بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، نوفمبر 13، 2014

التحذير من تصوير الموتى وعرض صور القتلى والتعدي على حرمتهم

التحذير من تصوير الموتى وعرض صور القتلى والتعدي على حرمتهم
د. يسري - سبتمبر 2010 (منكرٌ قد شاع، ولا بد من التنبيه عليه، والتحذير عنه.)

وهو تصوير جثث موتى المسلمين، ثم عرض هذه الصور على شاشات التلفاز والحواسيب، وبثُّها ليطلعَ عليها كلُّ واحدٍ وأحد.
يقولون: هذا مجاهد مات متبسمًا، أو: هذا فاسق مات في هيئةٍ غير محمودة، فنعرض هذه وهذه للعظة والعبرة.
أو يصورون جثث القتلى من نساء المسلمين وأطفالهم لإثارة الغضب والحميَّة ونحو هذا.

وهذا كلُّه منكرٌ شديد النكارة، والأصل في ذلك قول الربِّ جلَّ وعلا في قصة ابنَي آدم من سورة المائدة: فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
فسَمَّى الله عز وجلَّ جثة أخيه: سوءة، وهو كلُّ منظرٍ مكروه نُهي عن إظهاره، وأُمر بستره ومواراته، ولذا سُمِّيَت العورات والفروج بهذا الاسم.

ثم ذكر الاسم مرتين، وهذا ضربٌ من ضروب التوكيد والتنبيه.
والأظهر من أقوال المفسرين أنَّ السوءة المقصودة في الآية هي الجثة برُمَّتها، لا عورته فقط، كما قال الطبريُّ في "جامع البيان" (8/345): (وقد يحتمل أن يكون عني بـالسوأة الفَرْج، غير أنَّ الأغلب مِن معناه ما ذكرتُ مِن الجيفة؛ بذلك جاء تأويلُ أهل التأويل).
وقال الثعلبي في "الكشف والبيان" (4/51): (أي: جيفته، وفيه دليلٌ على أنَّ الميت كله عورة).
وراجع "معالم التنزيل" للبغوي (3/44) و"البسيط" للواحدي (7/346) و"النكت والعيون" للماوَردي (2/30) و"وزاد المسير" لابن الجوزي (2/338).
فعلى هذا ليس المقصود بالآية الإرشاد إلى الدفن وحده، بل إلى ستر الميت على وجه العموم، وكشفه للكافَّة هو من التعدِّي على تلكم الحرمة، بل إنما شُرع دفن الميت – كما ذكر ابن العربي في "أحكام القرآن" (2/86)- لوجهين؛ أحدهما لستره، والثاني: لئلا يؤذي الأحياءَ بجيفته.
وتفصيل هذه المباحث مبسوط في دواوين التفسير والفقه وغيرها.
نعم؛ قد يكون لِمَن حضر الميت، أو دخل عليه من المقرَّبين إليه كشفُ وجهه وتقبيله أو نحو هذا، كما ورد في خبر وفاة رسول الله عليه وسلم من فعل الصديق أبي بكر، ولكن هذا لا يتعدى إلى ما نراه ونشهده من التصوير، ثم بثِّ هذه الصور ونشرها بين الناس.
وما ذكرناه هو من شريعة التوراة أيضًا، استُنبط من قصة ابني آدم، وهو مما لم يُنسَخ منها، فبقي على أصله؛ كما ذكر أهل العلم في مسألة شرع مَن قبلنا.
ولذا لا تجد اليهود يعرضون صور قتلاهم قط، حتى لاستدار العطف والشفقة، وهو مما التزموه من شريعة التوراة، وهو أقلُّ من القليل.
فلننتهِ عن مثلِ هذا الفعل القبيح، ونُظهر التزامنا بشريعة ربنا وأمره ونهيه، وقد أحسن مَن انتهى إلى ما سمع.

(تنبيه) د. يسري: لم أجد من أهل العلم مَن فرَّقَ بين موتى المسلمين وموتى الكفار في هذا الحكم، وهو الذي يدلُّ عليه فعلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مِن أمره بدفن المشركين في القليب، قليب بدر، وكان له أن يتركهم في العراء للزجر والتخويف، فلما لم يفعله ودفنهم عُلم أنَّ الحكم واحد.
وكذلك فإن كان الكافر يؤمَر بستر عورته وهو حيٌّ؛ فكذلك يلزم ستر سوءته ميتًا. والله تعالى أعلم.

سؤال من باب المذاكرة والمناقشة: أليس يجوز رؤية الميت قبل دفنه؟
أظن أن هذا ما يحدث؛ فهم يصورونه لرؤيته ثم يمتثلون للشرع بدفنه ولا يخالفونه، ولا يبقونه بغير دفن ليراه الناس مثلا.
ولو أنها سوأة بمعنى أنه لا يجوز أن يراه أحد لما جاز رؤيته قط بعد خروج روحه.
وقد أخبر سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (إن صح الحديث) النبي أنه قتل أبا جهل فذهب معه النبي صلى الله عليه وسلم لرؤيته وقال هذا فرعون هذه الأمة.
ويؤيد هذا سكوت أهل العلم عن هذا الأمر وهو شائع منذ سنوات طويلة.
إضافة إلى أن في هذا الأمر حثـًّا على الجهاد والعمل الصالح والابتعاد عن الكفر وأهله، والنكاية فيهم.
أفيدونا يرحمكم الله.
الجواب: د. يسري
أخي الكريم، هذه المسألة من محدَثات المسائل، لم تُعرَف منذ سنوات، وإنما ظهرت مع ظهور الفضائيات وشبكة المعلومات ونحو هذا.
وقد سبق أنه يجوز للميت والمقرَّبين منه تقبيل وجهه ونحو هذا، وقال بعض الشافعية: يُستَحبُّ ذلك، وإن كان ذلك مقتصرًا على أفرادٍ معينين، وهذا ينقضه تصويره وكشفه للكل.
ثم إنَّ انشغال مَن حول الميت بتصويره، بدلاً من الاشتغال بذكر الله عز وجل، والدعاء للميت والاستغفار له، ونحو هذا = فيه من الغلظة والجلافة وقُبح المنظر ما فيه، وأنا لا أدري حقيقةً كيف فسدت أذواق البعض على مثل هذا النحو.
وعامَّة الفقهاء الذين تكلموا في هذا الباب إنما تكلموا في سياقٍ معيَّن؛ وهو كون بدن الميت عورةً فيما يتعلق بالغاسل ومَن يساعده في ذلك ونحو هؤلاء، ومع هذا ففي "الإقناع" وشرحه: (4/298): (( ويُسَنُّ ( ستره ) أي الميت حالة الغسل ( عن العيون ) .. وكان ابن سيرين يستحب أن يكون البيت الذي يغسل فيه الميت مظلمًا ذكره أحمد .. ( ويكره النظر إليه ) أي الميت ( لغير حاجة، حتى الغاسل؛ فلا ينظر إلى ما لا بد منه، قال ابن عقيل: لأن جميعه صار عورة) إكرامًا له ( فلهذا شرع ستر جميعه ) أي بالتكفين ( انتهى ) قال : فيحرم نظره)) اهـ بتصرفٍ يسير.
والشافعية ذهبوا إلى أنَّ عورة الميت كعورة الحي، ومع هذا فقد قال النووي في "المجموع" (5/166): (وأما غير الغاسل من المُعين وغيره فيُكره لهم النظر إلي ما سوى العورة إلا لضرورة .. قال الشيخ أبو حامد: لأنه يستحب أن لا يُنظر إلى بدن الحي؛ فالميت أولى) اهـ باختصار.
ونقل كلام أهل العلم في هذا الباب أمرٌ يطول.
أما النكاية في الكفار ونحو هذا مما ذكرتُ فإنها قد حصلت بقتلهم، أما بعد القتل كتمثيلٍ بجثثهم أو عرضها أو تعليقها فهذه مجاوزةٌ للحد، وليس من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه.

سؤال:
كما قلت يا د. يسري. انه من محدثات المسائل.وقد كتب التاريخ عن جثث قد علقت على ابواب  المدن ومداخلها. ورؤوس نصبت على الاسوار والجسور(كالحلاج الصوفي). الا اني اوافق كلامك، حيث لاداع حتى في الاجتهاد بالمسئلة لعدم وجود فائدة (بخصوص عرض جثث الكفار). مع ان هنالك امر قد يتضارب مع كلامك وهي ان اقامة الحدود لاتقام الا بوجود جمهرة من الناس للاتعاظ ولعل الامر مشابه له،والله اعلم. ولكن بخصوص الشهداء فيختلف الوضع، لان في الامر منفعة وفائدة لصالح الاسلام والمسلمين كتحريض المؤمنين مثلا؟

الجواب: د. يسري:
أخي الكريم أرى أن الأمر في حق مَن قُتل في سبيل الله - والله أعلم بمن قتل في سبيله- أوكَد وأوجب، فإن حرمتهم أشد وأغلظ. وربما تأذى بذلك أهله ومحبوه، إذا صار فيه تشويه أو تقطيع أو نحو هذا.

هناك تعليقان (2):

دكـــــتور جدا يقول...

جزيتي خيرا يا دكتورة على النصيحة

Sonnet يقول...

جزانا و إياكم و كاتب البحث... أرجو نشره

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...