بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، فبراير 13، 2013

نعم الآن أقولها.... لا لأخونة الدولة


لطالما رفضت - من باب الإنصاف - هذا الاتهام لجماعة لا أنتمي إليها...لكني حين أعدت قراءة هذه الصفحات من مذكرات الدكتور نجيب الكيلاني، رأيت فيها أرى خطة جماعة الإخوان للتغيير في الدولة حسب رؤيتهم من عدة عقود لكن مصطلح "أخونة الدولة" لم يكن شائعا حينها. فليس الأمر بجديد إذن. لكن السؤال هل ترى أنهم يسعون حقا لأخونة الدولة دون اعتبار للكفاءة و دون اعتبار لسؤال "ثم ماذا بعد"؟ و هل ترى ما يفعلونه من بعض اختياراتهم  للإخوان أو المقربين منهم للمناصب في الوزرات و المؤسسات يتوافق مع النهج الديموقراطي الإداري المعتمد على الإعلان أو الترشح أو المسابقات ثم المفاضلة بطريقة شفافة لا يشوبها أي فساد إداري؟ فضلا عن السؤال المفترض ألا وهو هل يتوافق هذا مع أصول الدين و العدل؟ و لماذا يسكت الآن كثير من الناس على هذه التجاوزات إذن؟ لماذا لا يعترضون كل في موقعه على مستوى مؤسسات مصر؟ هل فقط بعض مظاهرات تحمل لافتة تقول "لا لأخونة الدولة" هي الحل؟

أتذكر أن النائبة عن الحزب الوطني سوسن الكيلاني كانت قد قامت بمحاباة أحد أصهارها من سنوات في محافظة الإسماعيلية على حساب موظف كبير تعرض للظلم و تدهورت صحته بسبب ذلك...فما كان من زملائه الموظفين إلا أن قاموا بالاعتراض و وقف العمل حتى عاد الرجل لمنصبه و عاد الحق لأصحابه في ظل حكم مبارك الفاسد فقط لأنهم قالوا "لا للظلم" في مؤسسة بالإسماعيلية.  فلماذا بعد الثورة تحول الناس إلى صامتين أو مداهنين لما يحدث في صر بعد الثورة متعللين بالصمت لتسير مركبهم في ركب الأخوان؟ لماذا؟ تذكرت و انا اتصفح كتاب " حاكمة قرطاج" كيف استطاع بعض أولياء الأمور الاعتراض و إرغام بن علي و زوجه على التراجع عن قرار إداري ظالم بمثابرة و دون عنف.

هناك فرق كبير بين أخونة الدولة بقوة الحزب الحاكم و هو ما يحدث الآن (نسبيا) و بين التغيير البطيء في ظل حكم النظام الفاسد و هو ما حدث على مدى عقود من الزمن. أن تخوض انتخابات النقابات و البرلمان و المسابقات لتحصل على منصب أو وظيفة بشرف فهذا هو العمل الذي (كنا) نتوقعه من أي حزب يحمل بين طياته مفردات " الإسلام، العدالة، الحرية،...." إلخ. أما أن تعين/ تنتقي أبناء جماعة الإخوان و من والاهم لأنك الرئيس و الحزب الحاكم دون أن يهتز ضميرك أنك تقوم باستغلال أو فساد أو ظلم فهذا ما صدمنا من نهج حزب اسمه "الحرية و العدالة".

كثيرا ما كنت أتساءل كيف سيقوم أي رئيس أو حكومة بتطهير الفساد في مصر التي يعترف صانعوه بأنه وصل للركب؟ كنت أشفق على من سيحكم مصر، و تساءلت قبل جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية كيف سيتعامل د/ مرسي مع هذه التركة الثقيلة من الفساد الضارب حتى النخاع في كل صغيرة و كبيرة في مصر؟ و الواقع أنه لم يعطنا خطة واضحة لمحاربة هذا الفساد بل كان تعيين المقربين و أهل الثقة سببا في تمادي كل فاسد أو فاشل فيما يفعل خلال 200 يوم و حال مصر شاهد على هذا. لماذا لم يتخذ الرئيس مرسي خطوة تصحيح شاملة في أغسطس لتطهير القضاء و الداخلية؟ لماذا لم يضع خطوات واضحة لتنقية النظام الإداري في كافة المؤسسات في أغسطس بل قبل هذا؟ لماذا؟ هل كانت خطوة إقالة المشير و من قبله رئيس المخابرات لأجل حاجة في نفس يعقوب فقط؟ هل بضعة قرارات فقط هو الحل الوحيد في يد الرئيس؟ لماذا لم يستغل حالة " الرضا" الشعبي التي أقامها الشعب في أغسطس ليقوم بتغيرات شاملة في ذات الوقت لكنه للأسف اكتفى بإعلان دستوري يحمي الشورى و التأسيسة و يقيل النائب العام؟ لا أقول أيهم أهم: محاربة الفساد أم حماية قرارات الرئيس. لكن على الأقل كان عليه أن يتخذ خطوات موازية في ذات الأهمية على مستويات عدة في ال100 يوم الأولى أو ال 200 يوم التالية على أبعد تقدير. لا نريد تبريرا و حججا فالاعتراف بالخطأ فضيلة أما التمادي فيه فهو مصيبة أما تبريره فهو ضلال. و  ما نقوله هو حرص على مصلحة الوطن لا الأفراد. و لنتحدث بصراحة: إنها باختصار نفس طرق الحزب الوطني في اختيار القيادات و الوزارات. فهل نفعته في عهد مبارك حتى تنفع غيره؟ و هل ميكافيلية "الغاية تبرر الوسيلة" تصلح الآن؟ و هل سيتحول حزب" الحرية و العدالة" إلى الحزب الحاكم الجديد الذي يسعى الكثير من الناس للتودد له مقابل الحصول على المناصب؟ لا أتمنى هذا لمصر الثورة.

لا نتحدث عن تجربة في مؤسسة واحدة لكنها على ما نراها فهي متكررة في عدة مؤسسات و محافظات و وزارات بل على مستوى مصر. حتى و إن لم تكن شاملة بنسبة 100 بالمائة، لكنها مبشرة بما سيحدث. لقد كنت ضد هذا التعبير –أخونة الدولة- حتى يتقين الأمر بل قالها بكل ثقة وزير الإعلام الأخواني و قالها أحد قيادات الأخوان عن طريقة اختياره  لمسؤول بأن "ابن الجماعة أولى". أتساءل و أرجو أن يجيبني كل شخص شارك بالثورة، لماذا يصمت الآن؟ و لأني لا أميل إلى نهج التظاهرات فقط كحل وحيد...اتساءل: ما هي الحلول؟

باختصار طريقة اختيار الأخوان لأصحاب المناصب في مصر سيئة.
نصيحة: لا يغرنكم سكوت بعض الناس أو مداهنة البعض الآخر في هذه الأيام.. ستأتي ثورة يوما ما، يقوم بها كل الناس...أما التخوف فهو أنه ربما لا نملك ترف الثورة الثانية بعد أن تسقط الدولة في الفساد أو الفشل للأسف.   

و أخيرا: أريد أن أذكر الإخوان و غيرهم بما كتب في مذكرات الدكتور/  نجيب الكيلاني - الجزء الأول  ص117-120  قال تعالى: " وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين"

(أما الأخوان المسلمون – كما سبق و أشرنا- فقد كانوا يصرون على التغيير، تشير إلى ذلك خطبهم و برامجهم و مطالبهم الدستورية، و الإصلاحات الاجتماعية و الاقتصادية التي ينادون بها، و إعلان الحكم الإسلامي، و جعل الشورى و االحرية حقيقة و اقعة، كما كانوا ينقمون على الملك و أسرته و أعوانه أسلوبهم في الحياة الخاصة و العامة، و كان شائعا في أوساطهم أنه لا بد أن يعزل، هذا على الرغم من اتباع الصمت و المهادنة في بعض الأوقات الحرجة، و إيهامه بأنهم لا يشكلون خطرا عليه أو على نظام الحكم، حتى يتجنبوا بذلك الصدام الرهيب الذي يمكن أن يحدث، و الذي حدث فعلا بعد ذلك...

تستطيع على ضوء تلك المقدمة أن تبلور صور التغيير المنتظر في ثلاثة خطوط رئيسية:
** الخط الأول: و يمثله بعض رجال الجيش المنظمين، و يرغب في التغيير عن طريق استعمال القوة أو الثورة أو الانقلاب.
**الخط الثاني: و يمثله الوفد و من على شاكلته، و هؤلاء يميلون إلى تغيير سلمي ديموقراطي، يتمثل في احترام الدستور، و تقليص صلاحيات الملك، و إعطاء الصلاحيات لرئيس الوزراء المنتخب و الذي يمثل الأغلبية.
**الخط الثالث: و هو خط متميز يريد التغيير بالأسلوب الهاديء الديموقراطي، لكن تحت حماية القوة التي يمكن اسخدامها عند اللزوم، أو عندما يحاول الملك أو الإنجليز أو غيرهم أن يجهضوا حركة التغيير السلمي، أو ينحرفوا بالمسار الإصلاحي المنشود، هذه الفئة يمثلها الإخوان المسلمون، و لعل هذا هو السر فيما كان يحدث عندهم ممن تطورات لا تخفى على أعين المنصفين الواعين نذكر منها:
                         1-            تغلغلهم في الأوساط الشعبية، و إنشاء " الشعب" في المدن و القرى و الكفور، داعين إلى عدم الفصل بين الدين و الدولة، و إلى تحقيق العدالة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، وتحقيق الحريات.
                         2-            تغلغلهم في أوساط العمال و الموظفين، و تأكيد نفوذهم في النقابات المهنية و غير المهنية، و تحقيقهم للأغلبية في بعضها عن طريق الانتخابات، أو الحصول على مقاعد بنسبة كبيرة في نقابات المعلمين و الأطباء و العمال و غيرهم، مما جعل إحدى الصحف الحكومة بعد الصدام مع الثورة تقول: " الأخوان يشكلون أجهزة أخطر من الجهاز السري" قاصدة بذلك تغلغلهم في النقابات.
                          3-            تغلغلهم في المؤسسات التعليمية و خاصة الجامعات، حيث كانت الانتخابات تجرى كل عام، بواقع مندوبين اثنين منتخبين عن كل سنة أو صف من صفوف الكليات، و قد استطاع الأخوان أن يحققوا أغلبية مطلقة في جميع الجامعات ما بين 80-90% ، و لم تستطع تحالفات الأحزاب في الجامعة، و بعض القوى الدينية المضادة، فيما سمي " بالجبهة الوطنية" أن تهزم الأخوان في الانتخابات التي كات تجرى قبيل الثورة أو بعدها.
                         4-            التفكير في دخول الانتخابات النيابية، و اعتراض الإنجليز على ذلك، و تقديم النحاس باشا النصيحة للإمام الشهيد حسن البنا كي لا يتقدم للترشح، وتأجيل ذلك لما بعد؛ أي عندما تأتي الظروف المناسبة.
                          5-            إنشاء فرق الكشافة و الجوالة الإخوانية الكبيرة العدد، و وضع نظام خاص لها يختلف في تدريباته و نظمه و لوائئحه عن النظام العالمي، و التأكيد فيه على التربية الروحية و البدنية و العقلية، و الاهتاما بالتعارف و الارتباط خارج المخيمات بين الأفراد و التربية العسكرية.
                         6-            إنشاء " النظام الخاص" ، و هو ما أطلق عليه بعد ذلك " الجهاز السري" للاشتراك في معركة فلسطين و قناة السويس، وحماية الجماعة و مؤسساتها و أفرادها القياديين  عند الضرورة.
                        7-            إصدار الصحف و المجلات العلنية، و ذلك بقصد نشر الدعوة، و تقديم البحوث الدينية و السياسية و الاقتصادية و العلمية، و فتح المجال أمام ما يمكن أن يسمى " بالأدب الإسلامي"، و تأليف المسرحيات و الأناشيد، و وضع برامج للدراسة و القراءة الحرة، و التوصية بالإطلاع على كتب و أفكار أدباء و مفكرين بعينهم، دون التقيد بكتاب الجماعة، فكثيرا ما كانت تقرأ كتب العقاد و الرافعي و محب الدين الخطيب و غيرهم.
                        8-            تشجيع المنافسات الرياضية و الانضباط، و تأدية الشعائر و العبادات و الرحلات و الزيارات و البعثات الدراسية في أوروبا و أمريكا و غيرها، و عقد الصلات مع المنظمات الإسلامية في العالم العربي و الإسلامي، ومازالت آثار ذلك باقية حتى كتابة هذه السطور، و بصورة أوسع و أكبر.
                       9-            إنشاء مؤسسات اقتصادية مساهمة على أسس إسلامية.
            10-            إنشاء مدارس و مساجد على النمط الإسلامي الصحيح، و تشجيع إنشاء المستوصفات و دور النشر و الإعلام و الإعلان.
            11-            تشجيع أفراد الجماعة على الاتحاق بالشرطة و القوات المسلحة و الكليات العلمية كالطب و الهندسة و العلوم و الصيدلة و الزراعة و غيرها.
            12-            إعداد برامج خاصة لتربية الاطفال، و توعية النساء، و كانت مدرسة " الجمعة" للأطفال من المدارس الشهيرة.
            13-            دراسة النظم الإدارية، و المواقع الجغرافية في القاهرة خاصة، و في مصر عامة، و تقسيم البلاد إلى مناطق و مكاتب و شعب، وفق هيكل تنظيمي فريد، و طرق اتصال سهلة و سريعة و ناجحة.
            14-            تجنب الصدام مع الجمعيات الإسلامية الأخرى، بل و تقوية صلة المودة و المحبة معها.
            15-            عدم القيام بالتصرفات الفردية التي قد تسبب للجماعة في عمومها مشاكل لا حصر لها، والالتزام برأي الجماعة و قيادتها في الأمور الأساسية و السياسية العليا، و التصرف بحكمة و روية في الأمور المحلية الثانوية.
            16-            عدم الهتاف بأسماء الأشخاص أو الزعامات مهما كانت.
            17-            التفقه في الدين بكل فروعه ما أمكن، ليستوي في ذلك الجميع، و حفظ القرآن الكريم أو قدر منه، و الأحاديث النبوية الصحيحية، و التفسير، و ترك الخلافات المذهبية جانبا، و التخلق بأخلاق النبوة حتى يصبح الفرد الداعية قدوة حسنة.
......إلخ           
      و قد أفاضت بعض المؤلفات في هذه الجوانب، و إنما قصدت بإيجاز معظمها الوصول إلى النتيجة النهائية الهامة ألا و هي:
" إن الإخوان المسلمين كانوا يريدون التغيير، و يعدون له، بل بدءوا فيه، و أنجزوا الكثير، و كان هذا التغيير، كما هو واضح من منهجهم و تصرفاتهم- تتخذ الأسلوب الديموقراطي السليم، ويتخذ من القوة رصيدا لحماية ذلك التحرك السلمي كما قلنا". )
انتهى النقل من مذكرات الدكتور/  نجيب الكيلاني - الجزء الأول  ص117-120

هناك تعليقان (2):

Haitham Jafar يقول...

أتمنى من كل قلبي أن نخرج (جميعًا) من ممارسات التخوين + إقصاء الآخر.

أخونة مصر = هاجس (و أستخدم الكلمة قاصدًا)
ما حدث من سقوط النظام و التغييرات المهولة بعده = شيء صعب. صعب لأنه جديد و الجديد يحتاج وقتًا للتبلور. و لكن هذا -برأيي- ليس سببًا لتخندق الإخوان و تصرفاتهم الحالية و بذات الوقت ليس مطلوبًا من المتخوفين (مصريين و غيرهم، سواء أصدقاء أو أعداء!) و لا من حقهم إملاء الأفعال و الاكتفاء بذلك.

شكرًا للإدراج الممتاز.

Sonnet يقول...

لقد عشنا عقودا من اختيار القيادات حسب الانتماء للحزب الحاكم دون أي اعتبار للكفاءة. بعد الثورة المفترض أن تعود الأشياء إلى نصابها المنطقي و تكون العبرة بالكفاءة و ليس بالانتماء لحزب أو جماعة الرئيس أو الأغلبية. على أن يكون الاختيار عبر معايير واضحة و اختبارات نزيهة في أي منصب.

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...