بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، أبريل 25، 2013

قرات لك: متابعة الشأن المصري.. مهرجان التظاهر بالموضوعية



متابعة الشأن المصري.. مهرجان التظاهر بالموضوعية


بالنسبة لي، أصبح أداء الصلاة، وتناول الطعام، ومتابعة الشأن المصري، مكونات أساسية في جدولي اليومي! وأحسب أن هذا ينطبق على تسعة أعشار من أعرف من الناس على الأقل!

لهذا الحضور ما يبرره، فمصرُ لا بد لها أن تحضر في وجداننا بشكل كثيف جداً، إذ نحن نتابع منذ اندلعت نار الثورة في الخامس والعشرين من يناير 2011 مسلسلاً طويلاً جداً، حافلاً باللقطات المثيرة، والتحولات الدرامية، والمفاجآت الحقيقية، والمشاهد القادرة على خطف الأضواء من كل المشاهد الملتهبة هنا وهناك!

أولاً: تقدمة:

البلاد العربية كلها –تقريباً- شهدت خلال العامين المنصرمين كثيراً من الحراك الذي غيّر بالفعل وجه المنطقة وقلبها رأساً على عقب، كانت مصر –بالجملة- هي الحاضر الأكبر في الميدان، رغم ما جرى من حراك في تونس من حراك ثوري أطاح بزين العابدين بن علي، وفي ليبيا من حراك ثوري أطاح برأس القذافي ونظامه وترك بلداً شبه مدمر، وفي اليمن من حراك ثوري أزاح علي عبدالله صالح عن كرسي الحكم الذي التصق به ثلاثين عاماً، وفي البحرين من حراك عنيف لم تنته فصوله بعد، وفي سوريا الثورة، التي بدأت سلمية وصارت مسلحة اضطراراً ولم تنته فصولها بعد، وفي غزة، حيث أشعل اليهود النار باغتيال الجعبري ثم أطفؤوها راغمين بوساطة مصرية، والعراق حيث الهبّة الشعبية ضد ممارسات المالكي، والتي لم تنته فصولها أيضاً. أضف إلى ذلك ما جرى من هزّات –على تفاوت في درجتها- في دول الملكيات العربية، في الخليج والأردن والمغرب.

رغم كل هذا الحراك الذي زلزل العالم العربي كله، كانت مصر في صدارة المشهد معظم الوقت، وهذا عجب، لا بد له من سبب، فما هو يا ترى؟

الثورة التونسية (17 ديسمبر 2010) لا تختلف كثيراً عن الثورة المصرية، في سرعة حسم رحيل رأس النظام في (14 يناير 2011) وبقاء بقية جسد النظام بقضائه وقوانينه وتراث شعبه من المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتراكبة، ثم الرحلة المضنية شبه المستحيلة التي تهدف إلى تفريغ جسد النظام من دمه الفاسد وإحلال حكم جديد مكانه.. نفس المتاعب يواجهها المصريون لكن على نحو أكبر وأوسع، لأن بلدهم أكبر وأوسع، ولأن حجمه أخطر وأقرب، ولأن الحضور الإعلامي –نقلاً للخبر، وتحليلاً له- حاضران أيضاً وبشكل طاغ جداً.

أما ثورة ليبيا، فقد خطفت الانتباه مؤقتاً، حيث انتفضت الجماهير الليبية ضد القذافي في (15 فبراير 2011) ووجهت بقمع شديد، حيث لم تمض خمسة أيام حتى قدم الشعب الليبي الدفعة الأولى من الشهداء "50 شهيداً".. لاحقاً ستضاف ثلاثة أصفارٍ إلى هذا الرقم ليصبح عدد الشهداء الليبيين خمسين ألف شهيد في أقل التقديرات! وبعد معارك ضارية في البريقة ومصراتة والزاوية وغيرها سقط النظام، وقتل القذافي شر قتلة في (20 أكتوبر 2011)، لتتراجع ليبيا عن صدارة الأحداث منذ تلك اللحظة تقريباً.
لدى ليبيا رغم هذا ما يستحق الاهتمام، ففيها مشكلاتها الكثيرة جداً، وهي نتيجة طبيعية لبلد خاض حرباً حقيقية مدمرة ضد نظامٍ مجنون خلّف وراءه مشكلات متعددة.. لكن رغم هذا لا تزال للجارة مصر الصدارة في خطف الأضواء!

اليمن، سبقت مصر إلى الثورة، حيث بدأت أولى فعاليات الثورة اليمنية قبل تدشين الثورة المصرية بعشرة أيام كاملة، ورحل الرئيس اليمني عن كرسي الحكم فعلياً في (3 يونيو 2011).. ثم انتقلت السلطة لنائبه: عبد ربه منصور هادي، والذي أخذ يفكك الحكم السابق في بطء ورويّة..

أما سوريا.. التي انطلقت ثورتها في (15 مارس 2011) من درعا، فلا تزال فصولها الدامية تكتب بدماء عشرات الآلاف من الشهداء حتى لحظتنا هذه!

لدى كل تلك الدول مشكلات، وفيها أحداث تجعلها جديرة بالالتفات إليها، وفيها جميعاً "إخوان مسلمون" و"سلفيون" و"قوى مدنية"، و"إعلام"، و"دراما واقعية"، لكن لماذا مصر وحدها هي التي تنال نصيب الأسد؟ هذا سؤال لا يزال مطروحاً، وللقول فيه مجال واسع لستُ مضطراً للاسترسال فيه.
الشأن المصري باعتباره أكثر هذه الشؤون حظاً من المتابعة والتفاعل، ولذا فهو يستحق أن يكون مجال تأمل وعناية لطرق تفاعلنا كجمهور مع أحداثه، وهو مسبارٌ حقيقي لاختبار تحيزاتنا، وقدرتنا على توخي الموضوعية والعدل، وأخلاقياتنا في الحوار والتفاعل مع الرأي المختلف، ومدى كفايتنا وإجادتنا في تلقي المعلومات وتحليلها والحكم على الأشخاص.

إن مصر جامعة، لا تزال تعلمنا –من خلال الممارسة- كيف نختلف، وكيف نتناقش، وكيف نفكر، وكيف نحكم على الأشخاص والأشياء..

ومن خلال متابعتي اليومية، ومشاركتي في وسائط التواصل الاجتماعي، ولقائي بالأصدقاء في أماكن متعددة ودول مختلفة[1]، والتي كان الشأن المصري فيها حاضراً بشدة، أستطيع أن أتحدث ببعض الملاحظات على أدائنا كجمهور في متابعة المشهد المصري، وعلى بعض ما نرتكبه من أخطاء في التفكير والمناقشة والحكم على الأشياء. وذلك بعد اجتياز المرحلة الثانية من رحلة هذا المقال:

ثانياً: محددات مؤثرة في التعامل مع الشأن المصري:

       مركزية الموقف المبدئي من الإخوان المسلمين:

كمتابعين للشأن المصري، فإن موقفنا المبدئي تجاه جماعة الإخوان المسلمين "كفكر، وتنظيم، وممارسات أفراد، وقرارات إدارية، وتصرفات المنشقين عن الجماعة" أمر مؤثرٌ على حكمنا على ما يجري بمصر في كثير من الأحيان، إن لم يكن في غالب الأحيان، أو جميع الأحيان!
هناك الموالون تماماً، وهناك المعادون تماماً، وهناك المتأرجحون بين بين، وهناك من له موقف مبدئي مختلف عما سبق!

ولا أستطيع –إن رمت الدقة- أن أستبعد الجانب النفسي وتأثيره الكبير جداً على هذه الأصناف الأربعة، من حيث تقريبهم أو إبعادهم عن الموضوعية في حكمهم على الأشياء!

فهناك من يبرر للإخوان في كل صغيرة وكبيرة، ويسارع للتبرير حتى حين ينسب إليهم فعل أمر خاطئ يتم نفيه فيما بعد! وإن كان هناك مقدار كبير جداً متوقع من التبرير كرد طبيعي لاتساع مساحات الهجوم.
وهناك من يقف في موقف المعارض دائماً للإخوان، والمستهجن دائماً لكل ما يفعلونه حتى لو كان من الصواب المجمع على صوابيته!

وهناك من يتخذ مواقف مغايرة، فيؤيد أو يعارض لاعتبارات متعددة، منها ما يصح اعتماده ومنها ما لا يصح، وهؤلاء أقرب إلى الموضوعية والعدل من الصنفين الأولين!
وللتجربة الذاتية لكل إنسانٍ أثرها في وضعه في خانة المؤيد، أو المؤيد المبرر، أو المحايد، أو المعارض، أو المعارض جداً.

لا أستطيع أن أستبعد -مثلاً- الموقف النفسي لدى المنتسبين إلى الفكر الإخواني، أو الدائرين في فلكه، والذي يدفعهم إلى التأييد والتسديد في أحيانٍ، وإلى الوقوف موقف الحائر في أحيان أخرى لنقص المعلومات أو تضاربها أو غموض المشهد في نظرهم، أو غير ذلك من اعتبارات يرونها هم، ويلاحظ أنهم يميلون دائماً إلى إحسان الظن بما تتخذه الجماعة أو حزبها السياسي من قرارات، وإلى مراهنتهم على نجاح التجربة وإشراق المستقبل وتعويلهم على البشائر مهما رآها غيرهم صغيرة أو مفتعلة.

ولا أستطيع أن أستبعد –مثلاً- الموقف النفسي لدى شابٍ مر بتجربة غير جيدة أثناء دراسته الجامعية في نادٍ من أندية الجامعة التي تُنسب للفكر الإخواني، وكان بينه وبين زملائه من قادة النادي مشكلاتٌ أدت إلى استبعاده من النادي مثلاً. إن شخصاً مثل هذا سيرى في "عبدالمنعم أبو الفتوح" القيادي الإخواني السابق، نسخة مكبرة عنه، ويجد في مكتب الإرشاد نسخة مكبرة عن ناديه الذي استبعد منه، وسيكونُ بالتأكيد منحازاً إلى جهة نسخته المكبرة، ونصيراً لها في مواقفها، وسيتمنى لها التوفيق، وتحقيق نموذج يكسر أنف "الجماعة".

كما لا أستطيع أن أستبعد الأثر النفسي لشخص ينتمي إلى قطاع معين من السلفية، يرى في الإخوان المسلمين فريقاً من المبتدعة الطامحين للحكم والمتلاعبين بالدين والمميعين له، سيبذلون كل ما في جهدهم للوصول إلى كرسي الحكم، وإن وصلوا إليه، فسيبذلون كل ما في وسعهم للخلود فيه، والالتصاق به!

والأمر نفسه ينطبق على الموقف النفسي لشخص آخر ليس مؤمناً أصلاً بما يسمى في الإعلام: "الإسلام السياسي"، ولا يرى في أصحاب فكرة المشروع الإسلامي إلا مجموعة من الواهمين.
كما ينطبق الأمر على متلقٍ ليس له موقف ثابت من أحد، إنما يتغير موقفه بناءً على ما يستجد من أحداث.

تحيزاتنا النفسية تجاه الإخوان: (تأييدا أو معارضة أو محايدة)، تروم أن تصنع قناعاتنا ومواقفنا الشخصية تجاه كل ما يجري في مصر، وهي تفلح في ما ترومه غالباً، وتفلح في إيجاد التبريرات لمواقفنا، وتنجح في العثور على الكثير من الشواهد التي تقوي موقفها تماماً.

هذا أمرٌ حقيقي جداً، ولا يمكن إلغاؤه أبداً، ولذا أحسب أن الخطوة الأولى في الاقتراب من الموضوعية بهذا الشأن: هو أن يحيط المرء علماً بموقفه الحقيقي من الإخوان المسلمين، وأن يبحث بصدق عن أسباب هذا الموقف، ويضع تلك الأسباب في موضع التمحيص والوزن الحقيقي. وبقدر موضوعية تلك الأسباب تكون موضوعية الحكم على المشهد المصري برمته!

وما لم يقدم المرء على هذا، فإنه سيكون مجانباً للصواب في كثير من مواقفه تجاه هذا المكون الأساسي من مكونات الأخبار والوقائع التي تجري في مصر، بغض النظر عن درجة رضاه عن هذا المكون أو سخطه عليه.

        المناخ الإعلامي في مصر:

غير بعيد عن المحور السابق، ومع استصحابه أيضاً، يجب أن نقرر حقائق محددة أحسب أنها متفق عليها فيما يتعلق بالإعلام المصري والإعلام الذي يتناول الشأن المصري:
أولى هذه الحقائق هي وفرة المصادر الإعلامية الناقلة للخبر المصري والمحللة له. ففي داخل مصر وخارجها عشرات من القنوات الفضائية، وعشرات من الصحف والمواقع الإليكترونية، ومئات من المصادر الفردية "المواطنين الصحفيين"، وعشرات من "الشخصيات الاعتبارية" التي تشاهد المشهد المصري وتبدي الرأي تجاه مجرياته، وتنقل الأخبار عنه. من محللين سياسيين وباحثين وقانونيين وإعلاميين وصناع للمشهد (معظم صناع القرار المصري، والرموز السياسية المصرية، والكتاب والمفكرين، وجميع الأحزاب، ومئات الناشطين يمتلكون حسابات شخصية في مواقع التواصل الاجتماعي).

الحقيقة الثانية: هي نقص المهنية لدى معظم الوسائط الإعلامية، والتي تجعلها تخلط الخبر الصحيح بالمغلوط، وتجامل الطرف الذي تنحاز إليه، وتتجاوز تجاه الطرف الآخر، وهذا أمرٌ لا تسلم منه وسائط الإعلام لدى جميع الأطراف.

الحقيقة الثالثة: هي أن القطاع الأكبر من الإعلام المصري في جملته منحاز ضد الإخوان المسلمين وتجربة الحكم الحالي في مصر، لاعتبارات تتعلق بمالكيه ومموليه أولاً، وبميول المتحدثين فيه ثانياً، وباعتبارات موضوعية ثالثاً.

الحقيقة الرابعة: هي أن كمية الضخ الإعلامي الموجه ضد فصيل ما.. لا بد أن تؤثر نفسياً على جميع المتابعين، سواءٌ في ذلك المؤيدين لهذا التوجه الإعلامي، والمعارضون له، والمحايدون. فالمؤيدون له يجدون فيه شواهد يومية ترسخ قناعاتهم مما يجعلهم في موطن قوة لدى أنفسهم، والمعارضون لهذا التوجه الغالب يجدون أنفسهم في موقف الدفاع في كثير من الأحيان، والمحايدون، أو الذين لم يحسموا أمرهم بعد، سيجدون أنفيهم في مواجهة وضع غير طبيعي وحالة مرهقة جداً، ومع الزمن سيجدون أنفسهم في واحد من المعسكرين.

       السيولة الشديدة في الوضع المصري:

في 14 من ذي الحجة عام 1433 هـــ، كنتُ أسأل صديقاً لي يشغل موقعاً قيادياً في حزب النور عن توقعاته للمستقبل القريب في مصر وحجم التأييد للتيار الإسلامي بشكل عامٍ، فأجابني: إن الحالة المصرية تعيش حالة سيولة وقابلية لتغير المزاج العام بشكل مفاجئ جداً، يجعل من الصعب جداً على أي شخص التنبؤ بما تؤول إليه الحال.

وضرب لي مثلاً بتوقعات الناس لحجم ما يمكن أن تحوزه الأحزاب الإسلامية من تأييد في الشارع المصري في تواريخ متعددة، وقال: لو كان لدي "ترمومتر" أقيس به درجة رضى الناس عن الإسلاميين عموماً، وعن الإخوان خصوصاً، وعن الرئيس مرسي بشكل أخص؛ فسأجد الأمر في أسوإ أحواله ليلة مقتل الجنود في رفح، ثم أجده في أحسن أحواله بعدها بليالٍ في ليلة الإطاحة بالمجلس العسكري، ثم أجدها تنحدر كلما انصدم قطار مودياً ببعض الأرواح، ثم ترتفع بعد قرار تعيين النائب العام عبدالمجيد محمود سفيراً في الفاتيكان، ثم تنخفض بشدة بعد الصفعة التي تلقتها الرئاسة بتراجع النائب العام عن كلامه، ثم تراجع الرئيس عن قراره، وهكذا..

وليس هذا عجيباً، لأن نسبة الكتلة المتأرجحة، التي لم تحسم أمرها بعد، ولم تقرر بشكل نهائي في أي المعسكرين ستضع رحالها، نسبة عالية جداً في معيار الحساب الانتخابي، لا تقل عن 10 – 15%.. وهي نسبة ليست بالهينة، ولا يصعب عليها أن تغير رأيها إثر حادثة أو موقف ما.
أما البقية؛ فالخيار الأسهل بالنسبة لهم: اتخاذ موقف ثابت، والنظر إلى الأمور من خلاله!
وهذا أمر لا يمكن إلغاؤه، وإنما يمكن التعامل معه بشكل أكثر رشداً.

 ثالثا: أمراض فكرية وسلوكيات خاطئة في متابعة الشأن المصري:

       تغليف الدوافع النفسية بغلافٍ عقلاني:

هذا هو ما يحصل عندما يصر الواحد منا على موقفه المبدئي من شخصٍ ما، أو فئة ما، من الفئات الصانعة للمشهد المصري.. فهو يتجاهل عمداً أو بلا شعورٍ، كل النقاط التي تزعزع موقفه من قضية أو موقف ما. ويستدعي إلى الصدارة كل ما يعضد موقفه.

        البناء على معلومة غير صحيحة:

المعلومة هي المادة الخام التي يبنى عليها التحليل السياسي، وفي محيط كالمحيط المصري تنتشر الشائعات والأخبار الكاذبة المنقولة عن "مصادر مطلعة"، والتصريحات المنسوبة زوراً وبهتاناً إلى شخص أو جهة. ويبدو أن هناك من لا يتورع عن اختلاق الأكاذيب عن خصومه، ويبدو أيضاً أن هناك من يبالغ في تصوير الوقائع، ويبدو للأسف –وهذا هو مربط الفرس- أن هناك من يريد أن يصدّق كل ما يقال، أو يتلقف كل خبر يتساوق مع موقفه النفسي من فلان أو علان!
وغير خافٍ على المتابع للشأن المصري أن هناك جهات قادرة على ترويج بعض الأخبار المغلوطة، والتي تحدث أثرها الحقيقي في نفوس الآخرين، نفس الأثر "الحقيقي" الذي يحدثه إنذار "وهمي" عن وجود قنبلة في مكان ما!

وهناك أخبار كثيرة جداً تبث وبصورة يومية، والأمثلة عليها لا تحصر، والكل سمع بما تردد عن "جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" التي تعتدي على كل امرأة غير محجبة، وعن الجماعات المزعومة التي تقيم حدوداً بأمزجتها الخاصة كقطع الآذان مثلاً، وعن بيع آثار مصر، وعن المادة الموضوعة في الدستور والتي تفرض تزويج البنت حين يبلغ عمرها تسع سنوات. وهذه أمور يمكن تكذيبها بكل بساطة ولا تنطلي على العقلاء. لكن هناك أخباراً غير حقيقية على الإطلاق تنسب إلى أشخاص ما أقوالاً لم يقولوها، وتنسب إلى بعض الجهات الحاكمة قرارات لم تتخذها.. حتى صار الإعلام المصري بين خبر يذاع وخبر ينفى!

وفي محيط موبوء بالأكاذيب كهذا، يصبح من المخاطرة أن يبادر إنسان ما إلى تحليل موقف بناءً على معلومة ما قبل أن يستوثق منها.. لكن هذا ما يفعله الكثيرون للأسف الشديد!
وكم هي رائعة تلك القاعدة المنطقية المنسية في أيامنا هذه: إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مدعياً فالدليل!

        الاستشهاد بمن لا يصح الاستشهاد بهم:

في سبيل تلهف المرء لنصرة وجهة نظره، قد يستشهد بأقوال وتصريحات لبعض الأشخاص الذين لا يستحقون أن يستشهد بهم أحد، لسقوطهم الأخلاقي أو انعدام صدقيتهم بناءً على نمط سلوكهم!
ومن هؤلاء: من تسيطر عليهم العداوة فتعميهم عن توخي العدل في إطلاق الأحكام، ومن لم يرزقوا بالحظ الوافر من تهذيب اللسان وعفة الألفاظ، ووسائل الإعلام الصفراء التي تكذب وتتحرى الكذب. ومن العجائب أن إحدى الصحف المصرية بلغت من فقدان المصداقية مبلغاً عظيماً بحيث إنّ واحداً وستين خبراً من كل مئة خبر تنشرها تلك الصحيفة يعدّ من قبيل الأكاذيب!

       حرب الإيحاءات المصطلحية:

 تستدعي ذاكرتي نكتة  تروى أن سلطاناً قطعت أذنه في حادثة، فأمر بقطع آذان سكان المدينة جميعاً، حتى لا يعيره أحد منهم بأذنه الذاهبة. والمدهش أن سكان المدينة صاروا يعيرون كل من يقدم عليهم من الخارج بأن له أذناً زائدة!

أحسب أن الإعلام المصري –المضاد في غالبه لتجربة الحكم الحالي- أفلح في صنع وترويج بعض المصطلحات وإكسابها لوناً إيحائياً يجعلها وصمة أو جريمةً مصدرية –إن صح التعبير- يمكن أن ينسب الإعلام إليها كل ما لا يروق له، أو صنع بعض المصطلحات التي تفخم من شأن أشخاص وجهات لا تستحق التفخيم.

إن مصطلحاتٍ مثل "الأَخْونة"، و"استقلال القضاء"، و"حرية الإعلام"، و"التوافق"، وغيرها من المصطلحات: تستخدم في الإعلام المصري بشكل مكثف جداً وبشكل يجعلها ذات مضمون غير منطقي، وتؤثر على وجدان المتابعين بشكل عام على درجات متفاوتة.

       عدو عدوي صديقي:

يعمد بعض المتابعين إلى تحديد عدو ما، قد يكون هو الإخوان المسلمين، أو جبهة الإنقاذ، أو أي جهة أخرى، ويجعل من كل مخالفٍ لهذا العدو محالفاً له هو، بغض النظر عن دوافع المخالفة، وعدالة الخصومة، وصدق النقل وسلامة الادعاء والتقيد بالأخلاقيات الكريمة!

ويسمح للبعضِ ضميره –مع غلبة الروح الحزبية وطغيان التحيز- أن يستشهد بمقطع لشيخ ملتح طويل اللسان يظهر في قناة "إسلامية"، ويستطيل في أعراض مخالفيه من غير الإسلاميين. كما أن هناك من يسمح لنفسه بالاستشهاد بمقطع لمقدم هزلي تطفح حلقاته بالإيحاءات الجنسية والإسقاطات الظالمة! وحين يبتلى مقدم برامج سليط اللسان بخصمٍ آخر سليط اللسان أيضاً، نجد أن هناك من يسمج لنفسه بالإشادة بذلك الخصم رغم أن مادة كلام الخصم ليست مقبولة على أي معيار أخلاقي أو ديني!
إن الذي يحترم نفسه لا يسمح لها أن تحارب بوسائل خسيسة ولا أشخاص فقدوا الحد الأدنى من نظافة اللسان.

ونجد –ياللعجب- من يملك القدرة على تجاهل ثوابته الفكرية التي لا تقبل النقاش، كذلك الإسلامي الذي لا يجد غضاضة في الدفاع المستميت عن "شيخ الأزهر" الذي كان فيما مضى رجلاً من رموز البدعة والنظام السابق معاً!! وكصاحب الروح الثورية الذي كان يقف ضد النائب العام السابق أمس لفساده، ولكنه الآن ينادي بعودته احتراماً لأحكام القضاء.. الذي كان يصفه ذات يوم بأنه قضاء تغلغل فيه الفساد وهو بحاجة إلى تطهير ثوري عاجل!

وليس شيخ الأزهر، ولا القضاء، ولا النائب العام، إلا أدوات وبيادق يستخدمها في الهجوم على خصم ما..!
إن الذي يسمح لثوابته أن تتشكل وتتبدل بحسب خصوماته الحالية، يعاني من أزمة فكرية مستعصية.. ومن علا عقله هواه فقد نجا.
وهذه ليست أكثر من نماذج لممارسات غير موضوعية نشاهدها بشكل يومي، وربما نقع فيها من حيث نشعر ومن حيث لا نشعر.

رابعاً: لماذا يجب أن تتغير طريقة تعاطينا مع المشهد؟
  
        من استعباد العقل إلى استعماله:

لا قيمة لعقل إنسان ما، مهما بلغت قدرته وتعاظمت، حين يصبح هذا العقل أسيراً للهوى والرغبة الشخصية، فيتحول من أداة معينة على استكشاف الحقيقة إلى أداة مسخرة لتبرير الاختيار الشخصي وحسب!
وهذا واقع ملحوظ للأسف الشديد، وظاهرة سيئة عامة نشاهدها في طريقة التعاطي مع المشهد المصري.

         من الذاتية إلى الموضوعية:

أحسب أن من أعظم ما تمنحه الموضوعية للمرء: أنها تخضعه وغيره إلى قواعد ثابتة يحتكم إليها الجميع، وتجعل بين المتجادلين والمتحاورين أسساً ثابتة يمكن الرجوع إليها وتقويم الموقف قرباً وبعداً عن الصواب بناءً عليها، وهي تعني أن الهدف الأساس لخوض أي جدال ما، ليس هو الانتصار للنفس بقدر ما هو الوصول إلى الحقيقة.
كلفة هذا الأمر باهظة على البعض، وهي: الخروج من إطار الذات، والتجرد من حظ النفس ورغبتها في قهر الخصوم وإثبات التفوق!
        
      التدريب على أدب الحوار ووسائل المحاجة:

نحتاج أن نجعل من هذا المشهد المليء بالتفاصيل مادة تدريب لأنفسنا على الالتزام بأدب الحوار، وتمرين لعقولنا على جعل الحوارات نافعة وعاقلة، للمتحاورين فيها مقصدهم النبيل، وهو الوصول للحقيقة، وللحوار موضوعه المحدد، ووسائله الشريفة، الخالية من التدليس والسفسطة!

       مرور الزمن هو الكفيل الوحيد بتوضيح الصورة كاملة:

بحكم عيشنا للواقع اليومي بتفاصيله الكثيرة والمربكة، ربما تغيب عن أذهاننا "أحداثٌ" حقيقية لها أثرها الحقيقي الباقي، ولها حضورها في المشهد بعد سنوات ثلاث أو أربع! وذلك بسبب انشغالنا الحالي الشديد بتفاصيل "الأخبار" غير الهامة، أو ذات الأهمية المتوسطة والضئيلة!

إن الإعلام المتحيز حين يكون هو مصدرنا الوحيد للمعلومات لن يعطينا صورة عادلة ولا منصفة، والحكم على صلاحية المناهج، وأهلية الأفراد، ومدى نجاح تجربة ما.. لا يمكن أن يتم خلال عام أو عامين، لكن جزئيات الحاضر تحجب عيوننا عن رؤية كامل الصورة، ولا يعيبنا ذلك لأننا بشر لا نمتلك الكمال "ومنه كمال الصورة". إنما يعيبنا جداً أن نحسب أن الغرفة التي نملكها من البحر.. هي البحر كله!

ولا أجد خاتمة ألطف من قول الأستاذ نادر الصمعاني: الموضوعية كالحق.. قصارانا أن ننشده لا أن نبلغه!
مكة المكرمة
22/4/2013



[1] حمل جواز سفري خلال عامي 2011 و2012 سمات الدخول إلى الدول الآتية: قطر، الكويت، ماليزيا، السودان.

هناك تعليقان (2):

الصادق عبدالسيد يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أختي الفاضلة:

عندما تتصافى القلوب وتتشابك الأيدي محبة وإخلاصاً لله وللوطن نرى بلادنا الحبيبة في أزهى حلتها بتقديم أفضل السياسات العامة وأفضل الخدمات والإبتعاد عن الجهوية والمصالح الحزبية . والله الموفق.

Sonnet يقول...

بارك الله فيكم أستاذنا الفضل. تحاتي إلى ليبيا الحرة

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...