بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، أبريل 07، 2011

قليل من الكذب قد يصلح الرأي العام

صورة التقطتها من تليفزيون القذافي
جرحى للتصوير:
بعد ساعات من القذف الجوي، أحضر تليفزيون القذافي صورا لجرحى و جثثا لمصابين بطلقات رصاص و قال أنهم بسبب القصف الجوي! ثم ادعاءات بوجود جثث و بعضها متفحم في أماكن القصف. ثم قيل أنها كانت مسروقة من المشافي للثوار و و ضعت بعد القصف. ثم بعد يومين، عرض تسجيلا في مستشفى مع جرحى قال أنهم تعرضوا لقصف جوي لقوات التحالف من ساعتين. لدى معظمهم  جراحات و كسور بالفخذ و الساق أي أنهم نزفوا دما يتعدى اللتر و النصف لكن معظمهم  بدون أي محاليل أو دم و وجهم نضر و يهتفون بقوة في سريرهم (ما شاء الله) بعد الخروج من العملية. الشاش الأبيض النظيف كان يلف رأس أو قدم بعضهم بطريقة مضحكة ليؤكد أنهم غير مصابين و أن المخرج و ليس الممرض أو الطبيب هو من قام بهذه اللفة. كان باقي الوجه أو الجسد سليما تماما دون أي خدش و هذا يتنافي مع طبيعة التعرض للقصف الجوي و ما قد يشوبه من إصابات مختلفة (القصف اختار سنتيمترا معينا من جسد المصاب مثلا!). بعض أجهزة ضخ المحاليل بدون (كانيولا cannula - ) مثبتة مثل الأفلام على الجلد أو أنهم ربما وضعوا المحلول بسن (الإبرة) لمريض طواريء و خارج من العملية الجراحية و ربما يصاب بصدمة (shock)  يحتاج لاثنين (كانيولا) كبيرة الحجم على الأقل! بعض الجروح بها غرز يبدو أنه مر عليها أكثر من يوم و يقول أن هذا القصف من ساعتين. هناك مريض خارج من العمليات بتثبيت خارجي External fixation) ) و صحته جيدة جدا و ابنه معاه يهتف بالرغم من أصابته أيضا و بجوارهما عكاز! (القصف كان 8 مساءا، التصوير كان 10 أو 11 مساءا، العملية استغرقت كام ساعة؟ و العكاز جاهز من الآن؟). هذا التحليل البسيط كان يجب أن يقوم به أي طبيب صغير جراح أو طب شرعي ببساطة لأي قناة. و للدقة و الأمانة العلمية؛ هذه ملاحظات مبدئية افتراضية سريعة عبر الشاشة و ربما يكونوا مصابين فعلا.
كيف استغل الإعلام و الصحافة و المفكرون هذه الصور؟
لأن هناك قنوات و صحف و مواقه إلكترونية لا تريد تدخل التحالف عموما اتخذت مثل هذه الصور و الأخبار ذريعة للعب بعواطف و عقول المشاهدين و القراء. و لو كانت هذه الصور حقيقية لكان أهل ليبيا الشرفاء في بني غازي هم أول من قال لا لقوات التحالف. لأن القرار واضح و ينص على حماية كل المدنيين و ليس قتل أيهم، و ينص على عدم الاحتلال باللفظ. كان هناك من المتابعين من صدق هذه الصور بسذاجة و هناك من صدقها لأنه يريد أن يصدقها. و تعالت أصوات تخوفنا بحرب العراق و مطامع البترول. كل الناس تعلم أن المجتمع الدولي لا يتدخل إلا لأسباب آخرها حماية المدنيين و أولها المصالح المتباينة. لكن أن ترتفع أصوات غارقة في نظرية المؤامرة لتقول أن القرار كان بسبب (البترول) و لكي يتم (قصف المدنيين) فقط بعد هذه الصور الكاذبة! لماذا لم يعترضوا صراحة دون هذه القصة و قبلها؟ لماذا يعترضون أصلا بالرغم من أن أهل ليبيا هم من طلبوا هذا القرار من جامعة العربية ثم مجلس الأمن؟ إن هذا خلط في الأوراق و لعب بعواطف و عقول الناس. هناك فرق بين ما حدث في العراق و ليبيا بالرغم من التوجسات و الإرث السيء للغرب الذي نعرفه جميعا.
هدأ الناس ثم بدءوا  في تحليل هذه الصور بالتزامن مع نفي مكرر من قوات التحالف لأي قصف للمدنيين ثم تراجع بعضهم عن تصديق هذه الصور. حتى أن السيد أمين عام جامعة الدول العربية اعترض و قال ( لم نتفق على هذا)، ثم عاد و غير رأيه!
بعد أيام، حدث قصف آخر راح ضحيته بعض المدنيين (عمدا أم بدون قصد) و ظهرت صور الجرحى الحقيقيين. هنا عرض تليفزيون القذافي الصور الحقيقية. و هنا عرف العالم أنه كذب في المرة الأولى و فقد مصداقيته. عاد أصحاب نظرية المؤامرة في الصحافة و الإعلام ليصبوا غضبهم على الناتو لتحدث بلبلة في عقول الناس. هل كنا مخطئين عندما هللنا لقرار الجامعة العربية ثم مجلس الأمن. ثم دخلت القنوات في حيرة مصطنعة متساءلة ما هو الحل إذن؟ و هنا سنضطر إلى الموافقة على خروجه بدون حساب! إن القذافي ألقى لكم بقصة مصابي القصف أول مرة فتلقيتموها و أشعلتم قلوب الناس  بطريقة مبالغة. ثم عدتم تتساءلون الآن! القذافي كان كالطفل الذي ادعى كذبا أنه يغرق عدة مرات، فلما جاءه الغرق للأسف لم يعره أحد انتباها. و في كل حالة، الشعب هو المظلوم بينما القذافي لا يهمه إلا مخرج آمن مثل من سبقوه دون حساب. لسنا مع و لا ضد أحد او أي قرار. لكننا مع الحقيقة و ضد الكذب.
لو أن أهل الإعلام و الصحافة لا يعرفون أثر هذه المبالغات و التعامل غير المهني لهان الأمر. لكنهم يدرسون هذه المباديء ألف باء صحافة و إعلام، و يعرفون أثرها جيدا في الحروب و على الرأي العام.

ليست هناك تعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...