بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، أغسطس 22، 2012

رسائل إلى الرئيس 6 - الستينيات و ما أدراك ما الستينيات !!

 استوقفتني كلمة قالها الرئيس في خطاب التحرير..فذهب كل  ليفسرها ثم يتعجب لها أو منها، كل وفق ما أراد. سنعرض وجهتي النظر فلكل زمن و فترة حكم مزايا و عيوب و لا يوجد حاكم عادل أو ظالم مائة بالمئة، لكني اعتقد أنه يقصد التالي و هذا أول ما جاء في ظني.  سنعتبرها رسالة إلى الرئيس و الشعب لنذكرهما بالستينيات ما لها و ما عليها لئلا تتكرر:


" … وشعرت بدموعي تنسكب تحت جنح الظلام والصمت ، كنت أشعر بحرقة الظلم القاهر ، وأشعر أن الإنتقام الذي حاق بنا فوق ما يتصوره عقل ، ولم يكن هناك مبرر لما اتخذوه ضدنا من إجراءات عنيفة ، ولا لما نعامل به من إهمال غريب ولم نستطع الوضوء ؛ لأن كمية الماء المتوفرة لدينا تكفي بالكاد للشرب ، ولهذا أشار علينا أحد الإخوة بالاستعاضة بالتيمم عن الوضوء ، وكانت أصوات الأئمة المصلين تنبعث في عرض العنبر داخل جميع الزنازين في خضوع وخشوع ، وكانت كلمة " آمين " أثناء قنوت الصلاة تتردد عالية قوية في إلحاح … " 

" لا أريد أن أطيل في وصف المكان والناس والإجراءات ، حسبي أن أشير إلى الأجساد العارية التي مزقتها السياط ، والتى تنزف دما ، وإلى أصوات الاستغاثة والبكاء والدموع والضراعات والاسترحام ... وإلى المربوطين في " العرائس الخشبية " ، وإلى المغشي عليهم فوق الرمال الصفراء ، وإلى الأسئلة التى يلقيها المحققون والأجوبة التى يخرجها المتهمون .  ( 1 ) 

" ... وجاء وقت العشاء ، فذهبنا وكل واحد معه طبقه ، والعسكر يوزعون ضربات السياط هنا وهناك ، كان العشاء فاصوليا مطبوخة ، ويجب أن يمسك المعتقل بالطبق جيدا لأنه لو سقط منه فستكون كارثة ... حدث أن الأخ محمد خليل الطويل ـــ وهو طالب بكلية طب عين شمس ــ كان يجري ذات مرة وبيده طبق العدس ، فسقط الطبق وانقلب ما فيه على الأرض ، فوقف حائرا لا يدري ماذا يفعل ، وأتى العسكري مسرعا وهوى بالسوط على رأسه قائلا : 
- اجلس ، والحس العدس بلسانك ... كالكلب ...
تباطأ محمد قليلا ، لكن توالي السياط جعله يقعي على ركبتيه ورجليه ، ثم ينكس رأسه ويلعق العدس ممزوجا بالتراب ... حتى أصبحت الأرض نظيفة تماما ، ثم وقف . وقال العسكري وهو يضحك : 
- شبعت ؟ 
قال محمد وهو يؤدي التحية العسكرية ــ حسب الأوامر ــ ويضرب قدميه الحافيتين إحداهما بالأخرى :
- الحمد لله يافندم (2 )

" علقوني وجهزوني للجلاد . . ! ! وشمر صفوت الروبي عن ساعده ، ورفع سوطه وأخذ في تنفيذ أمر مولاه شمس ! ! خمسمائة جلدة . . وأنا أستغيث ضارعة : "يا الله ، يا الله " و شمس بدران يقول : "أين هو الله ؟!" الذي تنادينه ، فلينفعك إن كان موجوداً ! . . ثم أخذ بلسانه يتطاول على جلال الله سبحانه ، مما تأبى ألسنة المؤمنين أن تتفوه والتلفظ به ؟ ولو كان إعادة لما قاله الفاجر الكافر .
وتم الجلد . وأنزلوني من التعليقة وأوقفوني والدم ينزف من قدمي . . وأمرني بدران أن أؤدي حركة "محلك سر" مدعيا أن هذا علاج لقدمي! ! . وبعد فترة أسندت ظهري إلى الحائط ، ثم جلست من شدة العناء، فجذبني صفوت بغلظة، ولم أستطع الوقوف فهويت على الأرض . . وهنا جاء حمزة البسيوني وحش السجن الحربي، وقال : إنها تمثل يا باشا! ! . . وأغمى على، وتنبهت على الطبيب الذي أعطاني حقنة في ذراعي وأمر لي بكوب من عصير الليمون واسقوني إياه . . قال شمس بدران : هيا ! لن ينفعك العناد . . نفذي ما نريد وإلا علقناك ثانيا. وثالثا . ورابعا . ومائة مرة . . لا يخطر على بالك أبدا أننا عاجزون عن انتزاع ما نريده منك . . إننا نعطيك الفرصة فقط. مفهوم ؟!! من يمنعنا عن دفنك وأنت حية؟إ!
فقلت : يفعل الله ما يشاء ويختار، وله الحمد حتى يرضى . فقال في غيظ وضيق : لا تكلميني بهذه اللغة وهذا الأسلوب.
ثم أخرج ورقا وقلما واستأنف حديثه أو نصائحه : خذها يا صفوت إلى المستشفى ودعها تكتب كل ما تعرفه عن الإخوان . . وجاء صفوت ، ومعه جنديان ليأخذاني إلى مكتب شمس بدران وبنفس الطريقة السابقة قطعت الطريق سيرا على قدمي مع الوقوف على فترات في "محلك سرا بأمر صفوت الروبي! !
ودخلت مكتب شمس بدران فنظر لي في وحشية وقسوة وهو يمزق أوراقا ويلقيها في سلة المهملات ثم قال : يا بنت الـ . . ألم يكفك كل هذا العذاب ؟! ! ماذا كتبت ؟ كلام فارغ . . أجلدها مرة أخرى يا حمزة!
فقال حمزة البسيوني وحسن خليل : سنعيدها للكلاب أحسن يا باشا، فقال شمس بدران في عصبية : أحضر الكلاب هنا يا صفوت ! !
أسرع صفوت وعاد ومساعده نجم بكلبين كالوحشين من مجموعة الكلاب المدربة التي كانت لي معها سابقة في اليوم الأول من أيام "باستيل مصر" . . السجن الحربي . . وقال شمس بدران : أطلق عليها الكلاب يا صفوت ! !
وهجم على الوحشان ، فأغمضت عيني . وأنا أقول : حسبي الله ونعم الوكيل ، اللهم اكفني السوء بما شئت وكيف شئت . وظل الكلبان ينهشان جسمي كله بأنيابهما ويشعلان فيه نارا موقدة. . و شمس بدران لا يكف عن سبابه يا بنت الـ. .
 ويبدو أن شمس بدران قد شعر بأن لا جدوى من الكلاب فصرخ في صفوت ، وجسمه كله يهتز من الثورة : اصرف الكلاب يا صفوت ، وجهز بنت الـ . . للجلد ! واستدعوا الطبيب ، فحضر ثم فحصني وقال لشمس بدران : إذا سمح الباشا يؤجل جلدها اليوم فحالتها "لا تتحمل " . . لقد كان العذاب فوق ما أحتمل ، وأغمى على ولم أفق إلا وأنا في المستشفى! !" (3)
____________________________
 (1) ( اللمحات 3 / 9).  د/ نجيب الكيلاني 
(2) ( اللمحات 2 / 225)   د/ نجيب الكيلاني 
(3)   كتاب ايام من حياتى .  مذكرات زينب الغـزالي 

ليست هناك تعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...