بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، سبتمبر 23، 2014

سبعة قتلى..في سبعة أيام..



سبعة قتلى..في سبعة أيام..
 
"اللهم أبدله دارا خيرا من داره...".
أخذ يفكر كيف كانت داره في آخر أيامه، و ما شكل داره التي سيبدله الله إياها.
كيف كان في داره يختنق وسط عشرات المساجين في حجرة (مترين بمترين)، و كيف سيكون قبره مدى بصره روضة مليئة بالزهور النضرة و الهواء النقي...هواء الحرية الذي منعوه عنه لشهور دون ذنب. كيف، و كيف....توقف للحظات ليتذكر ما يخاف منه...كيف قضى ساعاته الأخيرة دون متنفس للهواء و دون علاج أو جهاز "أوكسجين"، بينما أزمته القلبية تشتد عليه، و قلبه الضعيف المكبل بإصابات سابقة لم يعد يحتمل كل هذا العناء. كيف تحمل هذه الساعات و أزمته تشتد دون جدوى من استعطاف القتلة. كيف، و كيف...؟
كيف شاهده رفاقه المسجونون (المعتقلون) وهو يموت ببطء؟
لأن إرادة أصغر سجان و أكبر مأمور سجن  و وزير داخلية و حاكم كانت أن يموت كل بضعة أسابيع معتقل ثم لا يحاسبهم أحد، فيموت كل أسبوعين معتقل و لا يحاسبهم أحد، ثم كل أسبوع و لا بادرة حساب..حتى وصل الأمر إلى أن يموت سبعة معتقلين في سبعة أيام هذا الأسبوع الأخير. 
الآن صارت حياة الأفراد في السجون مثل " لعبة الشطرنج" يحركها القتلة و تزدادا وتيرة اللعبة؛ حتى ينتهي الأمر بإلقاء أكبر قدر من المعتقلين في القبور..لقد بدءوها بمذبحة عربة الترحيلات و ظنوا أن أحدا قد يحاسبهم، فلما وجدوا أن القليل يتكلم و يجأر دون الاقتراب من القتلة المعروفين قصاصا...لهذا أرادوا أن يعيدوا اللعبة مرة ثانية (لنقتل شخصا كل أسابيع ثم كل أسبوعين...)، و هكذا.

يكاد عقله ينفجر..يكاد يصرخ من الغيظ..لكنه يهدئ من روعه فيعود لذات الكلمة التي علمه إياها والده ( الصبر...)  لكنه لم يقل إلى متى؟ حتى بعد أن مات أبوه سيظل صابرا؟

أقصى ما تمناه لأبيه أن لو كان مات على سرير بمستشفى أو في بيته بين ابنائه مكرما..لا أن يموت طالبا الهواء و العلاج في ساعته الأخيرة وقد منعوه كل شيء حتى صعدت روحه إلى بارئه..

ترى لو كان حاول هو وإخوته بطرق أكثر حدة أو طرق أكثر استعطافا أو برشى؛ لكان نصيب والده ميتة أكثر رحمة من تلك؟
لقد حاول هو وإخوته أن يطرقوا كل الأبواب لشهور دون فائدة. استرحموا أطباء و استعطفوا من بيده الأمر في النيابة و تذللوا لمسئولي السجن...
لكن بدا لهم من بعد محاولات و طرق لكل الأبواب أن هناك تعاونا و اتفاقا بينهم..كان اتفاقا خفيا و هو ألا يمنحوا مريضا حقا في العلاج إلا في أضيق الحدود كأن  دورهم هو القتل المقنع عبر وظائفهم و مناصبهم لا الحياة أو العدل.

و ساءت الأمور فوصلوا إلى سبعة مرضى في سبعة أيام، وهم بهذا قد حققوا اتفاقهم الخفي كما يظنونه. ربما كان هناك رهانا بينهم من يتسبب في قتل عدد أكبر من المعتقلين؟ أكان الرابح الأول هو ذلك الطبيب؟ أم السجان؟ إنهم جميعا مشتركون و يستوون في الإثم كالشياطين التي تغوي لا فرق بينها.
ربما يكون الرابح الأول هو طبيب السجن الذي تسبب في أول مقتلة بفشل كلوي حاد لمعتقل داخل السجن، حيث منع العلاج عن معتقل طبيب صيدلي احتبس فيه البول لأيام دون علاج حتى مات. كثير لم يصدق أو يتخيل هذا الحدث. و هكذا بدءوا في التفنن في قتل العشرات حتى قاربوا المئة.. و من المعتقلين المرضى من ينتظر دوره في الموت البطيء بدلا من العلاج و المعاملة الانسانية.
ربما يكون الرابح الفاشل هو ذلك الجندي الذي صرخ في وجه معتقلي عربة الترحيلات صراحة (اه احنا عايزينكم تموتوا)..لقد فضح اتفاقهم علنا في بداية لعبة شطرنج القتل..لقد كان غبيا لكنه كان قاتلا مجرما ويستحق شيئا اسمه (القصاص). 

يظنون أنهم في خفية عنا؟ هل يعتقدون أننا لا نعرف حيلهم ودورهم المرسوم بدقة في قتل المعتقلين ببطء وبتراخ مسبق بين مسؤولي السجن وبعض الأطباء و النيابة؟ يالعقولهم، نحن نعرف يا أيها القتلة الأغبياء..هل تعتقدون أيضا أن الله لا يعرف فعلتكم الشنعاء؟
نحن نبحث فقط عن ذرة من الرحمة في قلوبكم..عن قدر من التعقل في تفكيركم الجهنمي..و لم نجد.
مات والدي...نعم، مات والدي في السجن. بل مات في البقعة المظلمة الضيقة ورفاقه يحركون الهواء مستجلبين له بضع نسمات؛ لعلها تروح عنه..مات و لم أسأل بماذا كان يفكر في ساعته الأخيرة وحده.. هل ظن أننا تخاذلنا عنه أو تلكأنا في إنهاء الأوراق المطلوبة؟ ربما ظن بنا ذلك؟ ألم يدع لنا بالرحمة؟ هل أدرك أنه ميت لا محالة ساعتها فغفر لنا و غفر أيضا لكل من ظلمه؟ هل غفر لمن قتلوه عمدا لعل الله يهديهم بعد موته فيكون قد تصدق عليهم؟

مايؤلمني أكثر أن القتلة حين عرفوا أنه ميت ويحتضر لم يحزنوا لفعلتهم ولم يشعروا بوخز ضميرهم رغم أنه كان يدعو لهم بالهداية و عفا عنهم كما ألمح في زيارتنا الأخيرة له.
يؤلمني أكثر و أكثر أنهم تعمدوا نقل جثته على أنه ما زال حيا ليدللوا زورا على أن ميتته كانت خارج السجن بأقرب مستشفى. لم يحترموا جثتك و لا حرمة الموت..ظلموك يا أبي حتى و أنت ميت.
كيف استحل طبيب المستشفى الذي أدى قسما يوما ما أن يمثل دور المعالج لجثة توقفت عن الحياة لساعة أو أكثر و هو يعلم أنه ميت؟ لماذا يكتب تقريرا يشاركهم في جريمة القتل؟ لماذا لم يكتب الحقيقة؟ لقد كان أمرا مرتبا إذن... أو ربما هددوه؟  هل كان يشعر أنه يخدم الوطن بهذا الفعل الدنيء؟ أم كان يخدم الحاكم الظالم؟ لعله كان خائفا! ألم يرغب في إلقاء نظرة إلى جثة أبي و هو يكتب تقرير الزور؟ ربما نظر إليها من باب الروتين قبل أن يخط تقريره اللعين الذي أضاع حق أبي و منح السجان تبرئة من تهمة إهمال حتى الموت داخل السجن..فقد كتب أنه حضر وقدمت له الإسعافات الأولية لكنها لم تنجح فمات..هذا هو مختصر التقرير اللعين. 

ألم يلحظ إمارات الرضا على وجه أبي تستوقفه...إمارات الذبول على مر شهور في سجنه. و أريد أنا أن أتذكره وهو باسم و صابر..لكن وجهه وهو ميت يكاد أن يستصرخني أن اكتب كل هذا..عما رأيت و ماعلمت..عن هؤلاء الذين يقتلون في غياهب السجن.
يستصرخني وجه أبي لأقول لكم كل ما أعرف عن كل قتيل...عن سبعة قتلى..في سبعة أيام.. سبعة قتلى..في سبعة أيام..

 أوقفوا هذا البندول الذي يدق في رأسي..أوقفوه..أوقفوا هذه المجزرة.





ليست هناك تعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...