بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، ديسمبر 05، 2011

رؤية حزب الوسط للرعاية الصحية


عند معالجة أية مشكلة يكون التشخيص الدقيق هو أهم مفاتيح التوصل إلى حل لها، ذلك لأن التشخيص الخاطئ يؤدى بالضرورة لتعقيد المشكلة. ويصدق ذلك على توجهات الحكومة بشأن تطوير نظام التأمين الصحى. فالرؤية التى تقدمها الحكومة والمنهج الحاكم لها يعالجان مشكلة ليست موجودة أصلا فى مصر بينما تظل أغلب المشكلات الحقيقية بلا حل الأمر الذى يعقد من تلك المشكلات ويؤدى لتفاقمها. فالعلاج الخاطى لايؤدى فقط للإضرار بصحة "المريض" وانما يؤدى أيضا إلى خلق أعراض جانبية نحن فى غنى عنها.
فالرؤية المطروحة تقوم فى جوهرها على منهج الفصل بين الممول ومقدم الخدمة. "فالهيئة العامة للتأمين الصحى" هى "الممول" الذى يجمع الاشتراكات وغيرها من موارد تمويل التأمين الصحى، ومهمتها الأساسية هى التعاقد مع مقدمى الخدمة الذين يتقاضون من الهيئة مقابل توفيرهم الخدمة للمواطنين.

ومنهج الفصل بين الممول ومقدم الخدمة متبع فى عدد من الدول الغربية التى تعانى من ارتفاع عظيم فى تكاليف العلاج يفوق مايمكن أن تفى به ميزانية التأمين الصحى. غير أن هذه ليست المشكلة التى تعانى منها الرعاية الصحية فى مصر! صحيح أن مشكلات الرعاية الصحية فى مصر كثيرة ومعقدة لكن ليس من بينها فى الواقع ارتفاع التكاليف على نحو يعرض صندوق التأمين الصحى للإفلاس!

 أما ماتعانيه الرعاية الصحية فى مصر فهو يتمثل فى انهيار الخدمات الصحية المقدمة عبر التأمين الصحى خصوصا للفقراء، وغياب الحد الأدنى من الرعاية الصحية فى المستشفيات العامة. وتتمثل أزمة الرعاية الصحية أيضا فى ارتفاع مذهل فى أسعار الأدوية على نحو تعانى منه الطبقة الوسطى والدنيا. وإضافة لكل ذلك هناك نقص واضح فى نسبة الممرضين إلى مجموع السكان وإلى مجموع الأطباء فضلا عن انهيار فى مستوى كفاءة كل أطراف الفريق الطبى (الطبيب- الممرض- التقنيون من مستخدمى الأجهزة الطبية- المستشفى).

بعبارة أخرى فإن المنهج الحكومى يعالج مشكلة للرعاية الصحية لاتعانى منها مصر ولايعالج المشكلات القائمة. فهو منهج يفترض أن خفض التكاليف سوف يتحقق لأن الممول يضع سقفا للإنفاق يلزم به مقدم الخدمة. ولأن مقدم الخدمة يتنافس مع غيره على التعاقد مع الهيئة فإن تلك المنافسة ستؤدى بدورها لرفع الجودة فيتحقق هدفان معا هما خفض التكلفة ورفع الجودة.

لكن أحد العيوب المعروفة لهذا المنهج هو أنه فى سعيه لخفض التكاليف يؤدى لانهيار الخدمة الصحية وليس العكس. فلأن هذا النظام يدار وفق عقلية السوق فإن الممول حين يضع سقفا لما يمكن أن ينفقه مقدم الخدمة لعلاج المنتفع ويلزمه به فإنه يدفعه لأن يسعى -حتى يحقق لنفسه هامشا من الربح -إلى تقليل الخدمات التى يقدمها للمشترك إلى حدها الأدنى. فقد يكون العلاج مثلا فى عقاقير أو إجراء عملية جراحية تلتهم كل المبلغ المخصص لعلاج ذلك المريض أو أكثر قليلا فيقرر مقدم الخدمة بمنطق السوق علاجا أقل تكلفة يحقق نصف النتيجة العلاجية حتى يرفع من هامش ربحه. فبدلا من أن يكون القرار طبيا فإنه يتحول إلى قرار اقتصادى ويتحول العلاج إلى سلعة.

بعبارة أخرى، يؤدى تبنى هذا المنهج إلى تخفيض تكاليف التأمين الصحى التى لم تكن هى المشكلة أصلا ويفاقم من أزمة الجودة – التى هى إحدى المشكلات- عبر إضافة اعتبارات المكسب إليها.


وبناء على ماتقدم، يرفض المؤسسون الرؤية الحكومية ويتبنون رؤية مختلفة نوجزها فيما يلى:



إن الإنسان هو الثروة الأولى التى تمتلكها مصر. غير أنه لايجوز أن نتوقع من الإنسان المصرى أن يسهم بشكل فاعل فى تحقيق التنمية ولا القيام بواجباته دون أن يحصل على حقوقه الأساسية التى تضمن له حياة كريمة من ناحية وتمكنه من العطاء من ناحية أخرى. ويقع الحق فى التعليم والرعاية الصحية- كما سبقت الإشارة- فى القلب من تلك الحقوق الأساسية غير القابلة للمساومة.

ومن هنا يتحتم أن تمتد مظلة التأمين الصحى لتشمل كل مواطن مصرى وهو مايعنى بالضرورة أن يكون التأمين الصحى إجباريا، بمعنى أن يشترك فيه كل المواطنين، الأصحاء والمرضى على السواء.

ولايمكن تحقيق هذا الهدف إلا من خلال دور الدولة. فآليات السوق لايمكنها القيام بهذه المهمة لأن اعتبارات السوق من شأنها أن تحرم أصحاب الأمراض المزمنة ممن لايملكون تأمينا صحيا من الحصول على مثل ذلك التأمين. ولايمكن لآليات السوق أيضا أن تجبر الأصحاء على الاشتراك فى التأمين الصحى. واشتراك الأصحاء شرط ضرورى للتكافل الذى هو جوهر أية عملية للتأمين الاجتماعى. وعلى ذلك فإن التأمين الإجبارى فضلا عن أنه يمثل استثمارا فى البشر له مردود إيجابى على عملية التنمية برمتها فهو أيضا أهم سبل خفض الإنفاق على الرعاية الصحية عموما.

ومن هنا يرى المؤسسون ضرورة مد مظلة التأمين لتشمل كل مواطن فى مصر وذلك عبر إلزام صاحب العمل بتوفير التأمين الصحى لعامليه عبر النظام المتعارف عليه والقائم على حصة يدفعها العامل وحصة يدفعها صاحب العمل، ودعم البرنامج الصحى الحكومى ومد مظلته لتشمل العاملين بالأجر اليومى والعاطلين عن العمل الذين يدفعون اشتراكات رمزية عند طلب الخدمة.

وفى بلد يعيش أكثر من ثلث سكانه تحت خط الفقر، ليس لنا أن نحلم بنهضة تنموية حقيقية دون بشر أصحاء قادرين على العطاء. ومعنى ذلك أنه يتحتم رفع النسبة المخصصة للرعاية الصحية فى الموازنة العامة للدولة وليس خفضها بشكل مطرد كما هو الحال فى الوقت الراهن. وينبغى أن يوجه الانفاق العام إلى القنوات التالية على أن يراعى فيه عدالة التوزيع على المناطق الجغرافية المختلفة.

1- دعم الرعاية الصحية الأولية الأساسية والوقائية خصوصا فى المناطق العشوائية والفقيرة فضلا عن الريف.

2- إعادة الاعتبار لوظيفة الممارس العام. فيمكن الاستثمار فى جيوش شباب الأطباء الذين يعانون البطالة عبر رفع أجورهم بشكل معقول وتشجيعهم على مهنة الممارس العام فى الوحدات الصحية والمستوصفات فى كل بقاع الجمهورية.

3- تطوير المستشفيات العامة ومستشفيات التأمين الصحى وتمويلها.

4- زيادة عدد معاهد التمريض والعمل على إعادة الاعتبار لتلك المهنة فى الثقافة العامة فضلا عن رفع أجور المنتمين للمهنة، بمايضمن لهم حياة كريمة.

5- الاهتمام برفع كفاءة التقنيين وفنيى الأجهزة الطبية وتوجيه جزء من الميزانية لذلك الغرض.

6- تقديم الدعم لشركات الأدوية المصرية وتشجيع البحث العلمى فى مجال الدواء فى مصر. إذ لايجوز مع تزايد نسبة الفقر بين المواطنين أن يتم خصخصة قطاع حيوى كقطاع الدواء وفتح الباب على مصراعيه أمام شركات الأدوية الأجنبية العملاقة دون أن يكون هناك على الأقل منتج مصرى معقول التكلفة يلجأ إليه محدودو الدخل وهو مالايتأتى دون توفير الدعم المالى الحكومى لشركات الأدوية المصرية حتى تستطيع البقاء فى السوق.

7- الاهتمام بتطوير أداء قطاع الإسعاف بكافة عناصره وأقسام الطوارئ بالمستشفيات العامة، هذا فضلا عن إصدار تشريع يضع أمام المستشفيات الخاصة بديلين للاختيار بينهما إما علاج حالات الطوارئ التى ترد إليها بغض النظر عن قدرة المريض على دفع التكلفة، وبين دفع ضريبة يحدد القانون نسبتها عن كل حالة ترفض المستشفى استقبالها.

ليست هناك تعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...