بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، فبراير 17، 2010

أنين السواقي


Egyptian village
القصة من تأليف الأديب د / نجيب الكيلاني
الصورة من تصويري و لهذه القصة حكاية أخرى! ***
حدث ذلك منذ خمسين عاما
وعلى الرغم من مرور تلك الحقبة الطويلة من الزمن, إلا أن ذكرى هذه الليلة ما زالت محفورة في ذاكرتي.. وأحداثها العنيفة تطوف بمخيلتي من آن لآ خر.. وخاصة كلما حدثت مشاجرة علنية بين زوج وزوجة في قريتنا الصغيرة الوادعة.

لقد عاد أبي بعد الغروب بقليل. دخل البيت كعملاق أسطوري, شامخ الأنف يطوح عصاه الغليظة في كبرياء وتحد, لا يتفق ألبتة مع مظهر العمامة الناصعة التي تستقر فوق رأسه, وعندما يدخل أبي في العادة, تتحول الأصوات العالية إلى همسات, ويؤدي الجميع أعمالهم في همة ونشاط. ويسود البيت جو من الهودوء الظاهري المتوتر, وأول شيء يقع عليه نظر أبي هو ذلك المشهد المألوف.. إذ تتسابق زوجاته الأربع, وبينهن أمي *مسعده* هذه تتناول منه العصا.. وتلك تستسمحه في خلع حذائه, والثالثة تصيح بمن في البيت أن يكفوا عن الضجيج, مع أن الأصوات الهامسة لا تخلق حتى اللغط البسيط.. والأخيرة تبتسم في رقة.. وتؤكد له أن الطعام جاهز, وأن نار المدفئة وكذلك *الجوزة* على أتم استعداد.

دخل أبي في تلك الليلة, وشمل الجميع بعيني صقر.. وهدر بصوت أجش: أين *مسعده*؟.
طأطؤوا رؤوسهم.. وامتزجت الحيرة والخوف في قلوبهم..لقد ضربها أبي في الصباح ضربا مبرحا لا رحمة فيه لأنها لم تراع الدقة في تقدير كمية الملح اللازم للطعام.. وكادت تقضي نحبها من شدة الضرب.. وما إن غادر أبي البيت, حتى تصرفت أمي تصرفا جنونيا, إذ حملت ملابسها وحليتها.. وهرولت خارجة.. قاصدة بيت أبيها في قرية تبعد عن قريتنا سبعة كيلو مترات. ولم يستطع أحد أن يواجه أبي بالحقيقة.

وصرخ أبي مرة ثانية:
- ألا تسمعون؟ أين ذهبت هذه الملعونة؟
ووجدتني أتقدم إليه, دون أن أستطيع وقف سيل الدموع وهي تغرق وجهي وأقول:
- ذهبت إلى بيت جدي.
وانتفض لسماعه النبأ..وأيقن أن في هذا التصرف إهانة لكرامته.. ونيلا من رجولته.. وتمتم وهو يبتسم ابتسامة شاحبة مخيفة:
- جميل.. فعلتها المجرمة. فعلتها وهي تعلم أن في ذلك موتها..
وحينما يتكلم أبي عن الموت أدرك أنه لا يبالغ أو يهدد, فالكلمة التي يتفوه بها ليس لها سوى معنى واحد.. وكل ظروفه تجعل منه رجلا مقتدرا يستطيع أن ينفذ ما يقول. هو يلبس عمامة مهيبة..لكنه وثيق الصلة بالأقوياء.. ولعله أقواهم, وأعني بالأقوياء في ذلك الزمان الرجال الذين يخافهم الناس, و الذين بفرضون ضرائب غير شرعية على ضعاف الزراع والتجار وعلى الأثرياء أيضا, ويعرفون سر ما يرتكب من جرائم, وما يحدث من سرقات.
وكاد قلبي يسقط بين قدمي حينما سمعته يقول:
- لسوف أذهب الآن لإحضارها بنفسي. سأعود بها جثة هامدة.
ثم التفت إليّ قائلا:
- تعال معي لتشهد جنازتها يا ابن..

كان الليل شديد السواد, والطريق الملتوي المترب يمتد كعلامات استفهام متشابكة بين المزارع الخضراء التي طمسها ظلام الليل.. وأنين السواقي ينبعث نائحا حزينا كلحن جنائزي, وآلاف الأشباح المهولة تتراءى لي عبر العتمة, وكلما لفحتني موجة باردة,أو خفق قلبي بالرعب الشديد ازددت تشبثا بذراعي أبي الضخمتين, فكان يدفعني في شيء من الضيق أحيانا.

ويلعنني ويلعن أمي الداعرة المجنونة, وأحيانا أخرى يدعني وشأني, دون أي عاطفة أبوية ظاهرة.. وكنت واثقا أن أبي لن يرحمها وأن كارثة كبرى ستقع الليلة, وأشعر أن أمي تعاني مأساة ظالمة ليس لها ما يبررها.

وأن أبي الذي لا أعرف هل أحبه أم أكرهه له قلب صخري لا يرق لضراعة امرأة.
وطال الصمت كما طال الطريق, واللون الأسود يغمر كل شيء من حولنا, ومن آن لآخر يزفر أبي ويضغط على أسنانه في غيظ, ويهتف لنفسه:
- ماذا يقول الناس عني؟ سيقولون إبراهيم لا يستطيع تأديب زوجاته, يا للعار* امرأة حقيرة تمرغ شرفي في الوحل.

ويعود الصمت من جديد, ولا يقطعه إلا أنين السواقي النائحة.. أو نباح كلب بعيد, أو صوت أبي الأجش وهو يترنم بأشعار أبو زيد الهلالي ودياب بن غانم أو عنتر بن شداد.
وحينما بلغنا بيت جدي رفض أبي أن يجلس أو يتناول حتى شربة ماء.. وأصر على أن تعود معه أمي فورا وإلا حدث ما لا تحمد عقباه, فلم يجد جدي مناصا من أن يأمرها بجمع حاجياتها لتصحب زوجها.
وعاد موكبنا الواجف الحزين يشق جوف الليل الأسود يظللنا صمت مشحون, والدموع الغزار على خد أمي.. والطريق الضيق المترب يتلوى كأفعى داكنة, والبرد يكاد يجمد أطرافي.. كانت اللحظات تمر بطيئة قاتلة, وكأننا قضينا في سيرنا دهرا بأكمله, وعيناي تحاولان اختراق الظلمة بحثا عن أي شيء.. كنت أتمنى لحظة الوصول إلى قريتنا, أو ظهور أي كائن بشري في طريقنا المهجور, وأطبق على قلبي يأس قاتل.. كانت روحي حائرة مذعورة, كغريق يبحث عن يد حانية تختطفه من بين براثين الموج الطاغي. وهتفت يارب.. وتوقف أبي أمام ساقية خربة قديمة لا يبدو منها سوى بئر تفوح منه رائحة العطن, وكاد قلبي يتوقف هو الآخر.. ودون أن ينطق أبي بكلمة واحدة اقترب من أمي وأمسك بمعصمها, وجرها خلفه إلى البئر, وانهارت أمي فصدر عنها نشيج ضارع حزين يمزق القلوب, فصاح أبي وهو يجذبها في عنف:
- وما جدوى البكاء؟ مازلت تصرين على فضيحتنا.
قالت في ذلة:
- ماذا فعلت يا إبراهيم حتى ترميني في البئر؟.
وقهقه أبي في سخرية:
- لا شيء.. كل ما أستطيع أن أقوله هو أن الزوجة التي تعصي زوجها لا علاج لها سوى الموت.
وعند حافة البئر هتفت:
- ارحمني يا إبراهيم.

كنت أقف جامدا كالأشل, ولساني عاجز عن النطق تماما, والدموع في عيني أمي الواسعتين تبرق برغم الظلام, وهي تعرف مدى قسوته وإصراره.. فاستكانت لمشيئته ثم تمتمت:
- الله يتولانا.. افعل ما تشاء.

ورأيته وهو يدفعها إلى البئر حتى توارت ساقاها وأوشكت الأعماق السوداء أن تبتلعها.. فهتفت بصوت راعش حزين:
- كلمة واحدة..
فقال في جفاف:
- ماذا تريدين؟
- أوصيك *بكامل* خيرا.. إن زوجاتك الثلاث قد يضطهدنه.
وصدرت عني على الرغم مني صرخات متتابعة.
وتوقف أبي عن العمل.. وأعاد أمي إلى حافة البئر ثم جرها بعيدا عنه.

ومرت لحظات خاطفة متأججة بالانفعالات المتضاربة لم أدرك سماتها الكاملة آنذاك.. ثم سمعت أبي يقول:
- نجوت هذه المرة أيضا يا مسعده. من أجل كامل.
وواصلنا سيرنا نحو القرية من جديد, دون أن أشعر هذه المرة ببرودة الجو.. كان أبي يحتضنني في حنان, وأمي تسير خلفنا دون أن تتوقف شهقاتها.



هناك 21 تعليقًا:

ذكري رحيل قلم يقول...

السلام عليكم



برغم من انها صورة للسيد احمد عبد الجواد مرة اخري وفي قصة اخري
مع اختلاف الاحداث
الا ان هذة الجملة عجبتني قوي وما يحدث بعدها كان أبي يحتضنني في حنان, وأمي تسير خلفنا دون أن تتوقف شهقاتها

ما اجملها شخصية الرجل القوي
الذي اخاف وادب زوجته ولكنه عفي
العفو عند المقدرة

قصة جميلة
. حدث ذلك منذ خمسين عاما

هل هذا حقيقي
متأكدة
ام انا احلم
هههههههه

ذكري رحيل قلم يقول...

ساعديني مرة اخري

كل ما ادخل علي التخطيط عشان اضيف اداة جديدة

جافا اوغيرها من الثصور او المدونات التي اتابعها

متفتحش اضافة اداة وتفتح لوحة التحكيم
مش عارفة اعمل ايه

طهقت من هذة المدونة





اعمل ايه
في اللي انا حبيته
اصلي بحب المدونة قوي
رغم اني مش فاضيلها
شكرا جزيلا

انا معاكي بكلم برحتي شكرا لسعة صدرك الحنون

Sonnet يقول...

عزيزتي
أهلا بك في اي وقت
تأمري
الملاحظ أنه ليس فقط السيد أحمد عبد الجواد المتحكم بقدر ما هو غليظ القلب
جدااااااااااا
كما أن الرابط بين الأصوات و هنا صوت السواقي المتميز!! بالقرية
مع ما يدور بعقل الطقل أو راوي القصة
في النهاية لا اعتقد أنه حن للأم لكنه حن من أجل الولد الذي هو ذكر و يحبه فترك الأم التي لا تعني له شيئا و حاول قتلها مرات من أجل للطفل
كما طلبت و عرفت أن ابنها الصامت سينجيها
لأنها تعنى لا شيء لدى الأب

Sonnet يقول...

غيري نوع المتصفح
OPERA
FIREFOX
و افتحي من جديد و حاولي

Mona يقول...

Sonnet الغالية
أنا قريت القصة ديه من زمان وللاسف لازال بعض اللرجال يمارسون نفس القمع والمصيبة أن تظن المرأة أن هذا تهذيب وتأديب وأنه من حق الرجل قمعها وترويعها لمجرد أنها أمرأة لا حول لها ولا قوة ولا تعنى له شىء سوى أنها أم الولد يعنى لو كانت عندها بنت كانت رماها فى البير -
بس ماقولتيش قصة الصورة :)) تحياتى يادكتورة

Sonnet يقول...

العزيزة MONA
شكرا على الزيارة
معك حق
ما لفت نظري هو فضلا عما يتضح من القسوة و التهميش
لفت نظري اللغة الغائبة الجميلة في القصة
___________________
الجزء الثاني
انتظرونا
لازم أشوق القراء
هههههه
مع تحياتي

الصادق عبدالسيد يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أختي الفاضلة : د . إيمان Sonnet

أنــين السـواقي --- ما زالت بـواقي

بإجحاف السواقي --- ترسبات المــآقي

لله درهْ وهو بنَـظّْرهْ --- وَصــل التراقي

بحنان ورفق ويـسرهْ .. شهـقات تـواقي

ودمـتم بوفاءوهناء .. بود واشـراقي

Sonnet يقول...

أ / الصادق
سريعا قبيل ذهابي للعمل أقول
جزاكم الله خيرا على الأشعار الجميلة

norahaty يقول...

تذكرنى القصة برجل
كان يسكن فى بيتنا
القديم شديد القسوة
شديد الغلظة ولكنى لا
أذكر له نقطة واحدة
من الرقة وللأسف
هذا الرجل أتذكرهـ
دائماً إذا ما ذُكر
قانون الخلع!!.

norahaty يقول...

أفلحتُ أخيراً فى فتح
التعليقات بمدونتك حاولات
مرات عديدة من قبل ولكن
محاولاتى ذهبت سدى وللأسف:(
لكن الحمد لله أراد الله لىّ
النجاح هذه المرة:)

حسن محمد محمد يقول...

عزيزتي د. sonnet قصة رائعة وإخيار موفق , فأنا أحب أعمال الكيلاني منذ طفولتي ,هل لي يا عزيزتي أن أسألك لماذا تأثرت بهذه القصة بالذات , هل حزناً على حال المرأة في تلك الفترة؟ أم حزناً على حال الرجل في هذا الزمان؟!!!!

تقبلي تحياتي
حسن محمد

Sonnet يقول...

@ NORHATY
اهلا بك عزيزتي
يبدو أن تغيير شكل القالب ساعد على غظهار التعليقات
لو أعلم أن هناك مشكلة من قبل
لما ترددت في حلها سريعا
لأجل ان اتشرف بزيارتك

Sonnet يقول...

@ NORAHATY
شكرا على الاستحسان
لو ان غلظة القلب تصل بالرجل لقتل زوجته
لاستنجدت بنا القسوة و غلظة القلب
هذه اسمها استكبار في الأرض حتى ظن أن من حقه أن يؤدب زوجته بقتلها مثل الدجاجة!!!!

Sonnet يقول...

أستاذ حسن محمد
نحن في انتظار باقي السلسلة
خاصتك
نريد أن نكون خطباء و أدباء متمكنين
*********************
أنا انشر في مدونة د نجيب الككيلاني و كلما وقع تحت يدي نص أضيفه
لكن في زيارة إلى الأديبة كريمة شاهين أرملته من أيام مضت و في ذهابي و وعودتي وجدت الريف المصري الجميل
فوضعت صورة مناسبة اخذتها من قبل ثم وجدت هذه القصة بالصدفة على النت للريف المصري و حاله يجسده الاديب في القصة القصيرة بكل يسر و تكاد تنطق
فوضعتها على المدونتين
خاصتي و الأخرى للدكتور الكيلاني
*******************

Sonnet يقول...

@MONA
@أ محمد حسن
@ الزوار الكرام

***************
لا أخفي عليك أن قلبي انخلع عندما قرأت هذه القصة،أما الصورة التي و ضعتها فالتقطتها من السيارة في آخر عودة لي من اللريف المصري منذ أكثر من عامين حيث دفنا أخي الأصغر
و كان كما يسمونه الخميس الأصغر
فكنت أسمع لا أنين السواقي
لكن اتذكر لحظات مريرة
فلم أبخل على المدونة ووضعت الصورة
ريثما يتوفر لي الوقت لكتابة ما شعرت به في طريق العودة و في الذكريات
القديمة
سانشرها بإذن الله
*****************

norahaty يقول...

البقاء لله فى
أخيك الأصغر
وعذراً إن كان
العزاء متأخراً

Sonnet يقول...

@ norahaty
اهلا بك
رحمه الله و رحم موتى المسلمين
جزاكم الله خيرا

كلمات من نور يقول...

أنا زي منى قرأت القصة وكان نفسي الزوج يقع في البير وقتها ....يا ربي كنت متغاظه منه ومش مصدقة ...يلا الحمدلله ..ربي يعافينا من كل سوء.في انتظار قصة الصورة يا سونيتي

Sonnet يقول...

@ كلمات من نور
أهلا بك
فعلا الحكاية غريبة ربما لأن هذا حدث منذ فترة طويلة فكاتب الرواية كتبها منذ عقود و يحكي عن زمن مر منذ خمسين عاما
أي أكثر من 70 عاما
الأحوال تغيرت و لم تعد النساء كالدواب تقتل بلا ثمن
***************
الصورة حكيت عنها قليلا في الرد على التعليق
و ربما التدوينة بعد القدمة أضع التدوينة المناسبة لها

شمس العصارى يقول...

هى القصة حلوة
بس يمكن الخيال زاد فيها شوية
او يمكن الكاتب حب يحكى على لسان خيال الطفل الصغير
لانه حتى فى الخمسينات مكنش فى قتل زوج لزوجته بالشكل ده
ــــــــــــــــــــ
و بعد سبعين سنة
الزوجة : عاوز تقتلنى يا ابراهيم
و بحركة سريعة تلف ذراعها و تسقطه فى البير
و تقول من حفرة بئرا لاخيه اتحدف فيه
و خد ابنك معاك كمان
ههههههههههههههههههههه
معلش ده فى 2010

drsonnet يقول...

@ سشمس العصاري
اهلا بك
الآن الامور لم تختلف كثيرا القهر فقط لم يصل الى حد القتل بسبب الأمن
لكن زمان كان فيه ناس بجد بتموت
من غير حد ما يفتح فمه
مثل روايات دعاء الكروان و قصص اخرى عملوها افلام و مسلسلات عن الصعيد و الريف و سطوة الرجال
***********
اعجبتني المراة 2010
المرأة الحديدية
ترميه فيه البير
**************

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...