بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، فبراير 05، 2012

قرأت لك: موقعة بور سعيد والأمانة التى يخشى مجلس الشعب حملها

مقالة: الدكتور محمد محسوب يكتب (موقعة بور سعيد والأمانة التى يخشى مجلس الشعب حملها )
كان ميلاد المصطفى، صلى الله عليه وسلم، إيذانا بنهاية عصر التعبد لغير الله، سواء عبادة أوثان أو تعبد لطغيان أو اتباع لصاحب فكر دون تفكر أو اقتياد لمرشد دون تأمل.

وكان مبعثه صلى الله عليه وسلم برسالة خالدة واضحة قويمة إعلانا بانتهاء سياسة المفاوضة على المبادئ والمساومة على الحقوق، فلم يقبل صفقة قريش بأن يكون عليهم ملكا مقابل أن يخفف من دعوته، والتفت عن كل مساوماتهم حتى لو وضعوا الشمس عن يمينه والقمر عن يساره.

وإذا كنا نشدد على ألا نخلط الشأن الدعوى بالسياسى، فإننا نؤكد على أن القيم الأخلاقية يجب أن تكون أساسا للأداء السياسى ومرجعا عند مواجهة الملمات.

ولا يمكن أن تحصى الأزمات التى داهمتنا والتى سنقع فيها لو لم نسلك الطريق القويم الواضح لنقل السلطة والتحول الديمقراطى الذى تعارفت عليه الأمم وسلكته شعوب الأرض التى كانت فى حالة كحالتنا دون أن نخترع طبخة غير مقبولة تختلط فيها المصالح الدونية والشخصية والفئوية والحزبية مع إجراءات نقل السلطة، بحيث تجد خلف كل إجراء مصلحة لشخص ما أو لحزب ما أو لجهة ما.

فقد آثر المولى جل وعلا أن يقرن قيمة الأمانة بطريقة الحكم وقيمة العدل عندما يوجه الناس إلى اتباع الطريق القويم، فقال: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظم به».

وماذا يعنى أداء الأمانة إلى أهلها فى مجال السياسة إن لم تكن أن تتمسك الأغلبية البرلمانية بتشكيل حكومة وتطبيق برنامجهم الذى على أساسه خاطبوا الناخبين وحصدوا أصواتهم؟ فهم لم يخاطبوا الناس فى دعايتهم الانتخابية تحت عنوان أعطونا أصواتكم لنراقب حكومة عينها المجلس العسكرى، وإنما خاطبوهم بأن أعطونا أصواتكم لنخرجكم مما أنتم فيه، ولنحسن تعليمكم ونرفع مستوى صحتكم ونزيد فى مستوى معاشكم، غير أنهم ما إن حصدوا أصواتهم حتى فضلوا «الزعيق» فى قاعة المجلس العتيق على تبوء دور الحكومة التنفيذية وبذل جهدهم لإدارة العمل التنفيذى تحت رقابة المجلس النيابى.

لا يمكن أن تكون الأمانة أن تأخذ صوتى مقابل خدمة خاصة، ثم عندما تفوز بأغلبية تستمر فى تأدية الخدمات الخاصة لى، لا أن تحول الخدمات الخاصة إلى عمل عام لخدمة كل المجتمع، ليتحقق مبدأ «أنا كفيل من لا كفيل له» و«أنا راعى من لا راعى له»، لتقوم الدولة على الكفاية وتحمل أعباء المجتمع، وحتى نتوقف عن صناعة مجتمع الصدقات الذى نعوّد فيه شعبنا على أن يمد يده لتبرع من هذا أو حسنة من ذاك، ليعلم أن ما تقدمه الدولة من خدمات هو حق له، بينما ما تقدمه أحزاب أو جماعات من صدقات فهو إهدار لكرامته وإضعاف لدولته وإعراض عن أداء الأمانة وحملها.

كل روح سقطت فى ساحات التحرير أو مجلس الوزراء أو فى بورسعيد أو على الدائرى أو فى الأرياف أو الحواضر هى معلقة فى رقبة مجلس الشعب منذ لحظة انعقاده فى 23 يناير، لأن الناس حمّلته مهمة قيادته لا تمثيله فى معارضة المجلس العسكرى وحكومته، فالناس قادرة على المعارضة بأفضل مما يعارض هذا المجلس، وصوتها أكثر أثرا وأعلى قيمة، فتمسك الناس فى محمد محمود هو ما حدد توقيتات انتقال السلطة، وهو إنجاز تم فى ثلاثة أيام لم يحقق مثله المجلس فى أسبوعين.

نحن أمام دولتين، دولة باقية صنعتها الثورة، ودولة فانية تنتمى للنظام السابق، وتنتمى لها الحكومة القائمة بعقليتها وأدائها وولائها وتاريخها، فهى فى كل تصريح لا تفتأ تبرئ النظام السابق من أى اتهام، فأموال المعاشات محفوظة، والنهب الذى يقال عنه هو كلام جرائد، والثوار دماؤهم ثمنها التعويض، والخلاف على قيمته وليس على حقيقته.

وجهاز الأمن الذى ولاؤه للنظام السابق لا يحمل إلا رغبة فى الانتقام من الثوار ودولتهم، انتقام بحياديته وانتقام بإيجابيته، ففرق الموت المنظم تحركها فلول من أجهزة الأمن، بينما تفتح لها الطريق جماعات الأمن التى تقبض من أموالنا لتستمتع بمشاهدة زملائهم وهم يقذفون أولادنا من قمة المدرجات أو يذبحونهم من الوريد أو يقتلونهم بالرصاص أو يخطفون أبصارهم بالخرطوش أو يحرقون تاريخهم فى المجمع العلمى.

سقطت أكذوبة أن الثوار أو بعضهم يحرق البلد أو يضمر ذلك، فلم يكن الثوار فى مباراة بورسعيد بينما المجزرة كانت مدوية، وعندما يختلف الثوار مع بعضهم لا يسقط شهيد واحد كما جرى أمام البرلمان، وعندما يتجمعون بمئات الآلاف يستتب الأمن ويختفى البلطجية.
نحن أمام دولتين، دولة تنهض ودولة تغيب لكنها تحاول أن تأخذنا معها وأن تجرنا إلى الهاوية التى تسقط فيها، ولا يخرجنا من ذلك إلا أن يقوم المجلس الوحيد المنتخب بواجباته وبأمانة الأصوات التى حصدها، وأن يتصدى لتكوين حكومة تنفيذية يسائلها إن أخطأت ويسقطها إن فشلت ويصفق لها عندما تنجح، حكومة تنزل على تشريعاته وتجتهد لتكسب رضاه، وليست حكومة تستخف به ولا تضع فى اعتبارها إلا مجلسا آخر عينها وتحسب أنه ولى نعمتها.

المجلس المنتخب عليه أن يأخذ بيده إدارة المرحلة الانتقالية، فنحن لسنا أمام معضلة نصوص دستورية أو عوائق تشريعية، نحن أمام مصير لبلد عظيم يتهدده اللصوص وجماعات القتل لينتقموا منه لأنه تجرأ وثار على فسادهم وأسقط نظامهم، بلد راهن الجميع أنه سيقتل بعضه إذا جرت انتخابات وسيحرق بلده إذا نزل مطالبا بتحقيق أهداف الثورة فى عيدها الأول، فإذا بالقتل يقع على أبنائه وهم يستمتعون بمباراة كرة قدم فى مدينة المقاومة الباسلة.

رسالة واضحة تقول لنا سنقتلكم حتى فى دار المقاومة وأنتم غير قادرين على إدارة أنفسكم وتعجزون عن الإمساك بدفة الأمور.

الدكتور/محمد محسوب عضو الهيئة العليا لحزب الوسط
 السبت، 4 فبراير 2012

ليست هناك تعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...