بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، أبريل 03، 2015

اليوم العالمي للتوحد (عالم اخر اسمه "شروق" )

نعيد نشر القصة (عالم اخر اسمه "شروق" ) في اليوم العالمي للتوحد ...اليوم العالمي للتوحد يصادف الثاني من أبريل من كل عام، ويهدف إلى التعريف بـه ، والتحذير من مرض التوحد. تمت تسمية من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة بنهاية عام 2007. 
شروق .. اسم هذه السميراء ذات السنوات السبع و التى حفرت درسا فى ذهنى صعب على حكمة كل الشيوخ أن تعلمنيه. رافقتها ساعتين من الزمن فى حافلة. و خلفت وراءها ظلا و أثرا اراه كلما سرت وحيدة فى هذه الدنيا. "نصل لمدينتنا الصغيرة بعد الغروب. ترغب أم شروق فى أن أكرمها بزيارة لأن شروق المريضة بالتوحد اتعبتنى طوال الرحلة على حد قولها. أشكرها متمنية لها الشفاء. ثم اكمل طريقى وحدى لأدخل مرغمة عالمنا الموحش ... ما أصعب هذه اللحظة! أدرك أننى لن أراها ثانية. لقد كانت الطفلة كريمة معى إذ اهدتنى ذكرى جميلة من عالمها الاّخر. عالم اسمه ( شروق)." استكمل القراءة...

******************
فى الحافلة: كان شيئا غريبا علينا نراه من طفلة فى السابعة. شروق تنفعل و كأنها تجيب اّخرين لا نراهم. تكرر حركاتها بنمطية عجيبة و عشوائية. تدق على النافذة بترتيب منظم ولا تتوقف. لا تنتبه لما حولها من أصوات حتى أبواق السيارات المزعجة فجأة لا تنزعج لها مثلنا. لا تستجيب لقسمات وجوهنا المتعجبة و لا لنبرات أصواتنا الزاجرة. فأصواتنا لا تعنيها. و كأنها وحدها أو قل نحن وحدنا.

سؤال يسكن فى عقول الجميع : هل تتجاهلنا؟ فلم يبدو أننا نمثل شيئا من اشيائها. و تحيرنا: هل كانت تجهل وجودنا أصلا؟ أم  أننا نحن الذين لا نفهم ما تفعله. إذ لا بد أن هناك عوالم أخرى تعرفها وحدها. الواضح أن غلالة سوداء تحجب عيوننا عن رؤية عالم شروق بوضوح كامل.
تنظر من النافذة إلى اللانهاية بعمق كعجوز فى السبعين تتأمل الزمن السائر بعيدا.  اللانهاية هى الشئ الوحيد الذى نتفق فيه مع شروق..و بدون أن تنظر لعينى تبدأ بحركة عشوائية لتحدق فى شئ ما بيدى. تقترب منه مخافة أن يتفلت منها و تبدأ فى لف أصابعها بطريقة غريبة .
الكبر يحول دون القول بأننا نجهل باقى عالمها. و نكابر بأن تعال يا شروق إلى عالمنا الذى نعرفه. فهذا هو الأيسر لنا.
اصغ لكل أصواتنا . أجيبى أوامرنا و نواهينا.
نقسو على سبع شمعات لنطفئها. لتعيش فى ظلمة.
لم لا نتركها فى العالم الذى تراه وحدها جميلا.
زعما بأن عالمنا أفضل من عالمها؟ ما أبرع كذبنا!.
نراها تنسج لنا لوحة من التحركات المنتظمة كمشهد فنى جديد لم نره من قبل.
أراها تنظر للنافذة ثم بدون مقدمات تبعثر كلمات غريبة و فجأة تهدأ لتعود بعد دقائق صارخة بكلمات مسيئة لأمها. تعتذر الأم بانها مريضة بعقلها وسط استهجان البعض مصرين أنها طفلة غير مهذبة. الأم خجلة حزينة. فلا ذنب لهذه البرعم إن أزهرت بنفسجة حزينة.
نهرها السائق أن تكف. تبعه الأب و الأم فلم تستجب. تملل البعض من صراخها. هنا فقط أضافت الأم صفعة على وجه الجميلة أبكتنا جميعا. وكأنها تضربنا نحن. ولسان حالها يقول لنا: ها قد أوجعتها ضربا لكنها لن تصمت. ألا تعلمون ؟ ألا ترحمون؟
اه صغيرتى لقد قدم الجميع لذاته العذر و برأ نفسه من اللطمة الموجعة دون خجل. الكل يبتعد و يتوحد مع عالمه صامتا و يتركها فى عالم من الصراخ. صراخ لدقائق ثم تخلد بعدها للنوم بهدوء عجيب. أهذا هو طريق خلاصها.

******************

اختارت زندى لتنام.  تتحسس ذراعى ثم تنام مطمئنة كملاك.
تتأسف الام. أجيبها بكلمات عفوية: لا عليك أنا سعيدة فليس لدى ما أقدم لها إلا ذاك. فرحت بها و كأنها صغيرتى بل أجمل من كل بناتى. إنها أقربهن لقلبى. لقد استجابت لى و ادخلتنى عالمها. اقبلها ممتنة شاكرة. تضطرب قليلا ثم تهدأ.
تأملتها و خمول يتسلل لعينها. أهى تعبة من الصراخ! لا تعبيرات لوجهها و كأن شيئا لم يحدث.
 سبحانه البديع يصور لنا الجمال فى كل شئ. لكن هل من مبصر؟ نستمتع بمنظرها فى لحظة من لحظات الهناءة القليلة التى تعيشها وسط  البؤس.
ساعة و تستيقظ  عفوية ككل الصغار، و كدنا ننسى مرضها..
تطلب الماء عدة مرات ثم تلتصق بالنافذة توجهها الأم للجانب الاخر بقليل من العنف. تطيب الأم خاطرها. تهدهدها كطفل فى مهده. تمتدحها: شروق جميلة... شروق تسمع الكلام...تأمرها: شروق انظرى هنا.. شروق.... شروق..... لقد اكتوت الأم بنار التعب و البؤس و هى ترعى مريضتها. بينما الان عرفت لماذا لا أرى الا الجنة. نعم إنها الجنة التى نحسدها عليها. ليس لهذه الأم إلا الجنة. إنها أجمل من رأيت من أمهات. ربما تكون الامنا وجروحنا فى الدنيا هى سبيلنا إلى الجنة. حينها ستبرأ كل الجروح.
اسأل أمها عم تعانى؟ ظنا أننى ساقتسم أحزانها فتخف عنها! تجيب أنه شئ فى المخ و تتوصل لمسمى مرضها (التوحد) بصعوبة.  قرروا العلاج الان فقط. و اليوم كانت الجلسة العلاجية الأولى لها بمستشفى العاصمة. لم اقدم لها اية عروض للمساعدة. فقط حزنت لأنهم تأخروا فى علاجها، ربما لفقرهم!

******************
نصل لمدينتنا الصغيرة بعد الغروب. ترغب الأم فى أن أكرمها بزيارة لأن شروق المريضة بالتوحد اتعبتنى طوال الرحلة على حد قولها. أشكرها متمنية لها الشفاء. ثم اكمل طريقى وحدى لأدخل مرغمة عالمنا الموحش ... ما أصعب هذه اللحظة! أدرك أننى لن أراها ثانية. لقد كانت كريمة معى إذ اهدتنى ذكرى جميلة من عالمها الاّخر. عالم  اسمه ( شروق).

******************

تمر الشهور......
  
تمر الشهور.....
 فى إحدى المستشفيات أرى طفلة تشبهها من بعيد، أذكر شروق فى نفسى. ليتها هي. اه ... قاتل الله التردد لماذا لم أعرض المساعدة من قبل و لم استفسر عن مواعيد الجلسات و عن اسم المستشفى. أكنت خجلة من هذا الرقى الانسانى؟ أم لم أشا أن اتدخل؟ هل ترددت كعادتى؟ أسباب واهية لكيلا نساعد هؤلاء الاطفال! على أن امحو هذا التردد من بعد..اقترب لأراها ... افرح و تدمع عيناى... إنها هى.

أدخل معهم إلى الطبيب المعالج. اقتطع وقتا لأتعلم كيف سأرعى هؤلاء الأطفال مع سرب من الملائكة التى تعالجهم. يردد الطبيب على اّذان والدى شروق عبارات الطمأنة ظانا أنه يبعث فى روحهم الأمل برغم التشخيص المتأخر. لكن صدى هذه العبارات فى عقولهم يقول: هل ستشفى تماما لتكون مثل باقى الاطفال؟ لكن ماذا لو لم تشفى و نحن لا نملك المال لنكمل مسيرة العلاج ؟هل لدواء تعاطيته عفوا فى حملى سبب؟ هل..هل...
بعفوية تتسائل الأم: هل يعاقبنا ربنا بمرض أمنيتنا الوحيدة فى هذه الدنيا؟ 
و الأب يروح عنها: ما كان الابتلاء عقابا.
نبحث عن إجابات ثم نأخذ على أنفسا عهدا لا حنث فيه: سيدتى. سنحمل معك هذا الهم و نشاطرك إياه، كيفما يقوينا الرب. ثم اجتمعنا على الرضا بقضاء الله و بدأنا مسيرة العالج.

******************

تبدأ شروق فى الاندماج و تستجيب لنا رويدا. تتقدم فى العلاج. الوالدان يحمدون الله. دعوت كل من أعرف ليتصدق بوقته و جهده و يرعى هؤلاء الأطفال. و ليغنموا مثلى بلحظات الرضا التى أعيشها هذه الأيام.
الآن أسمع قلبى يردد قولته الأثيرة: القلوب تكون أكثر سعادة عندما تدق لأجل الاخرين.

******************

المقصود من الجملة الخاتمة  للقصة أن الإنسان عندما يبذل مجهودا لأجل غيره؛ فإنه يكون أكثر سعادة.
 الجزء الثاني من القصة  ليس حقيقيا، لكنني أحببت أن يكون تتمة القصة عمليا. و أوضحت  فيه كيفية  مساعدة الناس البسطاء بطريقة عملية. اللهم بلغت اللهم فاشهد. 

ليست هناك تعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...