بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، سبتمبر 29، 2012

كتاب الفساد السياسي للشيخ/ محمد الغزالي

مقتطفات ملخصة من " كتاب الفساد السياسي للشيخ/ محمد الغزالي"..إهداء إلى السادة الكرام في اللجنة التأسيسية للدستور..دعوة للقراءة  (127 صفحة)

إن الاستبداد السياسى يبيد كل أسباب الارتقاء والتقدم ٬ ولا تصلح الحياة برجل يزعم العلم بكل شئ ٬ ويتهم الناس كلهم بأنهم دونه وعيا وفهما. لقد نهضت دولة الخلافة على دعائم الشورى ٬ وكان المبدأ المقرر عند كل خليفة "إن رأيتم خيرا فأعينونى ٬ وإن رأيتم شرا فقوموني". ومن هنا أرست دعائم الحق إلى قيام الساعة.

واقترحت أن نحدد يوما للشهداء ٬ أو يوما نسميه يوم الدماء نبكى فيه قتلانا ٬ وإن كانت الدموع شر الأسلحة. قلت: إن صعلوكا من اليهود يخدش ظفره يتحرك له مجلس الأمن ٬ أما نحن فإن الألوف منا يقتلون فما يكترث لمصابهم أحد فى الهيئة الدولية.. وإذا لم نغضب نحن لمصائبنا ٬ فلا نلوم الذين يستقبلونها وهم لاهون... واستمع الناس إلى الاقتراح وهم محزونون!

وقديما قيل: من البلاء أن يكون الرأى لمن يملكه لا لمن يبصره ٬ وقد نفذ هذا فرعون عندما قال لقومه: "ما أريكم إلا ما أرى" . ومنها أن المستبدين يضعون أنفسهم فوق المسئولية.

 ربما كان هذا الاستبداد لا يعدو قطعة أرض كالتى كان `كليب ` يضع عليها يده ٬ ويلقى فيها بجرو ينبح فيعلم الناس أن هذه البقعة أمست حكرا على `كليب `..!

وسلمان الفارسى: قال سلمان لعمر بن الخطاب: نرى ثوبك طويلا سابغا وكلنا كميش الإزار ٬ ما حصل أحدنا إلا على ملبس قصير فمن أين لك هذا؟ وأحس عمر كأنه متهم باستغلال الحكم فقال: قم يا عبد الله بن عمر فحدث الناس… وقام عبد الله يقول: إن نصيب أبى من الثياب المفرقة لم يكن بغنية لأنه رجل طوال ٬ فمنحته نصيبى ليكمل حلته..! واتضح الموقف ٬ وقال سلمان: الآن قل نسمع!!..
 لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا. إنما الطاعة فى المعروف `. لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا. هذا الترهيب الغليظ يستأصل جذور الطاعة العمياء من نفوس الأتباع جميعا ٬ ويجعلهم يحملقون فيما يصدر إليهم من أوامر ٬ فلا يكونون عبيدا إلا لله ولا جِثِيا إلا للحق. إنما استكبر من استكبر من الفراعنة والجبابرة لأنهم وجدوا من الرعاع من يسارع إلى إجابة أهوائهم وإطاعة نزواتهم دون بصر أو حذر فعتوا فى الأرض وعلوا علوا كبيرا.

 ونحن بصدد الكلام عن تغيير الحكام أن نذكر القاعدة القائلة: إذا كان تغيير المنكر يؤدى إلى مفسدة أعظم ٬ فالإبقاء عليه أولى ٬ وذلك مصداق قوله تعالى: `واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب` . والواقع أن الزلازل التى تتبع إسقاط الحكومات قسرا بعيدة المدى. ومن ثم لم يرض الإسلام أن يشهر السيف فى وجه حاكم إلا أمام ضرورات ملجئة. أبانها هو ولم يترك بيانها لتقدير أحد. بل إنه حبب إلى المؤمن التضحية ببعض حقوقه الخاصة إشاعة للاستقرار فى أنحاء البلاد ٬ وإغلاقا لمنافذ الفتن.

 ذهب الرقاد فما يحس رقادُ مما شجاك ٬ ونامت العوادُ

خبر أتانى من عيينة موجع كادت عليه تصدع الأكباد

بلغ النفود بلاؤه فكأننا موتى ٬ وفينا الروح والأجساد

لما أتانى عن عيينة أنه أمسى عليه تظاهر الأقياد!

نحلت له نفسى النصيحة إنه عند الشدائد تذهب الأحقاد

"ولعن الله من يبنى مجده على أشلاء العباد"
إنه لا حرج أبدا من اختلاف وجهات النظر ٬ لكن لا يجوز لصاحب رأى ما أن يحسب نفسه المتحدث الرسمى باسم الله ورسوله ٬ وأن من عداه خارجون على الإسلام بعيدون عن الحق.


قرأت أن الشعب الفرنسي فى انتخاب حر قال: `للجنرال ديجول` لا أريدك..! فجمع الجنرال أوراق مكتبه ومضى فى هدوء إلى بيته.. والجنرال ديجول هو محرر فرنسا من الاحتلال الألمانى.. قلت: لو كان الجنرال عربيا فى بلد عربى لقال للشعب: أنا أُنَحَّى؟ إنك أحقر من أن تكون شعبا لى`. إننى سأبقى لأؤدبك حتى تتعلم احترام العظمة..! قال لى صديق: أنت مخطئ ٬ إنه لو كان فى بلد عربى ما أجرى هذه الانتخابات أبدا ٬ ولو أجراها لهيأ كل شىء قبل خوضها ليخرج بالأغلبية الساحقة..


وقال لى طالب آخر: إن الأستاذ المودودى يختلف معك فى هذا التصوير للشورى الإسلامية! قلت: رحم الله المودودى وأجزل مثوبته ٬ ما أظننى أختلفت معه فى شىء طائل ٬ ولكن الملابسات التى أحاطت بالرجل جعلت أحكامه ما تفهم إلا فى ضوء هذه الملابسات. لقد أيد ترشيح أخت محمد على جناح لتحكم الباكستان ٬ وفى ذلك ما فيه. وعندى أنه أفضل أن تحكم الباكستان امرأة من نوع `أنديرا غاندى` عن أن تحكمها عساكر من طراز `يحيي خان` الذى ما كان يفيق من سكر.. إن المرأة التى رأست الهند استغلت خيبة الحكام العسكريين للباكستان واستطاعت أن تلحق هزيمة فاحشة `بالفيلد مارشال يحيى`قصمت ظهر الدولة الإسلامية الكبيرة وشطرتها نصفين. وقد فعلت `جولدا مائير` بالعرب ما فعلت زميلتها الهندية.. ولو أن امرأة حكمت العرب من هذا الطراز لكان ذلك أجدى على العرب من عسكر وضعوا على صدورهم أعلى الأوسمة ٬ فلما جد الجدل تحول عمالقة الاستعراض إلى معز وضأن.. إن امرأة على رأس حكم شورى أفضل من مستبد على رأس سلطة مغتصبة. وبديهى أن ذلك ليس هو النظام الأمثل.. والذى أذكره  من قراءة مر عليها ربع قرن  أن المودودى يرفض أن تعترض الشورى حق السلطة التنفيذية فى اختيار الوسائل والأدوات... وهذا مقرر فى الأنظمة الحديثة حيث لا تعترض السلطة التشريعية أعمال أختها التنفيذية.. أما القول بأن الإسلام أقر الشورى فى الحكم ٬ وأعفى الحاكم من نتائجها ٬ وأن البناء السياسى للأمة الإسلامية يقوم على هذا الأساس فذاك كلام باطل ٬ وهو قد يقع

على ألسنة لم تحسن دراسة الإسلام ولا تدبر تاريخه ٬ ولا سير القافلة البشرية فى الشرق والغرب ٬ ولا وظيفة الأمة الإسلامية فى العالم. ولا ويل للمسلمين إذا وقعت أزمتهم فى هذه الأيدى القاصرة.

"إن الشورى لا علاقة لها بالعقائد والعبادات والحلال والحرام ٬ فهى لاتنشئ طاعة ولا تحل حراما"

وعلى الشباب المسلم إذا شاء أن يحترم دينه ٬ أن يحسن فقهه ٬ وألا تستفزه حماسة جوفاء وفتاوى جاهلة.. ولابد من تحديد مواطن الشورى ٬ فربما ذهب البعض إلى أنها تدخل فى كل شىء! إن الشورى لا علاقة لها بالعقائد والعبادات والحلال والحرام ٬ فهى لاتنشئ طاعة ولا تحل حراما ٬ إنها كالاجتهاد لا مكان لها مع النص. ومع أن ذلك معلوم لدارسى أصول الفقه ٬ فإن من هواة الكلام فى الإسلام جماعة رفضت أن تكون الأمة مصدر السلطة! لماذا؟ لأن الحاكمية لله لا للشعب. وظاهر أن ذلك لعب بالألفاظ ٬ أو جهل بمعنى التشريع ٬ أو خدمة للاستبداد السياسى. ولو راجعنا حصيلة المناقشات التى دارت فى مؤسسات الشورى ٬ بالعالم كله لوجدناها تتصل بالشئون المدنية ٬ وربط الموازنة العامة ٬ وإحكام هيمنة الأمة على شئون الحرب والسلام..

 "وعندما ترى الأمة أنه لا تفرض ضريبة إلا بإذنها ولا ينفق قرش إلا بإشرافها ٬ ولا تقر مصلحة مرسلة إلا برضاها ولا تعلن حرب إلا بموافقتها.. الخ ٬ فذلك حقها بداهة"

كثيرا ما رمقت المعارك الداخلية فى تاريخنا الإسلامى ثم حدثت نفسى: ماذا لو أن النزاع بين على ومعاوية بت فيه استفتاء شعبى ٬ بدلا من إراقة الدم..

الشورى فى الإسلام.. قالوا: ذلك رأى الرعاع!! والأمر لأهل الحل والعقد لا للرعاع.. وكيف يوجد هؤلاء المأمولون المنشودون المسلمون أهل الحل والعقد؟ إن كان اختيارهم للحاكم فالأمر كما قال أبو الطيب: فيك الخصام وأنت الخصم والحكم.. وإن كان لجمهور الأمة ٬ فلابد من الانتخابات. وسوف يفهم من كلامى أنى أحبذ الأسلوب الغربى فى الحكم ٬ وربما كان هذا بعض ما أرى ٬ أما رأيى كله فإنه قبل الاقتباس من أى نظام عالمى للوسائل التى تحقق قيمنا الفريدة  يجب إحداث تغييرات جذرية فى الطريقة التى نحيا بها..

 نظرت إلى القلم الذى أكتب به فوجدته أمريكى الصناعة.. وإلى ساعة يدى فوجدتها سويسرية.. وإلى المنظار الذى يعيننى على الإبصار فوجدته من ألمانيا.. وإلى الحذاء الذى أسير فيه فوجدته إيطالى الصنع. ثم إلى الثوب الذى أرتديه فوجدت المصدر من الصين الوطنية ولكن الحياكة عربية.. أما الملابس الداخلية فهى من مصر ثم تذكرت أن الآلات التى نسجتها من أوروبا.. وأخيرا نظرت إلى السيارة التى تقلنى إلى عملى فكانت من اليابان..!! ماذا صنعنا نحن؟ لا شئ! هل العالم كله منتج ونحن مستهلكون؟ ذاك شئ يخزى.. وقلت: إنهم متقدمون فى مجال الصناعة  أعنى غيرنا  ولنا مجال آخر.

ووقعت عينى على صحيفة محلية بها إعلانات شتى ٬ هذا عن الدجاج الفرنسى ٬ وذاك عن التفاح الفرنسى ٬ وهذا عن الكعك الفرنسى.. وأنا أعرف أن طائرات `الميراج` الفرنسية سلاح محذور ٬ وأن مهارة الفرنسيين فى الآلات الكهربية والإلكترونية شىء يتحدث به الخبراء.. إن تقدم `غيرنا` ملحوظ فى كل مجال! فماذا نصنع نحن؟ وصدمنى الجواب المر ٬ إن شعوبنا تعانى التخلف الذى يعانيه طفل يسير وراء أبيه ٬ أو تلميذ وراء أستاذه!! إننا شعوب لما تبلغ سن الرشد ٬ سن الإنتاج والاستقلال والاستغناء.

 هل اتضح معنى ما قررته من أن الشعوب والحكومات العربية لما تبلغ سن الرشد؟ إنها فى وصاية غيرها ماديا وأدبيا ٬ إنها عالة على غيرها فى طعامها وسلاحها جميعا. وقد هبطت إلى ذلك الدرك لخوائها الروحى والفكرى.. ومسئولية ذلك التخريب تقع على عواتق نفر من الفقهاء والدعاة والرؤساء والساسة..

 حول تطبيق الشريع:  إن خدمة الإسلام فى هذا العصر عمل صعب معقد يحتاج إلى تجرد تام وفقه رحب. فأمام ركام من المواريث الثقافية والاجتماعية لابد من جراحات جريئة لبتر البدع والأوهام والمراسم التى تغلغلت فى حياتنا الخاصة والعامة وأفسدت نظرتنا للدين والدنيا.. وأمام ركام من التقاليد التى رمتنا بها الحضارة الغالبة لابد من بصر دقيق بما ينفع وما يضر! دون تشاؤم قابض أو ترحيب غافل..

إننى أحيانا كنت أغلغل البصر فى النظام الشيوعى نفسه لأتعرف الجوانب التى تجتذب الجماهير ٬ والتى قد تكون بها أثارة من حق ٬ فقد تكون مأخوذة من تراثى أنا ٬ فإنى أذكر من سيرة `كارل ماركس` أنه قرأ كتاب الخراج `لأبى يوسف`. ويوم آخذ هذا الجانب فهى بضاعتنا ردت إلينا. ثم إننى محتاج إلى الاستفادة من نشاط العقل البشرى فى كل قارة وفى كل حضارة إذا كان هذا النشاط يدعم قيما مقررة عندى..

وأقول: إنه قبل أن يكون المرء صاحب منصب رسمى يستطيع أن يؤدى للإسلام أجل الخدمات فى الميدان الثقافى والاجتماعى.. والذين يسوفون فى البلوغ بأمتهم سن الرشد  حتى يتسلموا أزمة الحكم  لن يفعلوا شيئا طائلا حين يحكمون.

لقد استيقنت من تجاربى أن قلة الفقه سوء كبير! لكن غش النية سوء أكبر..

كان أحد العسكريين  فى الخمسينات أو الستينات  يحدثنى عن قطاع غزة ٬ وأنه خمسون ميلا على ساحل البحر فى عرض عدة أميال من فلسطين المحتلة ٬ وإن الدفاع عنه عسر! قلت له: هذا الشعور أول أسباب الهزيمة ولعل من إخواننا المتفرغين من يشرح فى رسائل صريحة كيف تم صنع خمسين دولة فى إفريقيا وآسيا يتيه فيها المسلمون ٬ ويحيون دون رباط روحى أو فكرى ودون كيان اجتماعى أو اقتصادى..

 و يستطيع المسلمون المخلصون أن يقهروا العقبات التى تعترضهم فى هذه الميادين مهما كانت جسيمة.. ونحن لا نكلفهم بصنع المعجزات..

 و نقولها لعرب اليوم بصوت عال: إن فلسطين لن يحررها إلا جيش مسلم ٬ أما تجمع العرب بلا دين فلن يحرر جحر نملة

 وسوف يقاوم ذلك الأعداء التقليديون للإسلام الراغبون فى محو معالمه وفض أتباعه. وبديه أن ينضم إليهم سماسرة جدد ٬ هم الشيوعيون الحانقون على كل ما له صلة بالسماء.. لقد تضافر هؤلاء وأولئك على محاربة الشريعة المبعدة ٬ وافتراء الأكاذيب عليها وعلى رجالها ٬ ولا دافع لكل هذا الغل إلا الكفر بالله ورسله.. دهشت لأستاذ جامعى كبير كان مربوط اللسان مكسور القلم أيام الاحتلال الإنجليزى ٬ وما عرف له فى المقاومة العامة تاريخ ولا شبه تاريخ.. وبغتة أخذت الصحف تنشر مقالات ملتهبة للرجل الذى سكت نصف قرن عن الإسهام بكلمة فى الحياة العامة ٬ كلمة لها قيمة وبعد.. ماذا يريد هذا المتحرك المفاجئ؟ شتم المطالبين بتحكيم الشريعة والزعم بأن قطع الأيدى يتم فى `الشفاخانات`..!! إن الرجل الذى لم يعرف بالدفاع عن وطنه أصبح مدافعا عن اللصوص وسنجد فى الطريق كثيرا من هؤلاء `الأذكياء` ولن يعوقوا القافلة السائرة.. وعلى جماهير العرب أن يرفضوا تهويد أى بلد من بلادهم أو علمنته أو تنصيره ٬ إن ذلك معناه سقوط ما يسمى بالشرق الأوسط فى براثن الاستعمار العالمى ٬ وعندما يضرب القلب فلا قيمة للأجنحة.

 ومثل ذلك إجماع أهل الدين على أن الظلم حرام ٬ والكذب حرام ومع ذلك فهم يسكتون سكوت المقابر إذا وقع تزوير عام فى انتخابات لخدمة فرد ٬ كأن الكذب يستنكر إذا كان بسيطا ٬ ويسلم له إذا كان مركبا.! ومن المستحيل أن تصلح الأوضاع السياسية للمسلمين إذا كان الدين فى وعيهم يهتم بفقه الحيض والنفاس ٬ ولا يكترث لفقه المال والحكم ٬ بل إن مستقبل المسلمين كله سيخضع للحديث الصحيح `لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق ٬ ولا يأخذ الضعيف حقه من القوى غير متعتع`

 إن حاجتنا إلى الاجتهاد اليوم أكبر بكثير من حاجتنا إليه بالأمس فهناك كثير من القضايا والمشاكل التى تتجدد كل يوم ٬ وكل شمس تطلع على الأمة المسلمة تأتى بمجموعة جديدة من القضايا والمسائل التى تتطلب الحل فى ضوء الشريعة الإسلامية ٬

 وأشار الإمام ابن القيم إلى أهمية هذه المعرفة ٬ فيقول: `ومن أفتى الناس بمجرد المنقول فى الكتاب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل ٬ وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما فى كتاب من كتب الطب ٬ على أبدانهم ٬ بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتى الجاهل أضر ما على أديان الناس وأبدانهم`.

ولاشك أن تدوين مجلة الأحكام العدلية على أيدى جماعة من العلماء من أهم الخطوات التى اتخذت فى سبيل الاجتهاد الجماعى فى عصرنا الحاضر.

 نحن نعيش الآن فى عصر أصبحت فيه البشرية أسرة واحدة ٬ ولكن العالم الإسلامى الذى كان ٬ ويجب أن يكون ٬ أسرة واحدة لم يعد مع الأسف أسرة متحد

إن الديموقراطيات الغربية إجمالا وضعت ضوابط محترمة للحياة السياسية الصحيحة ٬ وينبغى أن ننقل الكثير من هذه الأقطار لتسد النقص الناشئ عن جمودنا الفقهى قرونا طويلة.. وقد قلت ومازلت أقول: إننا أغلقنا باب الاجتهاد قرابة ألف عام ٬ فإذا سبقنا غيرنا فى شئون إنسانية مطلقة ٬ فلا معنى لاستكبارنا عن الإفادة منه ٬ ولا معنى لابتداء السعى من حيث وقفنا متجاهلين كدح غيرنا نحو الكمال!

فى الربع الأول من القرن العشرين حصلت مصر على دستور من أحدث الدساتير وأقواها على حماية الأفراد والجماعات ٬ لم يعبه إلا أنه اعتبر منحة من `الملك` ٬ بيد أن بنوده أمكنت النواب من اعتراض نفقات الملك لما أراد أن يصلح باخرته الخاصة من الموازنة العامة! وانتصرت إرادة الشعب ٬ وسد باب من أبواب السطو الملكى الكريم!! وبقى هذا الدستور ثلاثين عاما ٬ عطل فى أثنائها مرة ٬ وزورت الانتخابات فى وجوده مرارا ٬ ومع كل الأزمات التى أصابته فإن الحريات العامة تغلبت على العلل المصنوعة...

وأذكر أنى قابلت أستاذى الكبير الإمام حسن البنا ٬ لأشكو إليه موقف المتدينين عامة من قضية الحريات الدستورية ٬ وكان يصحبنى الأستاذ خالد محمد خالد ٬ وبوصفى عضوا مؤسسا فى جماعة الإخوان فقد تحدثت يومها كثيرا ٬ وكان حوارا عاصفا قلت فيه: إن المركز العام لا يدفع عن الدستور كما ينبغى ٬ وتمادى بى الغضب فقلت: كأنى أسمع جرس الملكية يدق هنا!! وكان الإمام الشهيد أحلم منى وأرزن ٬ فرد اتهامى بلطف ٬ وأصدر أمره إلى مجلة الإخوان أن تنشر لى ما أكتب ولو كان ضد سياسة الجماعة!!

 إننى بوحى دينى وتجربتى أرفض الاستبداد السياسي جملة وتفصيلا ٬ وأقرر أن المذاهب الإلحادية ما تبلغ هدفها إلا فى غياب الدساتير الصحيحة وتزييف إرادات الأمم ٬ وتمكين نفر من الفراعنة ليعبثوا بالحياة العامة كما يشتهون!!

وأقرر كذلك أن المنتسبين إلى الدين حين يجهلون هذه الحقائق ٬ فهم أعداء أنفسهم وأعداء دينهم على سواء ٬ وأن مقاليد الأمور فى أيديهم لن تكون إلا ظلمات بعضها فوق بعض.

 فالمفروض أن يختار الناس  بطريقة ما  أفضل رجل فيهم ليكون قائدهم وإمامهم ٬ بيد أن هذا الفرض استبعد ٬ لتقذف الوراثة برجل من بنى أمية ٬ أو بنى العباس! فيفرض نفسه على الألوف المؤلفة فى أقطار الأرض الواسعة .

إن المحنة التى أصابت الإسلام بفساد أوضاعه السياسية طويلة الذيول ٬ مستطيرة الشر! ولا يفكر مؤمن عاقل فى إعادة الخلافة الإسلامية بصورتها المستقبحة التى ظهرت بها.. ولكن التفكير يشغل ألوف المؤمنين فى ضرورة عودة الخلافة على نهجها الراشد الأول ... فما يجوز بقاؤهم على هذه الفرقة القاتلة.

وقد قرأت لأحد الصحافيين هذه الكلمات: `اللصوص يسرقون ويهربون ٬ بعضهم يدركه العقاب والآخرون يفرون بما سرقوا ونهبوا دون أن يمسهم أذى! فالذى يسرق الرغيف يدخل السجن ٬ والذى يسرق الفرن لا يدخل السجن! لأن سارق الرغيف لص ضعيف ٬ أما سارق الفرن فهو لص قادر يتعاون مع عصابات قادرة ٬ ويجد من الأموال التى سرقها ما يقدره على تدويخ العدالة ٬ فهو يوكل أحسن المحامين عنه ٬ وبين براعة الدفاع وعناء القضاء تذهب الحقيقة`. وإفلات مجرمين من يد العدالة غير مستغرب ٬ ولكن المستغرب وجود لصوص من طراز آخر ٬ لصوص شرفاء جدا ٬ لا يتهمون ٬ ولا يقدمون للعدالة أبدا ٬ لصوص لهم مناصب مهيبة وألقاب طنانة وكلمات نافذة..!! سرقوا شعوبهم جهرة ونمت لهم ثروات طائلة ٬ واحتبست الألسن فى الحلوق فما تقدر أن توجه لهم لفظا!!

إن الاستبداد السياسى استطاع على تراخى الأيام أن يحذف أبوابا مهمة من قسم `المعاملات` فى فقهنا الضخم! أو أن يجعل حقائقها ضامرة مهزولة لأن الكلام فيها مرهوب النتائج.. ومن ثم طال الحديث فى أمور هينة وكثرت فيها التفريعات والأخيلة البعيدة ٬ على حين صمت الفقه فى الأمور الجلل. وتم البت فى قضايا المسلمين العظمى بين جماعات من الفتاك يذكرون أنفسهم وأتباعهم كثيرا ولا يذكرون الله إلا قليلا.. وقد وقعت فواجع فى بيئات الحكم يندى لها الجبين ٬ وأهيل عليها التراب دون تعليق ٬ ففى اليمن قتل أمير  أو تآمر على قتل  تسعة من إخوته حتى تخلص إمامة المسلمين للأخ القاتل وحده!! ومطلوب من الفقه الإسلامى أن يشغل بمكان وضع اليدين فى الصلاة! أو برفعهما قبل الركوع! وهى أحكام تتساوى فيها وجهات النظر ٬ ولا يأثم مسلم يجنح فيها إلى السلب أو الإيجاب.. نعم مطلوب منه إفاضة الكلام فى هذه القضايا وتكوين عصابات من الرعاع تشغل المصلين بهذه الأحكام ٬ وتثير بينهم الفتن!! أما سياسة الحكم والمال فعلاقة الفقه بها مقطوعة.

لقد أخطأنا خلال القرون الأخيرة أخطاء جسيمة دفعنا ثمنها تهويد وتنصير وتمجيس أقطار واسعة من عالمنا العريض ٬ ومطلوب منا الآن أن ندفع أكثر.

شرط الإسلام الأكبر أن يكون المسلمون أحرارا ولا مكان فيهم للطغاة ولا للعبيد ٬ فلا تزجوا بالإسلام فى خلافاتكم.. وحاولوا أن ترتفعوا إليه ٬ بدل أن تنزلوه إليكم!

مع الاستبداد السياسى تضطرب موازين العدالة ٬ وتختل أعمال القضاء! خصوص عندما يتصل الأمر بشخص الحاكم أو أسرته أو أتباعه أو أسلوبه فى الحكم.

وكم من أبرياء ظلموا بلا ذنب ٬ وحكم عليهم بلا قضاة ٬ وسجنوا بلا جريمة بل كم من شهداء قتلوا ودفنوا سرا لأنهم أبوا أن يعترفوا اعترافات كاذبة على أبرياء. وليست سورية وحدها التى حرمت حقوق الإنسان ٬ بل إن بعض البلاد توهمت أن الثورة هى أن تثور على العدالة وتثور على القانون ٬ وتثور على مبادئ الأخلاق ٬ وتثور على كل حق من حقوق الإنسان.

وإذا وجب على الأمم أن تعتبر بماضيها ٬ فالأمة الإسلامية أولى أمم الأرض بأن تحتاط ضد الاستبداد السياسى ٬ وأن تمنعه من قتل مستقبلها بعد ما أسقم ماضيها وعرقل خطوها وشل رسالتها.

ليست هناك تعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...