بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، ديسمبر 30، 2014

قصاصات من أوراق الآنسة (زينب مهدي) #زينب_مهدي 2-3

تحديث:
زينب مهدي

ملف المعتقلات: لم انسحب كما قالوا، بل كانت أنات المظلومين و المعتقلين تناديني، و كنت أحاول أن أفعل لهم شيئا، فاخترت أضعفهم، الفتيات المعتقلات المنسيات، عملت على ملفهن. فتحت لزملاء جدد و قدامى طريقا إلى العمل الجاد لنساعدهم..ثم تركتهم بعد فترة، لماذا انسحبت؟ لأنني وجدت أن ما نفعله كأنه (تحصيل حاصل)، شعرت و كأنه محاولة لإرضاء الضمير،  و أحيانا لإرضاء الأنا.. كنا نعرف جيدا أن التوثيق و النشر مآله إلى لا شيء في هذا العالم المنافق.. كل هذا كالنقش على الماء، كحملان ضئيلة يأكلها غول القضاء الظالم.. معلومة هنا و صورة من هنا و ملف (إكسيل)...، و هكذا اكتمل ملف المعتقلات..ثم ماذا؟ أهذا كل ما استطعت تقديمه؟ كان مجهدا و متعبا و مع هذا تتساءل ذاتي قبل أن تجلدني كل يوم: أي نتيجة أو تغيير حدث بعد أن جمعتوا هذه الأوراق؟ لا شيء..هل أنت راض يا ضميري الآن؟ لا...   ثم بعدُ، أتسمون هذا انسحابا؟  لقد اخترتها بإرادتي و أنا أعلم الكثيرعن هذا العمل المليء بالأسى، و لم أكن أعلم أن الإحباط سيقودني إلى كل هذا الحزن و تلك النهاية.  لم تكن مجرد أسماء و معلومات و أرقام تتراص أفقيا و رأسيا لتكون ملفا، لكنها كانت صورا انفخ فيها فأشاهدها تتحرك أمام  عيني و أنا اكتب عنها جملة أو اعرف عنها معلومة جديدة. تقول المعلومة إن هناك فتاة عمرها 18 عاما احتجزت..ابدأ في رؤيتها و محادثتها من وراء عقلي الباطن فأجدها بين أربعة جدران وسط نساء اقترفن آثاما ربما لا تعرف عنها شيئا، لا يضايقها احتجازها بقدر ما يؤلمها مساواتها بمذنبة تتندر عليها و قاتلة تضايقها لتتخذها سخريا تتسلى بها مع بقية نساء العنبر أو الحجز كل ليلة..أشعر بقوتها و ضعفها و هي تحاول أن تدفعهم عن جسدها حين يعتدين عليها بسبب مشاحنة نسوية عادية.  و مرات اخرى، أشعر برغبتها في إصلاح سلوكهن بالحسنى حينا و بالزجر حينا. أدرك كيف منعوا عنهن الملابس الثقيلة والأغطية في برد الشتاء لإذلالهن بينما أتدثر في حجرتي بالأغطية. أزيحها عني، فلا أتحمل هذا البرد و أعود لها معتذرة لصديقتي في ملف المعتقلات لأنني لم أتحمل كل هذا البرد في حجرتي و أنا حرة. اتأمل في ملف معتقلة أخرى، فأجدها تمثلت أمامي روحا معذبة تعاني فراق ابنائها و قلقها عليهم كل ساعة من ساعات احتجازها لشهور. كانت تحلم بالخروج لأجلهم فقط، كل ساعة..و الساعات تتكاثر و لم يعد لها حسبان و ليس هناك مخرج لإخلاء سبيلها حتى يأتي يوم تظنه الفرج، فتأخذ حكمها القضائي بسنوات طوال، و حينها يتحول ملفها من معتقلة إلى سجينة لتقضي حكمها ساعة بساعة و لا تزال تنتظر حلا لا أعلمه و لا أملك أن أساعدها بشيء آخر، إلا أن انكمش أكثر في حجرتي و أنا أراها تتعذب مع بقية المعتقلات في الملف..تخيلت حيوات الشهيدات منذ الثالث من يوليو و كيف انتهت بطلقة غدر من قالت لا يبالي كروح أزهقها برصاصه...حينها شعرت بالانكسار و كأن خنجرا يقتلني معهن..قصاصات هنا و هناك كانت عذابا لي و أدعوكم لتشاركوهم حزنهم و عذابهم بعد مماتي. هذا أقل ما نستطيع نحن العاجزون عن المساعدة..أيقنت أن كل كل هذا الجهد يتساقط أمام كلمة قاض قرر حبس فتيات لسنوات و نائب تغافل عن انتهاكات بحقهن...
زينب مهدي 

لكن سقوطها من علٍ لم يأت إلا بعد وعود بتحقيق العدالة للمعتقلات و غيرهن عبر محاكمات دولية و حلول غير عادية..حيث لا أحد في هذا العالم الكبير يهتم بنسوة محتجزات في حجرة باردة مظلمة في دولة اسمها مصر. وما أسقط (زينب) أنها رأت بعضهم يرى حبسهن وقودا يجب ألا ينطفيء لشد انتباه المجتمع المصري و الدولي لما يحدث في مصر..نفعت مرة مع بعض المعتقلات، و آفة حارتنا النسيان مع بقية المعتقلات..لا أحد سيبكي عليهن مثلما بكت و لا أحد سيتقدم بخطوة جادة لأخذ حقوقهن من هذا العالم أو المجتمع الدولي. اعتقدت أن هذه الأبواب التي تطرقها مع رفاقها لن تفتح لهم لينقذوا الفتيات أو أي معتقل في سجون مصر ظلما، و إن استمروا في الطرق لسنوات و إن ارتفع صوتهم  لأعلى الدرجات..إنهم يرضون ضميرهم الداخلي..لهذا قررتْ التوقف عن هذا الصراخ و الطرق بدون فائدة. اكتفت بما قدمت في هذا الطريق، و سلكت طريقا آخر ظنته الأوقع. و تركت هذه القصاصات جانبا.
لم تفكر (زينب) في ردة فعل أحد تجاه انتحارها..فالكثير أنكرعليها و لو صمتا هذا الإثم..و معظم بنات الإخوان لم يرثينها بكلمة رغم أنها عملت ما بوسعها في متابعة ملفهن. هل كنّ يستحققن جهدها أو رحيلها؟  إنها لم تكن تعمل لهن، بل عملت لأجل ضميرها و هذا مكسب لا يقدره بشر.  لم تدرك أن للإنسان الحق في مساعدة غيره لكن ليس للحد الذي يقتل نفسه كمدا و غيره لا يبالي به. و إلا لتحولنا إلى سيزيف جديد.
زينب مهدي في أحداث محمد محمود 2011 #مصر

 (زينب): أي درجات من الألم النفسي شعرت به، و أي بارقة أمل لاحت لك في فكرة الموت؛ لتتخلصي من كل هذه الآلام؟ أي ذنب يستحق هذا الانتحار؟ هل أردت أن تكملي حلقة الظلم حول نفسك، فنحرت روحك المعذبة؟ أهكذا تتخلصين من الظلم بظلم آخر (الانتحار)؟ هل روحك (الأمانة التي استودعها إياها ربك) تستحق هذا؟   أنت تعلمين أنك لا تملكين روحك التي وهبها ربك لك...ها أنذا اقترب من المحظور الذي حددته لنفسي في هذه الكتابة.. ربما تجيبني (زينب) و تقول: أعلم، لكنني رغبت في أن أشعرهم بألمي.. لهذا جلعت روحي رسالة لهم؛ ليفيقوا من نفاقهم.. و هل أفاقوا الآن بعد انتحارك؟ أمن أجل رسالة (قد لا تصل) لآذان أغلقت و قلوب قست تقتلين نفسك و تغضبين ربك؟ هل سأضايقك لو  قلت لك: إن الرسالة وصلت لكن القليل تغير؟ لقد ركزوا في ماهية حساب الله لك على انتحارك من حيث أنت كافرة أم مسلمة؟ و على أفضل حال ركزوا في أنك مسلمة لكنك مخلدة في جهنم و لهذا لن يحضروا جنازتك..ربما يكون رأيهم صحيحا..لكنهم لم يتطرقوا أبدا لدورهم في هذه المنظومة الظالمة..و لم يتغير محرض أو صامت على الظلم بموتك..مسكينة...
كانوا جميعا و كنت واحدا..و لهذا لم يعد لي جدوى من البقاء في هذا العالم، فليكملوه جميعا بطريقتهم و نفاقهم. لم يعد لحياتي أي هدف لأحيا. 
(زينب): إن وحدتك كانت بداية الطريق لوفاتك..قتل الله كل من قادك، و أرغمك عليها.
عزيزتي...لن أضعك في صف القديسين، لمجرد أنهم ظلموك و قادوك إلى الموت البطيء و العزلة ثم الانتحار. لن أمجد فعلتك (الانتحار)..لن أقول أنك شجاعة بهذا اليأس.. لن اتمادى في الدفاع عنك لكنني قلت أن خطأك لن اذكره كثيرا أو على الأقل لن أبرره..خطأك هو ضعفك و يأسك..و هذا أمر يحاسبك عليه الله.  إنك كغيرك من الفتيات في عمر الزهور تبحثين عن حياة كريمة بكل عزة نفس..تساعدين غيرك و تأثيرن على نفسك رغم أحوالك المتعثرة. أتكون لحظة الضعف و التفكير بالانتحار هي لحظة مارقة في عمرك جاءت بلا مقدمات؟ فالكثير يمر بما تمرين به...لكنهم لم ينتحروا (فعليا)..بعضهم انتحر بأن انطوى و نسى طموحاته، و بعضهم جارى الواقع الزائف مبدلا قناعاته...و كثير منهم ينتظر مآله غير راغب في الموت و خائف منه و من الإقدام عليه..لا يملك القدرة على الاقتراب من الانتحار و في اللحظة نفسها لا يملك القدرة على أي تغيير في حياته البائسة.. أكل هؤلاء أقوى منك أيتها اليائسة الضعيفة؟ ألم يكن الأفضل لك أن تستمري في هذا الحياة المريرة حتى يحين الوقت لتتغير بعد عام أو عشر أولا تتغير على الإطلاق؟ هل فقدت إيمانك بالبعث و الحياة الأخرى عوضا عن أحزان الحياة الدنيا؟ أكان يجب عليك أن تحاولي مرة بعد أخرى وسط هذا العفن السياسي و الظلم السياسي بدون أية أسلحة تمتلكينها؟ ألم يكن هناك أمل في تغيير قادم؟ أليست هذه سنة الحياة المتبدلة؟ أليست هذه ابتلاءات و امتحانات يمر بها جميعنا؟ أعلم أنك تساءلت هكذا لشهور و لم تجدي الإجابات، بل وجدتي الإنكار و التكفير أحيانا لمجرد أنك أخذت في التفكير..
السيرة الذاتية التي أرسلتها زينب مهدي بحثا عن عمل، كما بحثت عن منح دراسية بالخارج قبل رحيلها

(زينب):  هل تذكرين الأطفال الافتراضيين الذين كنت تلعبين لهم بعرائسك البسيطة الجميلة لتحكي لهم قصتك مع السمنة؟ هل كنت تمرحين مع (زينب) الطفلة أياما قبل الممات؟ أريد أن أقول: إنهم يشتاقون إليك الآن يا (زينب).

كذلك، الجثث التي بكتها (زينب) في (رابعة) شاهدة على نقائها. شاهدة على نقاء ضميرها الذي ينتمي للانسانية دون أية إملاءات أو تحزبات.  و هذا هو التناقض الذي شكل حياة (زينب)  بين فتاة تريد أن تفعل شيئا دون قيود أو أطماع و بين ساسة يريدون كل شيء أيا كانت الوسيلة. كنت تشاهدين الدبابات تسير نحو الاف من البشر في الميادين لتقتلهم فصرخت..لا لم نخرج لأجل القتل..لم نخرج لأجل الظلم...صدمك ساعتها أن الكثير من أصدقائك الجدد خرجوا لأجل هذا و كانوا يعرفون جيدا ما سيحدث..أصدقاؤك الجدد، كثير منهم، صمتوا على المذبحة..و لم تعودي صديقة لهم لأنك كنت أنقى من هذه الفعلة الدنيئة. كنت حينها قوية، كنت أقوى من الموت فخرجتي تواجهينه في ميدان (رابعة) حين اقترب موعد الفض..تنتظرينه يوما و يوما و يوما، ثم تجلسين و سط الجثث التي سبقتك إلى الحياة الأخرى تبكين وحدك يوم المجزرة. (رابعة) كانت صدمة جديدة لك، أيتها الصغيرة و لغيرك من الملايين، في مصر، وفي كل مكان...(رابعة) كانت مظلمة جديدة لك... (رابعة) فوقتك يا (زينب) و رجعتي تكتبي عن ظلم العسكر ثاني..زي ما كتبتي أيام (محمد محمود)..مش مهم عندك مين المظلوم المهم عندك تقفي معاه و تقولي للظالم كفاية انت مش هترتاح الا لما تخربها و تموتنا كلنا. قلتيها يا (زينب) و غيرك قالها فكانت نهايته قبلك (برصاصة) و لسه هتكون نهايات كثير بعدك (برصاصات) الغدر. طول ما الاصدقاء القدامى و الجدد ضد بعض و ساكتين على الظلم لمجرد انه مش طايلهم. و هيموت كثير غيرك  بالانتحار كل يوم من اللي شافوه في الدنيا.

عن هيباتيا و الدوله الثيوقراطية (الدينية) إعداد و تقديم : زينب مهدي

نقطة، انتهت القصاصات الأخيرة. 

هناك تعليق واحد:

شمس العصارى يقول...

" لكنهم لم يتطرقوا أبدا لدورهم في هذه المنظومة الظالمة "
احنا نستحق اللعن .. يوم وفاتها صدمت ولم استطع النوم وكانت الصدمات تتوالى عند الحديث عن زينب ومعرفة بعض مما جرى فى ايامها الاخيرة وانها مش اول مرة تحاول الانتحار ، وكله كان بيعدى الموضوع عادى

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...