بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، نوفمبر 10، 2012

نقطة. انتهى التحقيق؟!

هذه المقتطفات النهائية من رواية " نقطة.انتهى التحقيق؟!" و تجدوها مع بقية الكتب الشهيرة عن أدب السجون في سورية هنا 
(35) عذاب ألف سجين
حمل أبو اليسر بين جنبيه عذاب ألف سجين.
كان طالباً في كلية العلوم، قوي البنية والإرادة، شديد اللطف والحياء، رقيقاً ودوداً، وهب حياته لله.
غادر بيته لئلا يؤخذ رهينة عن أخيه، فأصبح هو الآخر مطلوباً، ولكثرة ما سمع عما في أقبية السجون من تعذيب، فقد قرر ألا يدخلها، فحمل معه من السلاح ما يكفيه للدفاع عن نفسه فيما لو أرادوا اعتقاله. ولكنهم عرفوا مكانه، فحاصروه، فقاومهم حتى نفدت رصاصاته القليلة، وأعيته الحيلة، فنزع قنبلة من وسطه، ونزع منها مسمار الأمان، وقال لهم: لن تمسكوني إلا جثة هامدة... أنتم تعرفون بأنني بريء... أنتم تريدون الانتقام بي من أخي... هذه قذارة... لا يوجد قانون في الأرض يسمح لكم بهذا.
ولكنهم كانوا ينادونه بمكبر الصوت: استسلم... استسلم. وهو يرفض، وأخيراً اقتحموا عليه مخبأه، ففجر القنبلة ليموت... ولكنه لم يمت.
وصحا بعد ساعات على سرير في المستشفى، وهم ينبهونه ويعذبونه... تفقد نفسه، فكاد عقله يطير... يداه مقطوعتان من الساعدين، أسنانه مكسرة، عينه مفقوءة، جسده ينزف من كل مكان، ووجهه شوهته الشظايا. وهو يقولون له: اعترف.
- اعترف.
- اعترف.
لم يدر بماذا اعترف، وماذا قال، وماذا كتم.
*  *  *
كان السجان أبو سمير متعاطفاً معنا، ولما علمنا بوجود أبي اليسر في إحدى الزنازن المنفردة في كفر سوسة، قلت لذلك السجان: أرجو أن تتيح لي لقاء أبي اليسر.
فاستغرب أبو سمير وقطّب حاجبيه قائلاً: وما يدريك أنه هنا؟
- لقد علمت ذلك.
- المعرفة ممنوعة، واللقاء ممنوع جداً.
- ولهذا طلبته من أبي سمير.
وصمت قليلاً ثم قال:
وما صلتك به!؟
- إنه قريبي، وصاحبي، وجاري.
- حسناً، سوف تراه وأنتم خارجون إلى باحة التنفس... كن أنت الأخير في الممر، سأترك لك الكوة مفتوحة، وأراقب السجانين من فوق السلم، وعندما تسمع سعالي تغادر فوراً إلى باحة التنفس.
- أمرك.... وشكراً جزيلاً.
رأيت أبا اليسر متمدداً في الزنزانة كالميت في القبر... بل إني رأيت شخصاً آخر... لا يمكن أن يكون هذا هو أبا اليسر... إنه فتى مشوه تماماً.... لقد حلت بي صاعقة، رعشة رهيبة، ذهول قاتل... نهض يسلم علي وهو يبتسم... الصدمة القاسية قتلت أشواقي وأحاسيسي وجعلتني أعصب عيني، وأضغط باليد الأخرى رأسي وأنصرف، والعالم في وجهي وحش كاسر.
ارتسمت تلك الانفعالات القاسية في وجهي، ولذت بالصمت والانفراد... لم أتناول في ذلك اليوم شيئاً من طعام أو شراب... انزويت في إحدى الزوايا وفي صدري آلام طاحنة، وصراعات لا نهاية لها.
وفي اليوم الثاني قلت لمن معي من السجناء: علينا أن نخجل من أنفسنا حين نتذمر أو نشتكي مما نحن فيه... ماذا لقينا نحن أمام أبي اليسر. وقال سجين: كيف يعيش هذا الإنسان وحيداً!؟ كيف يأكل أو يشرب أو ينظف نفسه !؟ كيف تطاوع هؤلاء المجرمين نفوسهم أن يتركوه في زنزانة منفردة!؟
وقال آخر: يجب أن نطالب بإحضاره إلى هنا، لنخدمه بأنفسنا... وإذا لم يذعنوا لنا أضربنا عن الطعام.
وسألت السجان أبا سمير: كيف يعيش أبو اليسر، كيف يأكل ويشرب ومن يرعاه...!؟
فقال: كلنا نتسابق إلى خدمة أبي اليسر، ونتنافس حتى على تنظيفه، أنا وأبو شهاب وحمدون والآخرون.
وحين انصرف أبو سمير، قال أحد السجناء: كيف يصدر عن هؤلاء الوحوش الكاسرة هذا الفيض من الرحمة!؟
فرد آخر: إنه الله... هو الذي سخرهم لخدمته، وألان قلوبهم حتى أصبحوا يجدون سعادتهم في خدمة أبي اليسر.
*  *  *
ظل أمر أبي اليسر يشغلني عن كل ما عداه... ترى كيف تكون مشاعره!؟ إيمانه !؟ ثقته بالله!؟
وقلت لأبي سمير: أرجو أن تتيح لي لقاء أبي اليسر.
- ألم تره منذ أيام!؟
- لم أره. لقد أعمتني المفاجأة.
- حسناً.
وأتاح لي لقاءه مرة أخرى بالطريقة السابقة نفسها.
وحين فتحت الكوة عليه، كان يقف خلفها، وكأنه ينتظر قادماً. فقلت: السلام عليك يا حبيب الروح والقلب.
- وعليك السلام ورحمة الله، كيف حالك يا عمر!؟ صدقني أنني مشتاق إليك.
- أبا اليسر، أنت أكرمنا على الله، لذلك كان ابتلاؤك هو الأعظم... يبتلى الرجل على قدر دينه...
- الحمد لله... الحمد لله... كيف حال الشباب!؟
- بخير... خبرني كيف تعيش؟!
- إن الذي ابتلى قد أعان..
- ونفسك؟! كيف تجدها!؟
- تواقة إلى الشهادة في سبيل الله.. أليس هذا ما كنا نتمناه!؟
- ما كنت أظن أن الحياة ستفرقنا بهذه السرعة..
- اللقاء بلا فراق يكون في الجنة إن شاء الله.
- ادع لنا.
- ادع لي أنت.
وسمعت سعال أبي سمير فأغلقت الكوة وانصرفت
*  *  *
أمضى أبو اليسر في الزنازن المنفردة خمسة أشهر، كان خلالها يعرض على محكمة أمن الدولة، حتى جاءنا الخبر المتوقع يوماً... لقد حكموه بالإعدام مع خمسة من إخوانه، ونفذوا فيه الحكم في سجن القلعة، وتناقل السجانون كيف استقبل أبو اليسر حبل المشنقة، رابط الجأش، باسم الثغر، وهو يردد الشهادتين، ويقول: فزت ورب الكعبة.

(40) فندق خمس نجوم
حين نشرت رواية (مالا ترونه)، وحين أنشر (نقطة انتهى التحقيق)
أشعر بشيء من الراحة، وشيء من (الإحباط)... أشعر بالراحة لأني نقلت ما رأيت أو صورة عنه، بأمانة وصدق... حذفت الشتائم التي لا يجوز أن أعيد روايتها، لأن فيها إهانة للإنسانية والحياء ومقدساتها... وفيها إهانة لوطني الحبيب سورية... ربما يكون ما ورد مرعباً للضمير الإنساني، ولكن هذا ما حدث، ولا زال الجلادون حتى اليوم يخطفون الوطن والوطنية، وما زال الجزارون مفلتين من المساءلة والعقاب... على أن الغالبية العظمى من السجناء الذي ورد الحديث عنهم في كلتا الروايتين قد نقلوا فيما بعد إلى سجن تدمر الصحراوي، وقضوا جميعاً في مذبحة تدمر الرهيبة على أيدي عصابات النظام... أما الألوف التي دخلت سجن تدمر فيما بعد، فقد تعرضوا لألوان من العذاب تجعل ما رأيته ورويته ليس إلا إقامة في فندق خمس نجوم... لقد تم ذرع سبعة عشر ألف سجين من أبناء الوطن خلال سنتين أو ثلاث، في محاكمات كانت تستغرق الواحدة منها دقيقتين، ثم يحكم على المتهم بالإعدام... ثم يدفن المئات من الشهداء في كل دفعة في مقبرة جماعية... وهذا سبب (إحباطي)... رغم أنه قد صدرت عن أهوال سجن تدمر ثلاث روايات (في القاع) و(شاهد ومشهود) و(خمس دقائق، تسع سنوات في سجون البعث).
حدثني أحد نزلاء سجن تدمر عما يشيب له الولدان من أصناف التعذيب اليومي... قال: إنه في إحدى المرات فتح سجان عليهم باب المهجع وأشار على أحدهم بشكل عشوائي، وقال: تعال يا كلب... لما خرج السجين انهال عليه السجان ضرباً بعصا غليظة على أم رأسه حتى قضى عليه... فتح السجان الباب ونادى على بعض السجناء: تعالوا كلاب، احملوا هذا الكلب...
خرج السجناء وحملوا أخاهم القتيل، ودخلوا به إلى المهجع، وبعد قليل قرعوا الباب... جاء السجان نفسه وقال: ماذا تريدون؟!
- سيدي هناك سجين قد مات.
- كيف مات يا كلاب...
- سقط على رأسه في المرحاض...
- أخرجوه...
وهكذا أخرجه السجناء ودفنوه...
هذه مسرحية متكررة متفق عليها بين السجناء والجلادين...
وحدثني عن سجين آخر جاء أمر بالإفراج عنه بعد عشر سنين من العذاب، وحين كان يخرج من السجن تلقى من أحد الجلادين ضربة بعصا غليظة على أم رأسه أسقطته أرضاً... وخرج الرجل وهو مسلول.
وحدثني سجين آخر قضى في سجن تدمر اثني عشر عاماً أن أحد السجانين كان يطلب منهم كلما جاءت مناوبته تمريناً خاصاً، ويراقب التنفيذ من فتحة في أعلى السقف، ويقضي هذا التمرين بأن يقف السجناء صفاً واحداً خلف بعضهم البعض، ويخلع الجميع ملابسهم الداخلية، ثم يقوم كل سجين بعض مؤخرة السجين الذي أمامه حتى يسيل الدم...
وحدثني هذا السجين نفسه بأنهم أتوهم يوماً بـ(دوسير) وهو ثلاث برتقالات لثمانين سجيناً، ثم ناداه السجان: تعال...
أقبل السجين، فصرخ به السجان: افتح فمك...
فتح السجين فمه فدس السجان في فمه برتقالة بقشرها، ولما لم يتسع لها فمه ساعده السجان بأن سدد إلى البرتقالة لكمة فدخلت في الفم، وتوقفت، لا يمكن أن تدخل، ولا يمكن أن تخرج...
هذا السجين نفسه ناداه مرة أحد الجلادين وقال: ماذا تعمل؟!
أجاب: مهندس مدني
- طيب... أنا لم أكمل المرحلة الابتدائية، انزل والحس حذائي بلسانك...
قال: ونفذت الأمر.
بقي أن أشير إلى أن أحداث هذه الرواية (نقطة انتهى التحقيق) قد جرت بين عامي (1979-1980) بينما استمرت أحداث سجن تدمر بعد دخول العالم القرن الحادي والعشرين، في سورية، مهد الحضارات الإنسانية... أما من كانوا يحكمون البلد، وتتم هذه الانتهاكات برعايتهم، فأظن أن القارئ الكريم يعرفهم جيداً....

نقطة انتهى التحقيق (الغلاف الأخير)
أكثر من حتوتة، وأكبر من قصة، فما بين أيدينا أبعاد زمانية ومكانية لكنها واقعية، تتجه بعين إلى الماضي وأخرى إلى المستقبل، تبصر ما فات حتى لا تتحول الذاكرة إلى رفات، أو الحقيقة إلى كذب، وتتلهف إلى ما هو آت كي لا نكرر الخطأ، ونقع في المصيدة من جديد.
ليس في هذه الأقاصيص تأسيس شهرة –بمقدار ما هي مسؤولية مصيرية- ولقاح مناعي ضد الاستهبال والجنون، والموت الذي أراد نشره الجلادون.
يكتسب الكاتب في (نقطة انتهى التحقيق) القدرة على تصعيد المكونات الرفضية للاستبداد، من خلال التأكيد على الترابط الوثيق بين ثلاثية النجاسة: (الظلم والقهر والمستبد).
إن وعي المؤلف بالانتماء الاجتماعي جعله يعتمد على المشاركة الاجتماعية، وتوصيف الاعتبارات التي تريد قمع المجتمع.
ما أحوجنا اليوم إلى سرد ما كان لنعرف سبب ما هو كائن في راهننا وما يمكن أن يكون غداً، ثم تفكيك تلك التراكمات العبثية البعثية، وتركيب الواقع من جديد بطريقة تسمح بخلق سياقات عامة جماعية أولها العيش السلمي وتهجئة "لا".
قصة الغرابين السود الذين يقتاتون جثث الأبرياء ليست هي المستهدفة على قيمتها وجدارتها وعبرتها ولكن مقصدنا الأبرز أن: الوعل مهما كان قوي البنية لن يهدم الجبل، وأن الله يمهل ولا يهمل، وأن الدم لعنة على من يستبيحه، وأن الظالم لا يرحمه الله ويلعنه الناس.
أما ما نرمز إليه من (نقطة انتهى التحقيق) فهي عدالة الظالم التي لا تعرف عدالة، ولا ميثاقاً أو إنسانية.
الأقاصيص تمثل سرداً واقعياً، وحكايات متعددة نقدمها اليوم ونحكي فيها قصة حزب تحول إلى عصابة تطارد الأناس، وتقهر النفوس، وتسرق كل نفيس.
نقطة. انتهى التحقيق.!؟

سليم عبد القادر

  

ليست هناك تعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...