بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، أبريل 05، 2010

الكيلاني وتعرية الصوفية.. قراءة أولى 1-2








أ/ محمد علي البدوي
يظل نجيب الكيلاني- رحمه الله ـ عملاق القصة الإسلامية بلا منازع، فهو رائدها وصاحب السبق فيها، والمنظر لها، وما ذلك إلا لغزارة إنتاجه وسلامة منهجه وعمق تفكيره وتناوله لقضايا الأمة من أقصاها إلى أقصاها، وإن كنا لا نقول بعصمة الرجل، فكل يؤخذ من قوله ويرد، ومن أبرز إنتاجه الذي يخرج عن الخط الإسلامي - إن صح التعبير-" ليل الخطايا" والتي رفض الكاتب ـ رحمه الله- إعادة طباعتها للمرة الثانية، وكذا روايتيه: "الربيع العاصف" و"في الظلام" ولكن بنسبة أقل.
 

ولعل سر نجاح الكيلاني "1931م –1995م" الأدبي يكمن في (سحر بيانه) فالرجل صاحب أسلوب رائع في الكتابة، رائع في العرض، رائع في الحبكة القصصية التي تأخذك ثم لا تدعك، وتأسرك ثم لا تطلقك إلا وقد أتيت عليها. استحضر هذا الكلام جيداً وأنا أعيش أحداث قصة "ولي الله" والتي جاءت ضمن مجموعته "عند الرحيل" فالقصة تحكي عن الشيخ "وهدان" شيخ الطريقة الصوفية، حيث اللحية الكثيفة والسبحة الطويلة والدموع المنسكبة، تأثراً بالتواشيح الشركية والاستغاثات القبورية بالأموات:
"يا بنت الأطهار
أنا المحتار داويني
جدك له المعجزات
ملأت دواويني"
والشيخ وهدان هذا دائم الخلوة في بيته، أو في أحد الأضرحة التي يرتادها ويؤمها بعيداً عن الناس، وبعيداً حتى عن أولاده الذين كانوا في قمة الاستهتار بالدين والأخلاق، وما ساءت التربية إلا من سوء المربي الذي غفل عنهم، وأهمل الأمانة التي ائتمنه الله عليها، والمسؤولية التي سوف يسأل عنها، ولكنهم هكذا هم دائماً فئة الخاسرين أعمالاً الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
ويمضي الكيلاني في سرد أحداث هذه القصة وذلك من خلال عرض مشوق، ممسكاً بخيوط الحبكة القصصية التي أتقنها، وألف أدواتها، حيث يعرض فئام الدراويش التي تقبل على الشيخ وهدان.. تقبل يديه في شغف، وتعفر جباهها بالتراب الذي يسير عليه وتتسابق إلى الماء المتخلف من وضوئه كي تتبرك به، وتتداوى من السقام.
وحتى عندما تنفجر في القرية إشاعة مفادها أن الشيخ وهدان يتردد على بيت "نعناعة" ينبري المريدون للدفاع عن شيخهم، وكاهنهم، فتارة يتسلون ويتسرون بما قيل في المصطفى صلى الله عليه وسلم. وتارة يدعون بأن إمامهم من أهل الخطوة الذين بلغت بهم الكرامة أنهم يصلون في الكعبة بأرواحهم وربما بأجسادهم وهم بين ذويهم وأصحابهم..
لكن الشمس تسطع والغبار ينجلي والدخان ينكشف عن نار الحقيقة، فالشيخ قد وقع في حمأة الرذيلة، ومستنقع الخطيئة الآسن، وأنى لقلب ملئ بالخزعبلات، واقتات على الخرافة أن يصمد أمام طوفان الشهوة، ورياح الفتنة، لقد أحب الشيخ وتعلق قلبه بالغانية "نعناعة" من دون الله ـ تعالى- وبلغ به الحب إلى درجة المرض، الذي كان قنطرة العبور إلى الدار الآخرة قال الراوي"أما الشيخ وهدان" فقد لزم داره، لم يعد يره أحد يمضي في الطريق؛ تشع منه التقوى والوضاءة، ولم يعد يتوسط حلقة الذكر، ولم تعد تلمع دموعه فوق لحيته وهو يستمع إلى أغاني المتصوفين، وألزمه المرض الفراش لثلاثة شهور ولم يغادر بيته إلا يوم وفاته..
 

وقبل أن نطوي صفحات هذه القصة المشوقة في عرضها، الماتعة في أحداثها، يمكننا أن نكتشف سر نجاح الكيلاني في تعرية الواقع الصوفي من خلال الوقفات التالية:
أولاً: صدق التصوير للواقع الصوفي- والأدب مرآة صادقة للحياة- وقد تأتي ذلك للكيلاني من خلال رافدين هما:
أـ وجود الكاتب في "طنطا" أرض أحد أكبر الموالد، وقبلة الصوفية مما سمح له برؤية هذا الواقع عن قرب والوقوف على حقيقته عن كثب. ب ـ سعة القراءة والاطلاع في الكتب التي تناولت الصوفية، فهذه القصة تذكرنا بما نقله ابن الجوزي في تلبيس إبليس. والذي عرض فيه لما يحصل للمتصوفة من تلبيس وأسهب في ذلك كثيراً.
ثانياً: معالم الصوفية تظهر بوضوح من خلال هذه القصة فهناك الثالوث الصوفي(الطريقة-الشيخ- المريدون) والتصوف في نظر معتنقيه طريقة وحقيقة معاً!
والطريقة مما يدين به الصوفية، ولعل المريدين في هذه القصة قد امتثلوا الطريقة الإشراقية والتي يقول عنها ابن عجيبة- واصفاً آدابها.
وللقوم في لقاء المشايخ آداب منها تقبيل يد الشيخ ورجله... ومنها جلوسهم بين يديه على نعت السكينة والقار. وهذا الذي أراده الكيلاني عندما قال عن "طائفة المريدين وآدابهم مع شيخهم".. تقبل يديه في شغف، وتعفر جباهها بالتراب الذي يسير عليه..
ولعل العصمة التي جعلها الله- سبحانه وتعالى ـ لأنبيائه فيما يبلغون عن ربهم جعلها المتصوفون لشيخهم فهم يرفضون مجرد الإشاعة التي تنال من "وهدان" ويرون ذلك مجرد محاولة قذرة للنيل من قداسة الشيخ.
والشيخ كمعلم من معالم الصوفية يأخذ في القصة موقع البطل أو الشخصية المحورية التي تقوم عليها أحداث القصة. "فالصوفية يغدقون عليه كل صفات الألوهية والمريد الذي لا يعتقد بشيخه القدسية الإلهية لا يفلح.. بل ولا بد في التصوف من التأثير الروحي الذي لا يتأتي إلا بواسطة الشيخ الذي أخذ الطريقة عن شيخة.
"وللحديث بقية" 

هناك 14 تعليقًا:

hamdanism يقول...

جميل جدا...ماكنت سامع عن هذه الكتب...ربما لأني بعيد عن الأدب الاسلامي

لا أخفي اعجابي بالأدب الصوفي...ولكنني على خلاف تام مع عقيدتهم

ماما أمولة يقول...

الطبيبة الغالية
كل التقدير لشخصك
في انتظار البقية

الصادق عبدالسيد يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أختي الفاضلة: د. إيمان

لست أدري ما المقصود بالتعرية الصوفية

هل هي الطرق الصوفية في حد ذاتها ؛أم البعض من مشائخها ومريديها؟،الأدب الصوفي له دلالات معينة بغض النظر عن الشطحات الصوفية؛التي قد نتفق معها أو لانتفق ...

دمتي في حفظ الله ورعايته

drsonnet يقول...

الزوار الكرام
يقصد كاتب المقال أن الكيلاني كتب الرواية و قام بتعرية و فضح بعض غلاة الصوفية و مستخدمي الصوفية و التدين من
أجل التكسب و قد عصوا الله
لكنهم استغلوا احترام و توقير الناس لهم
لهذا فقد قام بتعرية واقعهم الخفي

كلمات من نور يقول...

سونيتي الحبيبة

جزاك الله خيرا على هذا العرض الطيب وفي انتظار البقية ...تحياتي

غير معرف يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
جزاكى الله خرا اختى الفاضلة على هذا الطرح الطيب ، حقيقى استفدت كثيرا ، وبسببك ساكثف اهتمامى بالكيلانى
وحقا يعبنى جدا كل من يهتم بامر الدين الاسلامى من خلال فضح اهداف الاخرين الذين يسيئون الي ومنهم المتصوفه .
تحياتى

ذكري رحيل قلم يقول...

السلام عليكم

تحياتي لما بثه لنا هذا العرض المميز

يمكن انا بعيدة جدا عن الصوفية الا ان سرد القصة عجبني جدا واخذت منها ما يشغل عقلي مستقبلا

وما ساءت التربية إلا من سوء المربي الذي غفل عنهم وأهمل الأمانة التي ائتمنه الله عليها

ارجو من الله عز وجل ان يوفقني وزوجي في تربية ابني

انا كنت نفسي ازور الحسين عمري ما روحته ومن كام سنة ذهبت مع صديقة لي الي
مستشفي الحسين تزور قريبة لها ومن ثم وعدتني ان اذهب لزيارة المسجد وهناك وجدت ما تتحثي عنه الذكر والحركات المصحوبة معه
وحاجات كتير
جعلتني اقول
اول واخر مرة
سامحني الله

في انتظار البقية
تحياتي

أحمد شريف يقول...

السلام عليكِ
بوركت على الطرح ومتابع له

طارق سليم يقول...

غريبة التعليق بتاعى ليه ظهر باسم ( غير معرف )البلوجر ده بقى عليه حركات غرييبة :)

drsonnet يقول...

البلوج بعافية شوية
لعله يشفى
لأن القالب الجديد بالتقنية الخاصة به لا يسمح بتعليقات غير المعرفين
و حاولت تعديله مؤخرا
لكن لا اعتقد أنك صاحب تعليق
غير معرف
هل علقت مرتين؟
هل هي نفس اللغة من حيت الابتداء بالسلام و نفس اللغة العربية؟
مع الشكر

drsonnet يقول...

التصوف الحق لا يسيء للإسلام
إنما يسيء للإسلام من يفعلون السوء و
يتمسحون بالتصوف
من يستغلون انجذاب الناس لهم لانهم أهل دين أو علم أو مقدمي برامج دينية أو حتى مقيمي شعائر في مسجد
فيقيمون لأنفسهم مكانة كبيرة ليست لهم

توفيق التلمساني يقول...

السلام عليكم.

ذكرني العرض الجميل المقدم من قبل الأستاذ محمد علي البدوي ، ذكرني بقصة وقعت معي في دمشق بسورية في سنوات التسعينيات.
أثناء تلك الرحة ذهبت إلى شيخ معروف لآخذ رأيه حول مسألة لست أذكرها.
بعد انقضاء الصلاة و بعد أن و قف المريدون في صف ينتظر كل واحد دوره لتقبيل يد الشيخ و النيل من بركاته كنت أنا جالس أنتظر انتهاء تلك المراسيم ، حتى إذا انقضت و أقدت إليه لأسأله لاحظت أنه لم يستقبلني بالبشاشة التي كان يستقبل بها أولائك الذين كان يتظارهر بسحب يديه تواضعا و هم ينكبون عليها تقبيلا و تمسحا .

خلاصة الأمر الذي اقتنعت به من نظري في أتباع هذا التيار سواءا في بلاد المغرب أم المشرق هو أن العلاقات بينهم و الإعتقادات مبنية في أحد أهم أوجهها على المصالح المادية و الإنتهازية بشتى أوجهها.

واضح أنك ستحولي زوار مدونتك إلى مدونين على أدب الكيلاني.

تحياتي الأخوية

توفيق التلمساني يقول...

أقصد مدمنين على أدب نجيب الكيلاني.

طارق سليم يقول...

السلام عليكم :
نع هذا التعليق باسم الغير معرف هو تعليقى وانا باستغرب فعلا ، ممكن البلوج يكون بعافية طيب مش انتى طبيبة اكشفى عليه وشخصى الحالة ولو الحالة محتاجة لتدخل جراحى عالبركة اتوكلى على الله

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...