بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، مارس 31، 2011

#yemen ثورية الحج ـ حجية الثورة نحو فهم وتأصيل للثورات العربية



 
ثورية الحج ـ حجية الثورة نحو فهم وتأصيل للثورات العربية

        كانت حجة الوداع إيذانا باكتمال الدين ، وتمام الإسلام الذي لم تعد ثمة حاجة لبقاء الرسول ليتلقى مزيدا من الوحي لترتيب شئون الناس ، وتنظيم حياتهم ، وإبقائها مستمرة في الخير والعدل والحرية ؛ لذا كان موته إيذانا بهذا الكمال والتمام " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " ([1]) . وفي خطبة حجة الوداع إعلان دستوري لكل القيم الإنسانية التي تكفل حق الناس في الحياة ، وتصون أعراضهم وتحفظ حقوقهم وهم يعيشون متمتعين بالعدالة والحرية والسلام :
       حرمة الدماء والأموال ، تقوى الله في النساء ، وضع الربا ، الأخوة والوحدة ، الاعتصام بكتاب الله ، وعندما شهد الناس أنه بلغ كان الرسول يرفع إصبعه السبابة إلى السماء ينكتها إلى الناس ويقول : اللهم اشهد ثلاث مرات ([2]).
        وإذا تأملنا كلمة ( الحج ) في اللغة تظهر بعض الدلالات المترابطة تنعكس فيها بعض من مناسك الحج تبتدي من الجانب الحسي وترتفع إلى المعنوي ، فالحج هو الضرب على الرأس بالحديد وتهشيمه حتى يختلط الدماغ بالدم ثم معالجة ذلك الشج حتى يلتئم ، ومنه المحجة وهي الطريق أو جادة الطريق ، ثم ترتفع الكلمة إلى معنى القصد ، حججت فلانا واعتمدته أي قصدته ، ورجل محجوج أي مقصود ، وهذا القصد إنما يكون باستمرار الحضور في المكان ، فالحج هو الاختلاف في المكان والتردد عليه ، وحججت فلانا أي أتيته مرة بعد مرة . ثم نجد الكلمة ترتفع معنويا لنرى فيها الحجة والبرهان وهو الوجه الذي يكون به الظفر والنصر عند الخصومة ([3]) .
        وإذا نظرنا إلى البنية الكلية للحج ،وتجمع الناس بأعداد كبيرة لأداء مناسكه فإن الأمر لا يبدو مشهدا يذكر بالآخرة كما في بعض التفسيرات ،وإن كان فيه قرب شديد من الله ، ولكن الأمر يتعلق بعملية تقع في الدنيا قبل الآخرة وهي عملية الجهاد ، فالحج صورة سلمية للجهاد واستمرار لبقاء شوكة الإسلام قوية ، ورايته عالية ، تزداد رسوخا وعلوا في كل سنة يأتي الناس فيها من كل فج عميق .هذا الجهاد السلمي أمر منصوص عليه في كثير من الأحاديث ، فالرسول يقول عن الحج :" هلم إلى جهاد لا شوكة فيه " ([4])كما يقول : " أفضل الجهاد حج مبرور " ([5]) وفي آخر ينص على الحسن والجمال في هذا الجهاد فيقول : " لكن أحسن الجهاد وأجمله : الحج : حج مبرور " ([6])ويقول : " من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " ([7])
        يقودنا الدم الموجود في بعض المعنى اللغوي في كلمة الحج إلى منسك التضحية بالنفس ، قبل الأضحيّة ، بأن يقدم المسلم رقبته لله تعالى طائعا منقادا كما قال نبي الله إسماعيل مستجيبا لأمر الله : " يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين " ([8]) وحين يصل المؤمن إلى هذه الدرجة من اليقين والقرب من الله ويستشعر أن تحت رقبة كل أضحية إنما هي رقبته ،  يجيء الخلاص ويجيء الفداء . فالانتقال من التضحية بالبدن إلى التضحية بالبدنة ، إنما هو انتقال من إنفاق الروح إلى إنفاق المال الذي تحيا به رقاب إنسانية فقيرة كثيرة وتتحرر من ذل المسألة والهوان . وتزداد صيانة حرية هذا البدن وكمال كرامته والحفاظ على أمانه وسلميته بإبدال كل دم يخرج منه بتضحية وذبح لله تعالى في سنة مطردة تحيي الناس وتحررهم على الدوام .
        في منسك الطواف والسعي نرى مثنى الثبات والحركة ، فالأول أمر متعلق بالدوران حول الكعبة الذي هو بقاء وارتكاز عل قيم الإيمان بالله والقرب منه ، أما الحركة فهي متمثلة في السعي بين الصفا والمروة للوصول إلى الماء ( زمزم )، وهو معنى الانتشار في المكان للوصول إلى تحقيق الأهداف ، فالطواف ليس مجرد دوران شكلي كما تجعجع الرحى ، ولكنه دوران تحته طحن ، إنه دوران وثبات حول قيمة ما للتمسك بها والبقاء عليها والنضال من أجل الوصول إليها .
        ومن المناسك التي يحمل فيها الحج معنى الثورة تحديد العدو ، وهو أمر واضح في منسك الرمي للجمرات ، التي هي رمز لكل الشرور التي يجب أن يتخلص منها المسلم والتي يكون الشيطان مصدرها ، وهذا الأمر لا يمكن أن يكون مقتصرا على الجانب المعنوي أو الخاص ، بل لا بد أن يتجلى ذلك في الواقع ، أعني الشياطين من الظلمة والطغاة والفاسدين
هكذا يمكن أن نفهم الحج آخر وأكبر ركن يكتمل به الإسلام ، ويبقى رمزا لمظاهرة سلمية سنوية تدخل الناس في دين الله أفواجا ، وتزيد عدد المسلمين ، وتقوي شوكتهم . وتظهر الناس بألبسة متشابهة وهم يواجهون هذه الشرور ويتحررون منها بصدور عارية تاركين مباهج الدنيا وجمالياتها في ثياب سلمية بيضاء يشع نورها في الأفق
 إذا نظرنا إلى الثورات الشعبية في ضوء ما تقدم من الثبات على القيمة ، والسعي نحو الهدف ، والتضحية بالنفس والمال ورمي الشيطان وإسقاط شروره ، والتوحد في المواجهة بصدور عارية . لرأينا تماثلا شديدا يجعل الأمر يتأكد من أن الحج ليس سوى ثورة سلمية لم تفهم كما ينبغي ، وأن الثورة حج كبير يعود فيه المرء كيوم ولدته أمه خاليا من الذنوب ، وحرا من الظلم والاستبداد ، ومتمتعا بالحرية والكرامة ، وهذه العودة كيوم ولدته أمه ليست مجرد خلو من الذنوب حسب ، ولكنها خلو من العبودية والظلم في المقام الأول فالإنسان يولد خاليا من الذنوب وهذا أمر بدهي ومنطقي ، ولكنه في الحقيقة يولد حرا كريما وهو الأمر الذي أشار إليه الخليفة عمر بن الخطاب في قولته الشهيرة في موقف من مواقف الظلم : " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا "
        كان الناس يخرجون إلى مكان في الفضاء يقع غالبا في وسط المدينة كما تقع الكعبة والحرم تماما ، في ساحات التحرير في البلدان العربية في تونس ومصر واليمن ... وعندما سيطر شياطين النظام في اليمن على ساحة التحرير ذهب الثوار إلى ساحة التغيير وهو ميدان في وسطه دائرة  في وسطها شعار  مصمم بكتابة للحديث الشريف  : الإيمان يمان والحكمة يمانية ([9]) ، يطوفون به ، ويقفون حواليه وقفة واحدة من أجل قيمة واحدة هي الحرية ، وتكشف الصور التشابه الشديد في الشكل والهدف بين حرم الله وكعبته في مكة وساحات الحرية والتغيير في شكل الناس وهيئة تجمعهم ، ويتبع ذلك أحيانا سعي وزحف نحو أماكن معينة للتأكد من القدرة على تحقيق هذه القيمة والوصول إلى الأهداف .
        في التضحية رأينا الشباب يُقتلون  ، وتَسفك دماءهم وتُسيلها أذرعُ هذا الشيطان وحبائل نظامه الشرير ، وهو أمر يعود إلى التضحية الأولى لسيدنا إبراهيم الذي تل ابنه للجبين وهمّ به لولا تدخل الله وفداؤه بذبح عظيم ، وهي تضحية حقيقية مات فيها العشرات والمئات والآلاف في حالات : تونس ومصر وليبيا واليمن .
        أما الشيطان في هذه الثورات فهو إبليس رأس النظام الحاكم وشبكة حبائله الممتدة في كل مكان ، وربما يكون فيما وجد في أحد قصور القذافي من كتب للسحر والشعوذة ما يعطي دليلا ماديا على فكرهم الشيطاني الخبيث . وكانوا جميعا يتغطون بادعاء الشرعية والعدالة ، حتى يستمر ضغط الشعوب عليهم ومحاصرتهم حينئذ تنكشف وجوههم الشيطانية القبيحة  ويعلنون العداء السافر للشعوب .
        أخيرا بقي أن ننظر إلى مشعل الثورة في الدول العربية ، وموقد شرارتها والمحترق بها (بوعزيزي ) الذي نذهب من أجله إلى جوار مقام إبراهيم ونصلي ركعتين وندعو الله أن تكون النار التي احترق بها من جنس النار التي احترق بها نبي الله إبراهيم ونقول كما قال الله : " يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم " وعلى بوعزيزي


[1] ) المائدة : 3 .

[2] ) البخاري : 13 / 311 .

[3] ) ينظر لسان العرب مادة : حجج .

[4]  ) المعجم الكبير للطبراني : 3 / 221 .

[5] ) البخاري : 9 / 643 .

[6] ) البخاري : 6 / 408 .

[7] ) البخاري 5 / 400 .

[8]  ) الصافات : 102 .

[9] ) البخاري : 13 / 294 .

ليست هناك تعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...