بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، يوليو 30، 2010

البصيرة

 
-->
و ما زال الناس يبحثون عن هذه المدينة الافتراضية التي مرت بها أحداث رواية (البصيرة)، و التي قد تكون في البرتغال مثلا، كما جاء بالرواية.  لكن عاد ساراماجو ليمزح معنا بأنه على سبيل الفرض! و لهذا فهو يعطيك الحرية لتتخيل كما يحلو لك مكانها، فربما تكون بلدك أيها القاريء الكريم. أنا لما قرأت الرواية، زارتني نسمات التغيير السلمي الذي فعله شعب شيلي إبان حكم الديكتاتور بينوشيه مقابل ما ارتكبه من جرائم. ثم تذكرت أيضا أسطورة التنين الذي أرعب أهل المدينة الصينية. فإذا بهم يخافون من الشاب الذي قتله. لماذا، و أنا منكم، و فعلت ذلك لكم؟ لأننا كنا نخاف من التنين أولا، فإذا بك تغلبه؛ فلهذا نخافك أكثر!. ربما تذكرت هذا الشعب الذي ينتظر من يخلصه من التنين و أنا أتابع النقيض بما فعله شعب رواية ساراماجو. و ربما كانت أحداث هذه الرواية تناسب دولة يستطيع فيها الفرد أن يدلي بصوته بدون اختيار (صوت أبيض)، أو أن يفسد البطاقة لكي لا يستخدم أحد صوته. أو أن يقول: "كمواطنين أحرار، ندخل و نخرج في الساعة التي تحلو لنا". لقد كان هذا ترفا من الديموقراطية، بالمقارنة مع بلدان العالم الثالث! ها قد زارتنا نسمات بلادنا أخيرا!





بدءا، يهدي ساراماجو الرواية إلى بيلار، و مونتالبان، الذي ما زال حيا. من هما؟ لا أعرف، لكن اعتقدت أن أن بيلار غير موجود، بينما مونتالبان ظل حيا حتى كتابة الرواية! يبدأ الرواية:  قال الكلب: علينا أن نعوي. " كتاب الأصوات".   و يختتمها:  " الحمد لله، فأنا أبغض عواء الكلاب".
يقول النقاد: إن رواية (البصيرة) هي وجهة العملة الثاني لرواية الأديب العالمي جوزيه ساراماجو (العمى). و أقول: ساراماجو هو عين القاريء إن لم يبصر، و هو بصيرته إن لم يدرك. الرواية فيها تشويق و سخرية و تنتهي بمرارة. هذه المرارة هي الحقيقة الكائنة؛ لهذا فيجب أن يتذوقها أحدهم. اختتم الرواية بالقتل كما فعل مع روايته (الآخر مثلي). THE DOUBLE     
طوال أحداث الرواية، أضحكنا من حيث أراد أن يبكينا، شوقنا، جعلنا نفكر. ثم اختتمها باللطمة، حيث قُتِل المأمور و زوجة الطبيب!
نبدأ عرض الرواية إذن!
في يوم  ممطر في مدينة متخيلة ربما كانت مثلا في البرتغال يحجم المقترعون عن التوجه إلى صناديق الاقتراع حتى الساعة  الرابعة بعد الظهر، ثم يصلون جميعا في الوقت نفسه. و عند إحصاء الأصوات يتبين أن نحو ثلاثة أرباع المقترعين وضعوا في الصناديق أوراقا بيضاء، و بعد أسبوع من حالة ذعر تسيطر على الحكومة تجري عملية الاقتراع مرة اخرى في يوم  مشمس فتأتي النتيجة صادمة حيث يلقي ثلاثة و ثمانون في المائة من الناخبين بأوراقهم بيضاء.
هذا ما جاء كتلخيص أو تذييل على الغلاف الخارجي للرواية. تعرف بالطبع كيف تقرأ الرواية من جميع الاتجاهات، و من كل المصادر!
لا يذكر لنا ساراماجو ماذا فعل الناس بالضبط ليقوموا بهذا التصويت الأبيض، و كيف اتفقت غالبية سكان العاصمة على هذا القرار. لا يتحدث عن أحزاب و لا مستقلين لكنه يتحدث عن شعب استرد بصيرته، فأصاب الحكومة اليمينية في مقتل مرتين دون شغب أو تهليل. يعرض لنا جانبا هاما يشغل الكثير من الرواية ألا و هو تأثير ذلك التصرف القانوني المصيري على الحكومة. يسرد لنا ردود أفعالها من مراقبة الناس ثم مساءلتهم للحد الذي يسألون فيه الشخص: "فيما كنت تفكر عندما قلت لصديقك هذه الكلمات؟" فيجيبهم، لكنهم لا يقتعون طالبين إجابة تقنعهم حتى لو كانت كاذبة! ثم يمضي في الحكي المسلي كعادته. حتى تقرر الحكومة  النزوح الهزلي من المدينة ليلا عقابا لسكان العاصمة! ثم يتم افتعال الحوادث و التفجيرات بالعاصمة و التي يروح ضحيتها أبرياء ليتهموا الأبيضيين بكل بساطة! ينكر عليهم العمدة فيستقيل براحة نفسية كبيرة غير آسف على منصبه. لا ينسى ساراماجو أن يسخر من حديث فرعي "أكاديمي" استدرج وزيري الثقافة و الدفاع عن الطوربيدات طالبا منهما استكماله  خارج القاعة ليعود إلى دفة الحوار الأصلي بين الورزاء.


لقد أوجدت الحكومة ما لم يوجد. فليس هناك ثمة أمر يجمع المصوتين على الإطلاق إلا أنهم أبصروا. متى، و كيف ؟ لا نعرف. هل ستصدق أنهم يبصروا جميعا دون اتفاق مسبق، دون توعية من قادة التنظيم الأبيض، دون اجتماعات مرتبة؟ لكن هكذا رسم ساراماجو الرواية الممتعة.
"فلنتحدث بجدية سيدي الوزير، فبوسع الحكومة أن تقضي على المسرحية الهزلية المسماة حالة الحصار، و إصدار اوامر للجيش و الطيران أن يتقدموا، و لتحكم المدينة بالنار و الحديد، جارحين و قاتلين عشرة أو عشرين ألفا من الأفراد ليعطوا للباقي عبرة، بعدها يتم إلقاء ثلاثة أو أربعة ألف فرد  في السجن، متهمين إياهم بأية جريمة، عندما لا تكون هناك بالفعل أية جريمة". فيرد عليه " لسنا في حرب أهلية...."
و أرى أنها مثال للحرب الأهلية التي تصنعها العقليات الديكتاتورية ضد شعوبها بلا داع، أليس كذلك؟! و اعتذر بشدة لشخص قال لي إن حكومة بلد أفريقي قامت بالاتفاق مع جيشها المبجل بمثل هذه الغارات على القرى و المدن لقتل الناس. ثم تلصق الفعل بالإسلاميين. بالطبع لم أصدقه حينها، و هاودته بصمت، و أنا أقول في سري: معقول، ربما نظرية المؤامرة أكلت عقله، ياللمسكين؟! و حينما قالها ساراماجو،  كان تعليقي هذه المرة بعد اقتناع بهامش الرواية: كيف يفكر الشيطان؟ شكرا ساراماجو، تفعل الرواية ما لا تفعله كل النقاشات و المناظرات.
نتابع الرواية: ترسل الحكومة مأمورا و معاونين لمعرفة ماهية السيدة -زوجة طبيب الرمد- التي لم تصب بالعمى من أربع سنوات حيث اجتاح وباء العمى المدينة. و ذلك بناءا على خطاب يذكر الحكومة بأنه هناك ثمة علاقة بين الحدثين. هنا يربط ساراماجو بين روايتين من إبداعه. تدور الأحداث، و أتوقف عند عقدة بنهاية الرواية، لا أعرف كيف سيحلها ساراماجو. إذ إن الحكومة منعت مقالا كتبه المأمور - الذي رفض المشاركة في المهزلة-  يقول فيه حقيقة ما فعله في خمسة أيام بالعاصمة من تحريات صادقة لا تدين زوجة الطبيب.  و ذلك بعد أن غمرت الصحف بصور و عناوين توصم زوجة الطبيب بالعدو رقم واحد- ربما في العالم-. هنالك ينتظر المأمور أن ترسل الحكومة من يقتله، لكنه يستيقظ في الصباح، ثم يترجل إلى الحديقة، و يفكر ماذا يفعل و كيف سيضيع وقته...ذلك لأنه  اكتشف أنه لم ُيقتَل بعد!


و بعدها يتخلى عن الفكرة لأن شيئا غريبا قد حدث في المدينة، رجال و نساء يمضون موزعين أوراقا صغيرة يتوقف المشاة لقراءتها و يحتفظون بها في جيوبهم، و الآن يسلمون للمأمور ورقة، إنها نسخة من مقال الجريدة المصادرة، هذا المقال الذي عنوانه: ماذا بقى لنعرفه، هذا المقال الذي يروي بين سطوره القصة الحقيقية للأيام الخمسة ، حينها لا يستطيع المأمور ان يكبح دموع، و في نفس المكان، كما الطفل، يبدأ في البكاء متشنجا،....
و بعيدا عن هذا المكان الذي قد لا أعرفه، و بعد سنوات من كتابة هذه الرواية، و بعيد أسابيع من وفاة ساراماجو، أجلس وحدي اقرأ، و إذا بي استشعر وقع هذه الكلمات السابقة على قلبي، فأبكي فرحا مثلما بكى.
ثم يرشدنا ساراماجو على لسان المأمور للحكمة القائلة أن من خاف يموت هرما، و كم مرة تأتي المخاوف لتضيف المرارة لحياتنا و في النهاية نكتشف أن لا أساس لها و لا سبب لوجودها. خرج المأمور إلى الحديقة. تقول بعض عناوين الأخبار (حركة ثورية جديدة) و ( من شغل ماكينات التصوير؟). هنا جلس في الحديقة ليأتي رجل نعرفه جيدا فهو مرتبط بالحكومة، يأتي من خلفه،... ها قد قتله الرجل ذو ربطة العنق الزرقاء بنقط بيضاء. آه، قتله ليظهر وزير الداخلية متشحنا بالحزن كالممثلين و يكمل دوره الذي رسمه موضحا أن الثورة البيضاء هي التي قتلت المأمور (الرجل النزيه التي أوفدته الحكومة الطيبة للعاصمة المتمردة)!  تأتي معلومات لرئيس الوزراء بأن نصف الشعب في الشارع، بينما نصفه الآخر سيلحق به. يجمع رئيس الوزراء بين وزارة العدل و الداخلية، إذ أنه أقال وزير الداخلية بعدما حدث!
يختار الرجل ذو ربطة العنق الزرقاء بنقط بيضاء المكان الذي سيطلق منه النار، و يبدأ في الانتظار. إنه رجل صبور، يعمل في ذلك منذ سنوات طوال، و دائما يؤدي عمله على أكمل وجه.
تبكي زوجة الطبيب، التي اقتاد رجال الحكومة زوجها رافضين أن تصحبه، تبكي وحدها.
 لم نسطع أن نسألها إن كانت قد سمعت الطلقتين المتتابعتين، ترقد الآن ميتة على الأرضية و ينزف دمها قطرات حتى الشقة السفلية. يأتي الكلب مهرولا من الداخل، يتشممها و يلعق وجه صاحبته، بعدها يرفع رقبته لأعلى و يطلق عواءا مرتجفا يقطعه في الحال طلقة أخرى. حينئذ يسأل رجل أعمى " أسمعت شيئا؟". "ثلاث طلقات؟" أجابه آخر. "لكن كان هناك أيضا كلب يعوي". "ثم صمت". " ربما أصابته الطلقة الثالثة". " الحمد لله، فأنا أبغض عواء الكلاب".
التفت في هذه الرواية إلى: قدرة ساراماجو على التنقل بين ضمير المخاطب و الغائب، و إشراكه للقاريء في صنع أحداث الرواية كأنه يخاطبنا أو يأخذ رأينا.
من المؤكد أن هناك أمرا لا يمكن أن يمر بدون أن يلاحظه القراء و المستمعون بكل انتباه، هذا الأمر هو أن راوي هذه الأسطورة يمشي الهوين عند وصف الأجواء التي تجري فيها الأحداث. باستثناء الفصل الأول، حيث يمكن ملاحظة  بعض الخطوط الموزعة عمدا حول الدائرة الانتخابية .......
أعجبتني الجمل الافتتاحية و الختامية، و الاقتباسات.
كان يتذكر أن ملكا من الشرق ليس على يقين إن كان ملكا أم إمبراطورا، أغلب الظن أنه كان خليفة عصره، كان يخرج من قصره متخفيا من آن لآخر ليذوب بين عامة الشعب، بين الناس العادية، ليسمع ما يقولونه عنه حقيقة في الشوارع و الميادين.
استخدم الاقتباس السابق لتبرير التجسس على الناس الأبيضيين الرعاع كما قيل، بالرغم من اختلاف الهدف!
"كنت أبيضيا، لكنني لن أكونه، فليغفر لي الوطن، فليغفر لي الملك"
اضحكتني و أبكتني و علمتني السخرية المرسومة بدقة في كل حدث و في كل جملة، و في كل كلمة. يكثر من  الإسقاطات السياسية التي تستطيع تفصيلها على أي بلد تشاء، و في كل الأزمات. أنا تذكرت المرجو من سياسة حصار غزة أثناء سرد الرواية. انتبهت أيضا إلى أيقونة الكلب الذي رافقهم بالحديقة و عوى في النهاية لما رأى الجريمة، لكنهم قتلوه. ثم ينهي الرواية بأيقونة الرجل الأعمى: هل أصاب الناس عمى إرادي جديد؛ لئلا يقتلوا مثل الكلب و غيره؟ ربما.

و في النهاية؛ قد يكون جديدا أن أهدي هذه الرواية مرتين. في المرة الأولى، أهديتها لأستاذي طبيب العيون داعية الله أن ينير بصيرته؛ لما أضاء أبصار الناس جزاءا وفاقا. و في المرة الثانية، أهديها لك عزيزي القاريء داعية الله أن أكون و إياك من أصحاب البصيرة مثل أبطال رواية ساراماجو. ... شكرا ساراماجو. لقد أبصرنا.

هوامش:

  • هل تكررت قصة التنين و الشاب الصيني في مقالاتي؟ حسنا، كنت قرأتها بالأهرام للأستاذ إبراهيم نافع أثناء تحليل سياسة البروستريكا و غيرها إبان فترة انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفيتي USSR سابقا. أحببت القصة و أنا صغيرة، فطبقتها في مقالات و أنا كبيرة! و ليس لدي منها إلا ما علق بذهني حينها.  فعلى من يجد تفاصيل و أصل هذه الأسطورة أن يتكرم بوضعها لي فى تعليق أو رسالة، و أكون له شاكرة، لأنني لا امتلك نسخة من الأسطورة.
  • من فضلكم...عندما أعدكم بنسج مقالة ما، ذكروني بأن القصة أكثر متعة، و أكثر ثباتا.

هناك 11 تعليقًا:

احمد رفعت يقول...

رواية ... تستحق منا ان نبادر بقراءتها

شمس العصارى يقول...

رائعة
فعلا الاسقاطات جميلة جدا و رمزية و بحبكة درامية جميلة
اعتقد ان البلد الافريقى المشار اليه هنا هو الجزائر و الاحداث التى وقعت بها مع نهاية الثمانينات و بداية التسعينات
تفتكرى يا دكتورة ان الشعب المصر ممكن يجيله يوم و يشفى من العمى الاختيارى
اخيرا هى دكتوراة فى الطب ام فى التحليل و النقد الادبى هههههههههههههههههههه

Sonnet يقول...

@ الأخ أحمد رفعت
اشكرك جزيلا على كريم الزيارة

Sonnet يقول...

@ شمس العصاري
شكرااااا
في القلب
ههههههه

كلمات من نور يقول...

اللهم ارزقنا البصيرة و ابعدنا عن عمى القلوب يارب يا حنان يا منان ...تسلمي يا سونيتي العزيزة

Sonnet يقول...

@كلمات من نور
أهلا بك عزيزتي

ريحانة الاسلام يقول...

تححححححححححححححححفة بجد بجد بجد
وتعليقك عليها رااااااااااااااائع
وربطها بحصار غزة بجد بوست ملوش حل
وربنا يرزقنا البصيرة يارب
واللهم ارنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وارنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه
دائما استفيد بدخولى الى مدونتك..^_^

Sonnet يقول...

أهلا
ريحانة الإسلام
اخجلتم تواضعنا يا أختي العزيزة

تجربة حياة يقول...

بصدق المسلم لم يعد يميز
اصبحت الفضائيات في شهر رمضان تقيم المرثونات
والمباريات للحصول على اكبر داعية لها في
هذا الشهر الفضيل
منت قد كتبت مقاله في هذا الموضوع وقريبا ان شاء الله تجدونها في مدونتي
زورني وان شاء الله تسعدوا في ضيافتي
هذا هو عنون مدونتي
http://molokal3alalm.blogspot.com/

Sonnet يقول...

أهلا بك و شكرا جزيلا على كريم التعليق
أزور المدونة و اقرأها الآن

أحمد عبد اللطيف يقول...

بيلار هي زوجته، ومونتالبان كاتب إسباني راحل كان يكتب عادة عن الجواسيس والمحققين

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...