجة كبيرة من التلاحم ــ أي أن يكون أربعة أشخاص في المتر المربع الواحد ــ يكون لدى الأفراد فسحة لاتخاذ القرارات في هذه المساحة، ولا يتحركون كما تتحرك السوائل. وإذا ما فكرتَ في هذا فالأمر فسيكون واضحا: فليس الناس، لأسباب عدة، جزيئات [فيزيائية]. فأنت لا تذهب للحفلات الموسيقية وحدَك بل بصحبة جماعة وهو ما يعني أنك لا تحاول أن تذهب إلى مكان ما وحسب بل أنك تحاول أن تكون ملازما لمن ذهبت معهم أيضا. لذلك فأنت تلتفت أحيانا حين تفقد شيئا أو تتحرك حين تشاهد صديقا. وتوحي أبحاث "جاليا" أن الناس غالبا ما يكونون هادئين ويتحلون باللياقة ويتصرفون بعقلانية، حتى حين يتعرضون لأزمة، لكن القرارات التي يتخذونها لا تقوم إلا على ما يعرفونه ــ وهو الأمر الذي لا تتوقعه النمذجات [الحاسوبية] المبسَّطة إلا نادرا.
ومن هنا، فبدلا من النظر إلى الناس كأنهم حبات في [رمان بلي]ball bearings [تتحرك باتنظام]، طوَّر "جاليا" وعدد قليل آخر من الباحثين حول العالم برامج لنمذجة الحشود بما تقتضيه طبيعة هذه الحشود نفسها ـــ أي كونهم جمعا من الفاعلين معقدي النوازع، وهو ما يحاكي بشكل أكثر قربا الاختياراتِ التي يقوم بها الناس والحدود التي تحدُّهم. ويفسر "جاليا" ذلك بقوله: "يقوم كل واحد من هؤلاء الفاعلين بالتنفس بنسبة معينة، وحين يكونون وسط حادث حريق يستنشقون منتوجات سامة ويكونون معرضين لوهج الحرارة. ونحن نحسب أثر التعرض لتلك المواد والتعرض لوهج الحرارة على الفرد ونتنبأ به. فيحاول هؤلاء الناس جميعا [في مثل هذه الحوادث] تفادي المناطق الحارة، مثلا. وإذا ما غشاهم الدخان يسقطون على الأرض ويحاولون الحَبْو. . . ". ويبدو هذا الأمر معقدا جدا. ويقول "جاليا": "إنه كذلك".
وقد عرض [جاليا] عليَّ نتيجةَ ذلك على حاسوبه ـــ وتظهر [هذه الحوادث] على هيئة صور محاكية كبيرة، ويمكن الاطلاع عليها في "اليوتيوب" من غير مقابل، وتظهر على هيئة مئات أو آلاف الأشكال على هيئة أعواد تحاول أن تتعامل مع الدهس والحرائق ـــ وأحيانا مع الدهس والحرائق التي حدثت بالفعل. وليس منظرها سارا. وفي إحدى تلك الحالات من المحاكاة يحاول الناس في تجربة "جاليا" أن يهربوا من حريق شب في إحدى الملاهي في ولاية رود آيلاند [الأمريكية] سنة 2003. ويمكن لك أن ترى أن أغلب أولئك كانوا يتركون مخارج الطوارئ ويعمدون إلى الباب الأمامي حيث يحدث الدهس بأقسى أشكاله، مما أدى إلى موت بعض الناس وإغلاق الطريق على الآخرين الذين كانوا يحاولون تحطيم النوافذ، ثم يحاولون الحبو، ثم يموتون. وبعد مضي ثلاث دقائق كان هناك 100 جثة على الأرض، كما كان الأمر في الحادثة الحقيقة نفسها [التي تمثلها هذه المحاكاة الحاسوبية].
وإذا ما زادت كثافة الحشد عن أربعة أشخاص في المتر المربع الواحد، وإذا وصل عددهم إلى ستة على الأخص، فإنهم يصبحون عرضة لنوعين عامَّين من الحوادث. وكلا النوعين مخيف ــ فتنبَّه. ويتمثل النوع الأول في "تساقط الحشد تساقطا مستمرا" وغالبا ما يبدأ [ذلك التساقط] حين يسقط فرد واحد، وربما يكون ذلك بسبب موجة فزع تخترق الحشد، أو بسبب تعثرهم فقط. وهذا ما يؤدي بشكل مفاجئ إلى فقدان [قوة] تحمُّل جسمِ الشخص المتعثر التي كانت تمثِّل سانِدا لضغط الحشد لكن الناس القريبين منه الذين لا يزالون يتعرضون للضغط من الجانب الآخر يقعون فوق المتعثرين، أو يُدفعوا فوقهم في ما هم يحاولون أن يساعدوا هؤلاء المتعثرين. ويؤدي هذا تبعا لذلك إلى خلق هوة ضخمة، وهو ما يرغم مزيدا من الناس على الوقوع فيها، ثم يتكاثر الواقعون فيها ليتكدس بعضهم فوق بعض إلى أن يتوقف الضغط. ويشبه هذا أن تُدفن تحت الأجساد، وربما كانت تلك أجساد أناس تعرفهم. ويحدث الدهس بشكل مستمر غالبا حين يتحرك حشد كبير بشكل ثابت عبر طريق مغلق، مما يرغمهم على المضي قُدما من غير توقف. وتوحي الإشارات المبكرة عن الكارثة التي حدثت في منى أنها كانت من نوع تساقط الحشد تساقطا مستمرا، وهو ما يبدو أن سببه كان التقاء حشدين كان كل منهما يسير في اتجاه معاكس للآخر ــ وهذا ما يجب ألا يسمح بحدوثه أبدا.
ويحدث النوع الآخر من كوارث الحشد حين يبلغ ضغط الناس [بعضهم ضد بعض] حدا يوقف قدرتَهم على التنفس، ثم يموتون بصورة متزايدة نتيجة للاختناق الناتج عن الضغط. وهذا نوع من "دهس الحشود" يقع دائما حين يُدفع مزيد من الناس إلى منطقة مغلقة ــ إما عند دخولهم أو عند محاولتهم الخروج [من تلك المنطقة]. وغالبا ما يكون المتوفون في كوارث دهس الحشود من أولئك الذين يحشرون ضد الجدار. وكانت كارثة هيلزبورو مثالا لذلك، لكن كثيرا من كوارث الحرائق المفزعة كانت من قبيل دهس الحشود كذلك. ومهما تصرفت الحشود بطريقة هادئة لا يمكن أن يتسع لها مخرج ضيق بنسبة معينة. وليس أمام الذين يكونون في مؤخرة الحشد إلا أن يختاروا بين دفع من يكونون أمامهم بقوة أو انتظار الموت. وقد قضى 243 حاجا في سنة 1997 حين تسبب حريق في الخيام بحادث من دهس الحشود.
وعلى الرغم من تعقيدات كوارث الحشود كلها إلا أنها تمثل مشكلة سياسية بالقدر الذي تمثل فيه مشكلة تقنية. ويتمثل أحد ردود الأفعال الشائعة ــ بل إنه الشائع غالبا ــ بالتذكير بالغوغاء الهائجة، أو بالذعر الجماعي. ويعني ذلك اختصارا لومَ الحشد. وهذا ما فعله جهاز الشرطة وصحيفة الصن [البريطانية] عن عمد في حادثة هيلزبورو. وربما يُفترض ذلك في الحالات الأخرى وهو ما يعنيه مُصدِروه. ويمكن للناس الذين لم يروا حالات ذعر قط أن ذلك مما يسهل تخيُّله، بل الواقع أن هذا ما يتخيله الناس جميعا تقريبا لأنهم لا يتصورون أن الذعر الجماعي ممكن الحدوث. بل الواقع أن الاعتقاد بوجود حالات من الذعر الجماعي أمر خطير لأنه يعني أن السلطات تُخفي أحيانا بعض المعلومات المهمة والمفزعة خوفا من تكرار حوادث مماثلة. ويرى "جاليا" أن هذه الاستراتيجية "هراء، وهي هراء كامل". ذلك "أن الأدلة كلها تبيِّن أن ردود الناس ستكون معقولة وسيتعاملون تعاملا معقولا مع هذه الأخبار [السيئة] اعتمادا على المعلومات التي تقدمها السلطات. وأنت لا تريد أن تعطيهم قدرا كبيرا من المعلومات التي لا يستطيعون التعامل معها... لكنك تريد أن تزودهم بمعلومات بسيطة صحيحة يمكن لهم أن يؤسسوا ردود أفعالهم عليها".
وهناك كلمة تحمل كثيرا من اللوم هنا، خاصة في الإنجليزية. ولك أن تذكر كلمةstampede "تدافع" عند "جاليا" وسوف يقابل [استخدامك هذه الكلمة في وصف هذا النوع من الكوارث] باستنكار شديد. فهو يقول: "إن هذا هراء محض. إن سبب [استخدام هذه الكلمة] هو الجهل بعينه، وهو الكسل. . .  إن [هذه الكلمة] تعطي الانطباع بأن هذه الحالة تنتج عن فعل حشد مجنون لا يعني بعضهم ببعض، وأنهم كانوا على استعداد لأن يدهسوا الناس". أما الواقع فهو أن الناس لا يدهسهم بشكل مباشر إلا أناس آخرون لا يكون لديهم خيار في هذا الأمر، وأن الذين يستطيعون الاختيار لا يعرفون شيئا عما يحدث لأنهم بعيدون جدا عن مركز الحدث ـــ وغالبا ما يكونون محاطين برجال شرطة مبتسمين يبعثون على الاطمئنان. وهو ما يشبه حالي حين دخلت حشد الاحتفال الخطير [احتفال نتنج هيل] ــ وأسهمت في ما وقع فيه.
وفي الحالات النادرة جدا التي يحدث فيها التدافع ــ وهو الذي يعني حين يمر الناس مسرعين فوق جسدك ــ لا يكون فيها مؤديا إلى الهلاك غالبا. يقول كيث ستل، أستاذ علم الحشود في جامعة مانشستر: "حين أنظر إلى تحليل [هذه الكوارث] لا أرى أية حالات مما يكون فيها التدافع سببا في حالات الموت الجماعية لأن الناس لا يموتون لإصابتهم بالذعر. فهم يُصابون بالذعر لأنهم يشعرون بأنهم معرضون للموت". وتمثل وجهة النظر هذه الآن ما يكاد يكون إجماعا بين المتخصصين في التخصص النامي الذي يشتغل به ستل وجاليا. فيقول ديريك هيلبنج، أستاذ الحوسبة في جامعةETH في زيورخ: "إن تعثُّر الحشد هو السبب المألوف في كوارث الحشود، وهو ما يمكن تمييزه من تلك الكوارث التي تنشأ عن "الذعر الجماعي" أو "دهس الحشود". ويقول بول تيرينز، الأستاذ في مركز علم المعلومات الجغرافية الفراغية في جامعة ماريلاند: "إن فكرة الفزع الجماعي خرافة".
ويقدم البروفسور ستل مشورته للمهندسين المعماريين وأجهزة الشرطة والذين يخططون للمناسبات ـــ ويشمل ذلك الذين يخططون لحفلات زواج ملكية ـــ عن كيفية التعامل مع المناسبات الكبرى، ويصر على أن حالات الدهس يمكن على العموم "منعها والتنبؤ بوقوعها وتجنب حدوثها". وقد تعاقد مع الحكومة السعودية سنة 2004 للاستفادة من مشورته في التخطيط لجسر الجمرات الجديد من أجل تسهيل ما صار عنق زجاجة واضحا أمام الجمرات. إلا أن ذلك، كما يقول، ربما لن يحل المشكلة. صحيح أن [المملكة] حلتْ [ببناء الجسر] جزءا من نظام معقد، وذلك ما جعله أكثر كفاءة. فقد كان لا يتسع إلا لمائتي ألف حاج في الساعة. أما الآن فيتسع لما يقرب من 500 ألف إلى 600 ألف في الساعة. ومن الواضح أن هذا يُحدث ضغطا على أجزاء النظام الأخرى كلها" ـــ ويعني هذا بكلمات أخر أن عددا ضخما من الناس يصِلون إلى نقاط يمكن أن تمثِّل مضايقَ أخرى على طول الطريق [إلى الجمرات]. إلا أن الطبيعة التخطيطة لمنى، حيث وقعت الكارثة الأخيرة، لم تتغير منذ أن أُنجز الجسر.
ويرى ستل أن إعادة تخطيط منطقة منى بأكملها يمكن أن تجعل الحج آمنا، لكنه يشكك في ذلك. فهو يقول: "إذا كنت تخطط لمناسبة بهذه الكثافة البشرية، فذلك يمثل [بنفسه] خطرا جوهريا لا مفر منه". وتتمثل التحديات، كما هي الحال دائما، في تحديد نقاط القياس. إذ يجب أن يكون كل واحد [من الحجاج]، مثلا، على مسافة قريبة من الجمرات تمكِّنه من رمي الجمار (حيث وقعت حوادث الدهس القاتلة في 1994، و2003، و2005، و2006)، ثم يجب على كل حاج أن يطوف بالكعبة داخل المسجد الحرام، ويعني ذلك أنه سيكون هناك حد للكيفية التي يمكن بها لعدد كبير من الحجاج أن يوجدوا في هذه الأماكن يوميا ــ ثم إن أعداد الحجاج كبيرة جدا. وللمقارنة فإن وجود 500 ألف حاج في الساعة على جسر الجمرات يماثل أضخم حشد من رواد المباريات الرياضية [لو جمعتَه] مرة في كل 24 دقيقة، أو يماثل حشد عدد سكان ألمانيا [لو جمعتهم] مرة كل أسبوع. وأحد الحلول الممكنة، بالطبع، أن تمدَّد أيام الحج عدة أيام [هههههههههههههههههه]!
والمشكل في تنظيم الحشود عامة أنه لا يتشابه مكانان أبدا. فقد قضى 21 شابا دهسا في 2010 في مدينة دويسبرج الألمانية خلال احتفال موسيقي سمي بـ "استعراض الحب"، وكان قد أُقيم الاحتفال في مكان جديد. وكانت هناك خطة معدَّة مسبقا للتنظيم، لكن كان المتوقع، لسبب ما، أن يتحرك الحشد في الاتجاهين كليهما عبر نفق واحد، وهو المكان الذي حدثت فيه الكارثة. وكما يوحي النموذج الحوسبي الذي صاغه "جاليا" فقد كان من الممكن لضعف عدد حاضري ذلك الاحتفال أن يتحركوا بطريقة آمنة عبر ذلك النفق [نفسه] لو وزِّع المتحركون إلى ثلاثة مسارات.
ويُثني "ستل" على معرفة المعنيين المحليين بتنظيم الحشود في المناسبات الكبرى وتجاربهم، لكنه يحذِّر كذلك من الثقة الزائفة بالنفس التي يمكن أن تنجم عن تلك المعرفة وتلك التجربة. فهو يقول مثلا: "لقد رأيت ضابط شرطة كان قد كُلِّف بالإشراف على ملعب ويمبلي [في لندن] يستخدم خططَه التي أثبتت نجاحها في ملعب فريق أرسنال [البريطاني]. وكان يريد أن يحاول تنفيذ تلك الخطة بتلك الطريقة في ملعب ويمبلي حيث كانت حياة 30 ألف متفرج في الميزان.. صحيح أنه لم يكن أحد عرضة حتى لقدر قليل من الضيق، لكنها كانت إحدى  اللحظات التي ربما يخطر على ذهنك فيها أن "هذا الحشد بأكمله سوف يعبُر من خلال بوابة لا يزيد عرضها عن ثلاثة أمتار، وليس هناك ما يمكن أن يوقف هؤلاء [عن التحرك]". وقد كنتُ في غرفة التحكم عند ذاك، وكان كل واحد جالسا يرى الحدث في أثناء ما كان يحدث. وقد نجحت خطة [هذا الضابط] في [ملعب أرسنال] لكنها لم تنجح في [ملعب ويمبلي]. ولم يقتصر الأمر على أني شاهدت ما كان يحدث، بل شاهدت كذلك عددا من الحالات التي كانت قريبا من الحدوث". وكان ما أزعج "ستل" بخاصة أننا نفشل دائما في التعلم من هذه الحوادث. إذ يقول: "ليس هناك عناية [عند الجهات المنظمة للمناسبات الرياضية وغيرها] بتسجيل المعلومات عن هذه الكوارث ولا توجد أية مساع لإصلاح الخلل وتحسين أوضاعها في السنوات التالية". أما حادث "نتنج هيل" سنة 1999 فلم يسجله أحد، وأنا الوحيد الذي ذكرته في هذا المقال، وربما يكون المكان الآخر [الذي يحتفظ بمعلومات عنه] هو الكوابيس التي يتعرض لها [في منامه] رجلُ الشرطة [المذكور في أول المقال].
ولو نُفِّذ مثل هذا النظام، أو لوْ أوجب القانون عموما على منظمي المناسبات أن "يُهتموا بسلامة الحشود"، أو لو استطعنا التوقف عن تسمية هذه الحوادث بـ"التدافع"، أو لو أمكن للأبحاث الجديدة والتقنيات الجديدة أن تساعدنا ــ وهو ما يمكن أن يعني تزويدَ هواتف رجال الشرطة ببرامج للمحاكاة الفورية [لحركة الحشود] ـــ لكان من الممكن عندئذ منع حوادث الدهس من الحدوث. ومع ذلك فسيستمر حدوث الكوارث أو ما يُنذر بها. وقد عَلَق "جاليا" نفسُه قبل شهور في حشد خطير في محطة [القطار الأرضي المسماة] بمحطة جسر لندنLondon Bridge station . ويقول عن ذلك: "لقد كنت خائفا على سلامتي وسلامة المحيطين بي. ولقد ظننت أن هذا سينتهي بسهولة ليكون كارثة. وبسهولة تامة". وقد تقدم بشكوى، والأمل أن يكون لهذه الشكوى أثر.
ويقدم "ستل" بعضَ القواعد الأساسية لمن يقترب من حشد كبير لكي يتبعها. فيقول: "كن متنبها لما يحيط بك. انظر إلى الأمام. أصغ للضوضاء التي تصدر عن الحشد. وإذا وجدت نفسك في طريق اندفاعة حشد قادمة، تمهل حتى تصل إليك الاندفاعة ثم اذهب معها وتحرك باتجاه جانبي الطريق. واصِل الحركة مع الاندفاعة ثم اقصد جانبي الطريق، عليك بجانبي الطريق". وغالبا ما ينجو الناس من مثل هذا الوضع، بالطبع. وغالبا لا يكونون واعين بما كان يحدث. لكنهم يتفقدون جيوبهم ويعودون إلى بيوتهم ليحكوا لأصدقائهم كيف أنهم كانوا ـــ لدقيقة هناك ــــ قريبا من الذعر.


[ملحوظات:
1ـــ إشارة كاتب المقال إلى اعتراض المتخصصين على مصطلحstampede ربما تكون صحيحة في غير وصف ما يحدث في الحج. صحيح أن الحجاج  لا يقصدون إيذاء الحجاج الآخرين لكن كثيرا ممن حج لا يفوتهم أن كثيرا من الحجاج يذهبون للطواف ورمي  الجمرات في جماعات مترابطة، وربما تكون متشابكة الأيدي، قصدا لحماية أنفسهم. ويؤدي هذا بطبيعته إلى إزاحة الحجاج الآخرين من طريقهم، ويجعل من الصعب على الآخرين اختراق ما يمكن أن يوصف بأنه جدار من الأجساد المترابطة. وهذا ما يؤدي بطبيعته إلى زيادة ضغط الحشود وتعثر بعض من يعترض طريق هذه المجموعات.
لذلك ربما يكون مصطلح "التدافع" ملائما في اللغة العربية لوصف هذا الواقع لأنه فيه حركة تزيح الجموع من أمامها وحركة معاكسة لها. ومن هنا فإن أحد الأسباب الواضحة لحوادث التعثر والدهس هو قوة دفع هذه المجموعات للآخرين مما يؤدي إلى تعثرهم وسقوطهم.
2ـــ يمكن ملاحظة أن حوادث التعثر والدهس لا تحدث إلا في يوم النحر عند رمي جمرة العقبة وفي الساعات الأولى بعد الزوال في اليوم الثالث عند رمي الجمرات. ويمكن لمن لاحظ الكثافة القليلة للذين يرمون يوم النحر بعد الساعة العاشرة أن يتحقق أنه كان هناك اندفاع للحجاج للرمي في الساعات الأولى منه. ومن المؤكد أنه لو كان هناك تحكم صارم بحركة الحجاج في هذين اليومين لتوزعوا على مدى ساعات النهار والليل في اليوم الأول، وعلى ساعات ما بعد الظهيرة إلى المغرب في اليوم الثالث، ولرموا الجمرات في اليومين من غير تزاحم.
3ــ لم أتمكن من نسخ الرسومات الفنية ولا اليوتيوب المصاحبة للمقال الأصلي وهي التي توضح بعض ما ورد في المقال. فأرجو ممن أراد الاطلاع على ذلك الرجوع إلى المقال الأصلي الذي وضعتُ رابطه في أعلى هذه الترجمة].

فيديو:


Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...