بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، ديسمبر 29، 2014

قصاصات من أوراق الآنسة (زينب مهدي) #زينب_مهدي 1-3



قصاصات من أوراق الآنسة (زينب)
(أوراق مصرية منتحرة)

و كيف تقوى قلبك على فتح ملف فتاة منتحرة؟ هكذا تحدثت لنفسي و أنا أغوص في هذا الشجن، قبل أن يقولها غيري سيقرؤون هذه الأوراق. لكنهم سيسمحون لأنفسهم بقراءتها بدافع إنساني كما سمحت لنفسي بالكتابة عنها بدافع إنساني. هذه ليست قصة فردية عن شخص بعينه، إنما مزيج بين الألم و الأمل عن جيل بأكمله.





زينب مهدي 
دعونا نبدأ مع كلام زينب مهدي: حتى أيامي الأخيرة لم أكن أدرك أني على صلة قريبة بهذا الهاجس الذي نفر منه جميعا..الحقيقة الوحيدة التي نعرفها و نتجاهلها (الموت)...تعرفت إلى الموت عدة مرات، فلم تكن هذه هي المرة الأولى التي أواجهه..عرفته كثيرا، و كان كل فراق بمرارة مختلفة...لكني بالنهاية تعودت عليه مثلكم جميعا..و من منا لا يعرف الموت؟ في البدء، تعرفت عليه في موت بعض أقاربي (قد لا يهم اسمهم الآن..فأنتم لن تتذكروهم كما ستنسونني) في عقدي الأول...لكنه –الموت- صار ملازما لي في سنواتي الأخيرة حتى صار رفيقا على غير إذن مني..بدأت هذه الصداقة العجيبة مذ انطلقت الرصاصة الأولى في جسد أول متظاهر مصري في السويس في مطلع العام 2011...و حينها، كنت على بعد عشرات الكيلومترات من هذا الموت ثم على بعد لحظات من عربة الأمن التي تقتلنا في ميدان آخر لأنجو من هذا الموت. كل مرة يرافقني و يذيقني مرارة ثم يخبو لشهور و يعود ثانية..في البدء، كنت اتفاجأ به، لكنني تعلمت كيف أتوقعه..و في النهاية قررت أنا أن أداهمه و انتحرت..هذه قصتي باختصار مع الحياة أو مع الموت..مع حياتكم و مع موتي المفاجيء لكم..أو هكذا تجملتم حين سمعتم خبر رحيلي (المفاجيء)!. 

(زينب): كان وقع حياني يتبدل بوتيرة كالنار التي تشوي سمكة تتلظى..هكذا كنت أشعر في السنوات الأخيرة..تشبيه مضحك، أليس كذلك؟ هل تخيلتم انفسكم تتقلبون على نار و أنتم أحياء تتوقون إلى الحياة و أنتم تعرفون أن الموت يحيط بكم على بعد دقائق؟ هل ستفكرون في الاستسلام كالسمكة في لحظاتها الأخيرة؟ هكذا فعلت أنا...حتى في أقصى لحظات تفاؤلي بحياة وردية عادلة، كنتنت أتلقى الصدمات التي تقلب الموازين مرة بعد أخرى و انخدع بكل رمز للعدل و للنظام و للتضحية..حتى تيقنت أو هكذا اعتقدت أنه لا حياة فاضلة على هذه الدنيا و أنها أنسب لي هناك في حياة أخرى و لا سبيل لها إلا عبر الموت...فاستسلمت كسمكة على نار شواء..هذا كل ما حدث. 

قالوا ضعيفة..و قالوا يائسة من الحياة. لا أعلم، لكن ما أعرفه فقط أنني كنت متفائلة و صادقة مع غيري..ثم فوجئت بالظلم، و بالكذب. لم أحب أن أرى نفسي ضحية لظالم فقاومت مرات و طرقت عدة أبواب، حتى فشلت (استنفذت). ألهذا قالوا ضعيفة؟ كنت أساعد غيري رغم أني الاكثر احتياجا لمساعدة من تخلوا عني، لم أتحمل، بحثت بمفردي عن عمل لأرضي ذاتي و أساعد في تنشئة جيل من النساء القادرات على صنع مجتمع قوي و فاضل. راسلت و بعثت سيرتي الذاتية قبل الرحيل بشهور..لم يستجب أحد، فكانت كورقة نعيي الأخيرة بيد كل من وصلت إليه و لم يفعل شيئا. ترى كم شخصا عرف أنني في ضائقة، و حاول مساعدتي بكرامة؟ ربما تعرفون عددهم الآن و تعرفون من يجلدون أنفسهم متمنيين ما لن يحدث، أن تعود عقارب الساعة للوراء! حملت الكثير وحدي و كان هذا فوق طاقتي، تخيلت انني بالمشاركة في نشاطات خيرية سأساعد في تغيير للأفضل، و سأمر بنجاح تلو نجاح. لكنني صدمت بفشل تلو آخر و كأنني ( دون كيشوت) جديد..لكنه جاء بعد الخامس و العشرين من يناير. كنت (دون كيشوت) الضعيف أحارب غولا اسمه القضاء حيث يتحكم في مصير الأبرياء قاض ظالم كأنه نصف إله. كنت –بما أملك- ضعيفة بالنسبة له طبعا..و كنا جميعا نحارب الطواحين، كل بطريقته، نحاول جميعا عبثا مرة تلو الأخرى..لكنني انفردت بأخذ نصيبي الأكبر من المحاولات و الفشل في وقت قصير.. لهذا استهلكت أسرع منكم؟ و كنت وحدي على أرض غير ثابتة، اتنقل مرغمة بين النقضاء..ديني و ليبرالي، باحثة عن المعرفة و عن الحقيقة، فما هداني أحد. قرأت كثيرا و تعرفت على منابع جديدة كنت أجهلها لسنوات..كانت كلماتي و صوري عبر وسائل التواصل تشي لهم بهذه التنقلات، فوصموني بالكفر و فروا مني إلا من رحم ربي. . تذكروني حين احتاجوا خدمة في حديث عابر بينهم و لولاه لما تذكروني..كثر خيرهم..هل كل هذه المحاولات و تقولون ضعيفة؟ إن سلمت بضعفي بعد كل هذا، فسأقول: "نعم ضعيفة، لكنكم لستم أقوياء".


لحظات قبل الانتحار....قد تكون هذه اللحظات هي أقوى ما مررت به في حياتي، حين قررت الرحيل، و حين قاومت الموت..هناك ما يدفعني لان أسرع في مغادرة الحياة بأقل من ساعة..هاجس الموت يناديني من أيام، آه لو كنت مت دون انتحار، هل كانوا سيتذكرونني؟ لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أحاول فيها الانتحار و كنت جادة في عزمي هذه المرة...كنت أفكر في أمي حين تعود و ترتاع لهذا المشهد..سامحيني...و حين كنت أقاوم هذه الرغبة، شعرت بشيء يعتصرني كيد تلتف حول عنقي، كضربة في قلبي الذي يحمل كل ثقلي ثم صارت كل سنواتي أمام عيني و أنا اتألم و أحاول....لكنها الحياة التي نحن إليها أبحث في شريط حياتي عن شيء حلو يريحني، ثم تتسارع الصور فأرى مراراة السنة الماضية و لا أذكر إلا غايتي الأخيرة الآن وهي أن ألف هذا الحبل حول عنقي.....، ثم عادت أمي و رأتني ميتة.. أو هكذا جاء في تحقيق النيابة و قصاصات صفحات الأخبار. 

بالنهاية، انتهت (زينب) كجثة تحت تصرف النيابة حتى يأذن الطبيب الشرعي، ليمهر قصاصة ورق بكلمة (انتحار) قبل أن ينتقل اسمها إلى آخر قصاصة (تصريح الدفن)..و لينتقل الجسد إلى مدافن العائلة، و الروح إلى خالقها..


الآن، يسير وراء كفني العشرات من الأوفياء، في نفس الوقت الذي يكتب الالاف عني عبر الانترنت..و يظل هناك مئات ممن عرفوني و لم يودعوني الوداع الأخير لا في جنازتي و لا عند قبري. شكرا لهم جميعا على أية حال. 

زينب مهدي مع بعض رفاق الدرب القصير 

(زينب): أنا ربيبة "الجماعة"، تبعتها في سن الزهور بحثا عن المدينة الفاضلة بإرادتي..و تركتها و أنا أتوسم في غيرها الفضل بإرادتي. لم أجد فيها طريقا لإرضاء طموحي كما يريد عقلي (أنا). أحببت الزهروات و أنا أحفظهن في المساجد، ثم أردت أن أكبر معهن بعقلنا، و هذا ليس من حق الصغار و لا من حق النساء في " الجماعة"... حاولت الوصول لهم بأفكاري لنتغير معا، لكنهم اعتبروني مقلقة و هذا القلق لا يتسق مع نهج الجماعة الثابت لعشرات السنين..اخترت أن أدعم من خرج عن هذا النهج قليلا ليترشح للرئاسة، فكان جزاؤنا الفصل لأننا استخدمنا حقنا في التفكير خارج صفهم،.. يعتبروني كائنا ينفذ ما يملى عليه و لا يهتمون بافكاري لأنني لن أؤثر في المجتمع و كأنني موطنة من الدرجة الثانية. يكيلون بمكيالين حين يتعامولن مع المراة و الرجل. و حين يتعامملون مع من يطيع دون تفكير و من يناقش قبل أن ينفذ الأوامر. إنني أحب أن أشير لها باختصار غير راغبة حتى في أي اسم أو ضمير مجهول يختصرعلاقتي بهم و التي استمرت لسنوات ثم انهارت في شهور. 


تركوها و كأنهم موكولون بابنائهم الذي يوالونهم فقط. أما من يخرج عن طريقهمم، فهم منه براء يفرون منه؛ لأنه في نظرهم خبث فكيف يترحمون عليه أو يبكونه؟. بعض زملائها القدامى حذفوا ما استشهدوا به من كلماتها عن (رابعة) و عن ظلم العسكر بعد الانقلاب و عن حزنها على أحد شهداء الجماعة ممن تعرفه و شاركها فعل الخير حين توعدت بأخذ حقه ممن قام بتصفيته.. لكن القصاصات التي سجلها السيد "جوجل" كانت تشهد لها و ستشهد عليهم أمام الله يوم الحساب). فلنحرق هذه القصاصات عن العلاقة الشائكة مع "الجماعة" إذن، فالآنسة (زينب) لا تحب الإشارة إلى "الماضي".


لست وحيدة، فأصدقائي من الإسلاميين و الليبراليين و من نشطاء فعل الخير كثر...كانوا كثيرا، فما نفعني أحد..ألم يكن أفضل لي و يكفيني صديقة أو اثنتين؟ لم يصدقوني القول حين ترددت و تساءلت، هذا في وقت الضيق..هربوا مني واحدا بعد الآخر إلا القليل..لهذا قررت أن أهرب أنا من عالمهم و من إعلامهم الإلكتروني الزائف..ثم تمر الأيام، فأعود لأدخل عالم (فيسبوك) الكبير. أراه مليئا بالصراعات و التخوينات بينما القتلى يتساقطون و المعتقلون يتزايدون كل يوم..كلهم يتصارعون فلِمَ علي أن أنحاز لأحدهم؟ أنا أخص ذاتي التي لم أجدها في أي منهم. الأصدقاء الجدد الليبراليون اجتذبوني و سعدت بصحبتهم و حياتهم، ثم تركوني حين قلت لا للظلم ضد الأخوان...يستوون في نظري مع الأخوانيات اللائي تركوني و اعتبروني كافرة لما خلعت الحجاب و كتبت عن عدم اقتناعي بما عرفته و درسته لسنوات. الصداقة او الأخوة بالنسبة لكليهما شكل ظاهري كالحلوى، تعجبهم و تجذبهم كالذباب ثم يتركونها ليبحثوا عن غيرها. أنا قطعة حلوى اسمي (زينب) و في بعض الساعات (زعببة) ولا أحد يملكني. ثم صرت قطعة حلوى ضاعت ويبكون عليها. حتى الأخوة الأشقاء صاروا يتعاملون مع بعضهم في هذا الزمن بهذه النفعية المتبادلة. كل شاب أو شابة له حياته المنفصلة ماديا و اجتماعيا غير مكترث ببقية أخوتهم و والديهم حتى لو جمعهم سقف بيت واحد. و يتذكرون أخوتهم حين يفقدون أحدهم ثم لا يلبثون أن يعودوا إلى عالمهم و هكذا هي الحياة. 


أما عن أسرتي، فأنا لا أملك الحق في الحديث عنها الآن..يكفيهم حزنهم على رحيلي بهذه الطريقة، تركت لهم رسالة مفادها (سامحوني، هتوحشوني). 

تعرف زينب نفسها: (( مصريه .. انتمى للتيار الاسلامي الوسطي .. عضو مؤسس بحزب التيار المصري .. بدعم بشده دكتور عبد المنعم أبو الفتوح مرشح لرئاسة الجمهوريه .. فكر د/ أبو الفتوح يشغل جزء كبير من فكري .. أميل إلي اليسار ..أؤمن بحرية الفكر والعقيدة .. الفكر يناطح بالفكر .. ضد المجلس العسكري .. يسقط يسقط حكم العسكر .. احنا الشعب الخط الاحمر ))



هناك 4 تعليقات:

شمس العصارى يقول...

قطعت بينا زينب

Sonnet يقول...

رحمها الله..تمنيت نشر التدوينات الثلاث على صفحتك.

شمس العصارى يقول...

وليه لم تفعلى ؟ ياريتك نشرتيها عندى
انا ماخدتش بالى من التدوينات الا مؤخرا للاسف
رحم الله زينب رغم عقلها الكبير الا انها عندى كانت طفلة كبيرة
حنشر التدوينات عندى تباعا

Sonnet يقول...

أشكرك على النشر..رحمها الله

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...