بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، ديسمبر 24، 2011

هؤلاء لا يؤمنون بالثورة...وأولئك لا يؤمنون أيضا


يعنُّ للبعض أن يتهم فريقا أنه لا يؤمن بالثورة وأنه إنما يعتبرها مجرد احتجاجات لا تسعى لأكثر من إصلاحات محدودة في النظام السياسي للبلاد ؛ ونود أن نطرح المشكلة من وجهة نظرنا كما يلي:
أولا: لم يعد خفيا أن المجلس العسكري نظر للثورة منذ البداية باعتبارها احتجاجات على التوريث ورغبة في إحداث تعديل في قمة هرم السلطة ، دون إحداث تغيرات عميقة بجوهر النظام السياسي.

ومن ثم عمد المجلس منذ البداية إلى طرح فكرة تعديل عدة مواد من دستور 71 ، ثم أهدر قيمة الاستفتاء على تلك التعديلات فأسقط الدستور كلية ، وأصدر إعلانا دستوريا لم يستحدث جديدا فيه سوى خلق دور جوهري للمجلس العسكري في النظام السياسي للمرحلة الانتقالية ؛ فعدّل حكم المادة 189 من المواد المستفتى على تعديلها ، والتي أضحت المادة 60 بالإعلان الدستوري ، مسندا لنفسه مهمة دعوة مجلسي الشعب والشورى لأول اجتماع لهما بعد انتخابهما بقصد تأسيس الجمعية التأسيسية.

وكان ذلك بمثابة إفصاح عن رغبته في أن يكون جزءا من النظام السياسي بخلاف ما سعى إليه الثوار من إنشاء نظام سياسي رومانسي يتسم بالمدنية وحرية تداول السلطة وعدم وجود أية وصاية من أي طرف أو مؤسسة على النظام السياسي.
وتبدو الاحتكاكات المستمرة في الشارع بين الثوار والمجلس تعبير عن هذا التناقض بين الطرفين في الرؤى والآمال ، فالثوار يطمحون لنظام سياسي مختلف تماما عن النظام السابق ، والمجلس يعمل على ترميم النظام السابق دون التفريط في بنيته العامة.
ثانيا: كذلك فإن القوى السياسية التي تتنافس على اقتسام الكعكة السياسية ، خصوصا ذات الاتجاه الديني أو تلك الليبرالية الراديكالية ، أبدت في أكثر من مرحلة عدم يقينها بأن ثورة 25 يناير هي ثورة حقيقية مما يفسر عدم تجاوب تلك الاحزاب والقوى مع مطالب وآمال الثورة ، ويجعلنا أمام ذات لغة الخطاب رغم اختلاف الفريقين بين اتجاه ديني وآخر ليبرالي.
ثالثا: فإذا كانت مواقف بعض التيارات الدينية تتسم بالصراحة الشديدة في نقدها للثورة كخروج عن النظام السياسي الذي كان سائدا على أساس رؤية شرعية تتبناها وتتماشى مع أدبياتها.

بينما أن اتجاها آخر ، ويمثله الأخوان المسلمون ، انضم للثورة وإن في توقيت لاحق لبدايتها ؛ غير إن الثورة لم تنعكس تغيرا في الرؤى السياسية والاجتماعية والاقتصادية لدى أي من الطرفين.

فظل الطرفان يرونها مجرد عملية احتجاج واسعة ، بغض النظر عن الرؤية الشرعية للثورة كفعل اجتماعي ، بما سمح لهما الاندماج في العمل السياسي والمشاركة في الانتخابات بكل طاقتهما ليصبحا أهم المستفيدين من الثورة التي وفرت الظروف لإجراء انتخابات حرة دون تدخل السلطة ضد أي منهما.

لكن تلك المشاركة في جني ثمار الثورة لا تعكس إيمانا من أي منهما بأن الثورة حالة دائمة تسعى لإحداث تغيرات عميقة في هيكل الدولة ونظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي ؛ وهو ما يؤكده أن التيارين جعلا الانتخابات العامة هدفا وحيدا للعمل السياسي ، متجاوزين الحاجة للتوافق مع باقي القوى والفصائل وأخصهم الثوار على شكل الدولة ومستقبل البلاد بما يحقق أهداف تلك الثورة وطموحات الثوار الذي ما ضحوا بأرواحهم إلا لتحقيق تطلعاتهم.
 
ومن مظاهر عدم الإيمان بأن ثورة وقعت لدى هذا الفريق بشقيه ، أنه استمسك بآليات عمله خلال النظام الفائت ، سواء آلياته الانتخابية أو باستغلال روح التدين الفاقد للدراية لتحقيق مكاسب آنية دون دفاع عن أهداف الثورة خلال حملته الانتخابية ، والتي يراها مجرد مرحلة لبسط نفوذه ولإظهار قدرته الاجتماعية في تحقيق المكاسب الانتخابية.
وكان ذلك الموقف تتويجا للسلوك السائد لهذا الطرف خلال المرحلة الانتقالية من رفض التواصل مع الآخر حول شكل الدولة أو والمبادئ والحقوق والحريات الأساسية ؛ واستمسك هذا الفريق بإرادة الأمة (قاصدا الإرادة الانتخابية) كطريق للفصل في تلك الأمور ، وهو ما يشكل انقلابا على مفهوم الثورة التي لم تحدث بعد اقتراع عام أو الحصول على موافقة أغلبية المجتمع على حصولها من عدمه.
 
كذلك ، فإن الرؤية الاقتصادية لهذا الفريق ، لا تختلف كثيرا عما تبناه النظام السابق ، حتى أعلن أحد أهم اقتصاديي جماعة الإخوان أن قرارات رشيد وزير الاقتصاد في النظام السابق لم يكن عليها غبار ؛ متجاوزا بذلك ما عبرت عنه الثورة من الحاجة لإحداث تغيرات عميقة بالسياسات الاقتصادية للبلاد باعتبار أن الاقتصاد ليس كتلة من السياسات المحايدة وإنما هي سياسات تعبر عن حاجات وتطلعات مجتمع في لحظة تاريخة ما.
 
رابعا: أما التيارات الليبرالية الراديكالية ، فإن عدم إيمانها بالثورة لا يقل بحال عن عدم إيمان الآخرين بها ، فهي لا تطرح رؤى واضحة لما يجب أن يكون عليه المجتمع والدولة بعد الثورة سوى سعيها القديم والمتواصل لاقصاء تيار الإسلام السياسي ، سواء فيما طرحته من اقتراحات لوثائق دستورية أو فيما ثبت من سلوكياتها أثناء العملية الانتخابية.
 
فاستندت تلك القوى في بناء تنظيمها الحزبي على ذات اللتناقضات التي استند عليها النظام السابق واستند عليها التيار الديني ؛ فمن ناحية لم يتورع هؤلاء عن الاستعانة برموز من النظام القديم لإنجاز الهيكل التنظيمي لأحزابهم ، طالما توافقوا على العداء مع الإسلام السياسي.

ومن ناحية أخرى لم يتوان هذا التيار عن استخدام المالي السياسي بكثافة ، استغلالا للمآسي الاجتماعية التي يعاني منها جزء كبير من المجتمع ؛ وهو يتفق في ذلك مع التيارات الدينية ، فهذا يستغل حاجة الناس للإشباع الروحي دون إدراك ، وذاك يستغل حاجة جزء مهم من المجتمع لإشباع حاجاته المادية البسيطة ؛ والطرفان يخالفان بذلك جوهر دعوتهما اللتين تزعمان السعي للرقي بالمجتمع ليصبح قادرا على الاختيار بحرية ووعي.
 
لكن الأنكى من ذلك أن التيار الليبرالي الراديكالي لم يترك للتيار الديني انفراده بالدين كوسيلة لمخاطبة العاطفة الدينية غير الواعية للمجتمع ، بل تبنى كوكتيل غريب من عناصر دينية جاذبة لمختلف الفئات الاجدتماعية ، مظهرا ذكاء يُحسد عليه.

فمن ناحية قبل تأييد بعض الجهات الكنسية له ؛ ومن ناحية أخرى أشاع أنه لا يعارض بقاء المادة الثانية خلافا لم يستمسك به في الغرف المغلقة ، سواء من استبعاد تام لتلك المادة أو لإعادة تركيبها أو تفسيرها بما يفرغها من مناها.
خامسا: وبين قوى السلطة وقوى الأحزاب الدينية والأحزاب الليبرالية الراديكالية ، فإن تطلعات الشعب بعد الثورة أضحت أشد خفوتا ؛ وتراجعت آمال الناس لتصل لحد استجداء العودة لأوضاع ما قبل الثورة.

وهو ما يشير إلى أن القوى التي تركب العمل السياسي وتسيطر على المشهد استطاعت ، لعدم إيمانها بالثورة ، أن تقتل التطلعات الكبرى التي صاحبت الثورة وتبعت إسقاط للنظام.

وبقى الرومانسيون والمؤمنون بأن ثورة حدثت يتمسكون بأهداب ما تبقى من زخم ثوري ، ويحاولون التوفيق بين تلك الاتجاهات الثلاثة التي تسيطر على المشهد ، ويطرحون عليهم حلولا يمكن أن تحقق الحد الأدنى لما قامت الثورة من أجله ؛ غير إن هذا الحد الأدنى ذاته لا ترغب هذه الاتجاهات الكبيرة في حجمها وتأثيرها والصغيرة جدا في أحلامها وطموحها ، أن تنصت له أو تحاول أن تتعاون في إنجازه.

ودعونا نراقب المشهد معا لنرى .. ربما خاب ظني ..
 
 

ليست هناك تعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...