بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، فبراير 02، 2010

عالم اسمه شروق 1-2

عالم اخر اسمه "شروق"...قصة حقيقية 
شروق .. اسم هذه السميراء ذات السنوات السبع و التى حفرت درسا فى ذهنى صعب على حكمة كل الشيوخ أن تعلمنيه. رافقتها ساعتين من الزمن فى حافلة. و خلفت وراءها ظلا و أثرا اراه كلما سرت وحيدة فى هذه الدنيا. "نصل لمدينتنا الصغيرة بعد الغروب. ترغب أم شروق فى أن أكرمها بزيارة لأن شروق المريضة بالتوحد اتعبتنى طوال الرحلة على حد قولها. أشكرها متمنية لها الشفاء. ثم اكمل طريقى وحدى لأدخل مرغمة عالمنا الموحش ... ما أصعب هذه اللحظة! أدرك أننى لن أراها ثانية. لقد كانت الطفلة كريمة معى إذ اهدتنى ذكرى جميلة من عالمها الاّخر. عالم اسمه ( شروق)." استكمل القراءة...



******************
فى الحافلة: كان شيئا غريبا علينا نراه من طفلة فى السابعة. شروق تنفعل و كأنها تجيب اّخرين لا نراهم. تكرر حركاتها بنمطية عجيبة و عشوائية. تدق على النافذة بترتيب منظم ولا تتوقف. لا تنتبه لما حولها من أصوات حتى أبواق السيارات المزعجة فجأة لا تنزعج لها مثلنا. لا تستجيب لقسمات وجوهنا المتعجبة و لا لنبرات أصواتنا الزاجرة. فأصواتنا لا تعنيها. و كأنها وحدها أو قل نحن وحدنا.

سؤال يسكن فى عقول الجميع : هل تتجاهلنا؟ فلم يبدو أننا نمثل شيئا من اشيائها. و تحيرنا: هل كانت تجهل وجودنا أصلا؟ أم  أننا نحن الذين لا نفهم ما تفعله. إذ لا بد أن هناك عوالم أخرى تعرفها وحدها. الواضح أن غلالة سوداء تحجب عيوننا عن رؤية عالم شروق بوضوح كامل.
تنظر من النافذة إلى اللانهاية بعمق كعجوز فى السبعين تتأمل الزمن السائر بعيدا.  اللانهاية هى الشئ الوحيد الذى نتفق فيه مع شروق..و بدون أن تنظر لعينى تبدأ بحركة عشوائية لتحدق فى شئ ما بيدى. تقترب منه مخافة أن يتفلت منها و تبدأ فى لف أصابعها بطريقة غريبة .
الكبر يحول دون القول بأننا نجهل باقى عالمها. و نكابر بأن تعال يا شروق إلى عالمنا الذى نعرفه. فهذا هو الأيسر لنا.
اصغ لكل أصواتنا . أجيبى أوامرنا و نواهينا.
نقسو على سبع شمعات لنطفئها. لتعيش فى ظلمة.
لم لا نتركها فى العالم الذى تراه وحدها جميلا.
زعما بأن عالمنا أفضل من عالمها؟ ما أبرع كذبنا!.
نراها تنسج لنا لوحة من التحركات المنتظمة كمشهد فنى جديد لم نره من قبل.
أراها تنظر للنافذة ثم بدون مقدمات تبعثر كلمات غريبة و فجأة تهدأ لتعود بعد دقائق صارخة بكلمات مسيئة لأمها. تعتذر الأم بانها مريضة بعقلها وسط استهجان البعض مصرين أنها طفلة غير مهذبة. الأم خجلة حزينة. فلا ذنب لهذه البرعم إن أزهرت بنفسجة حزينة.
نهرها السائق أن تكف. تبعه الأب و الأم فلم تستجب. تملل البعض من صراخها. هنا فقط أضافت الأم صفعة على وجه الجميلة أبكتنا جميعا. وكأنها تضربنا نحن. ولسان حالها يقول لنا: ها قد أوجعتها ضربا لكنها لن تصمت. ألا تعلمون ؟ ألا ترحمون؟
اه صغيرتى لقد قدم الجميع لذاته العذر و برأ نفسه من اللطمة الموجعة دون خجل. الكل يبتعد و يتوحد مع عالمه صامتا و يتركها فى عالم من الصراخ. صراخ لدقائق ثم تخلد بعدها للنوم بهدوء عجيب. أهذا هو طريق خلاصها.

******************

اختارت زندى لتنام.  تتحسس ذراعى ثم تنام مطمئنة كملاك.
تتأسف الام. أجيبها بكلمات عفوية: لا عليك أنا سعيدة فليس لدى ما أقدم لها إلا ذاك. فرحت بها و كأنها صغيرتى بل أجمل من كل بناتى. إنها أقربهن لقلبى. لقد استجابت لى و ادخلتنى عالمها. اقبلها ممتنة شاكرة. تضطرب قليلا ثم تهدأ.
تأملتها و خمول يتسلل لعينها. أهى تعبة من الصراخ! لا تعبيرات لوجهها و كأن شيئا لم يحدث.
 سبحانه البديع يصور لنا الجمال فى كل شئ. لكن هل من مبصر؟ نستمتع بمنظرها فى لحظة من لحظات الهناءة القليلة التى تعيشها وسط  البؤس.
ساعة و تستيقظ  عفوية ككل الصغار، و كدنا ننسى مرضها..
تطلب الماء عدة مرات ثم تلتصق بالنافذة توجهها الأم للجانب الاخر بقليل من العنف. تطيب الأم خاطرها. تهدهدها كطفل فى مهده. تمتدحها: شروق جميلة... شروق تسمع الكلام...تأمرها: شروق انظرى هنا.. شروق.... شروق..... لقد اكتوت الأم بنار التعب و البؤس و هى ترعى مريضتها. بينما الان عرفت لماذا لا أرى الا الجنة. نعم إنها الجنة التى نحسدها عليها. ليس لهذه الأم إلا الجنة. إنها أجمل من رأيت من أمهات. ربما تكون الامنا وجروحنا فى الدنيا هى سبيلنا إلى الجنة. حينها ستبرأ كل الجروح.
اسأل أمها عم تعانى؟ ظنا أننى ساقتسم أحزانها فتخف عنها! تجيب أنه شئ فى المخ و تتوصل لمسمى مرضها (التوحد) بصعوبة.  قرروا العلاج الان فقط. و اليوم كانت الجلسة العلاجية الأولى لها بمستشفى العاصمة. لم اقدم لها اية عروض للمساعدة. فقط حزنت لأنهم تأخروا فى علاجها، ربما لفقرهم!
******************
نصل لمدينتنا الصغيرة بعد الغروب. ترغب الأم فى أن أكرمها بزيارة لأن شروق المريضة بالتوحد اتعبتنى طوال الرحلة على حد قولها. أشكرها متمنية لها الشفاء. ثم اكمل طريقى وحدى لأدخل مرغمة عالمنا الموحش ... ما أصعب هذه اللحظة! أدرك أننى لن أراها ثانية. لقد كانت كريمة معى إذ اهدتنى ذكرى جميلة من عالمها الاّخر. عالم  اسمه ( شروق).
******************

تمر الشهور......
  

هناك 18 تعليقًا:

Sonnet يقول...

أول تعليق
!!!!!!!!!
هذه القصة مهداة إلى أم البنات

تم التعديل فجر الثلاثاء 2-2-2010
دمتم بخير

إنسان افتراضي يقول...

بلغة جذابة تحاولين النفاذ إلى داخل عقل طفلة يتعامل معها المجتمع باعتبارها متخلفة عقلياً

قد تدرك هي ذلك أو لا تدركه، لكن يظل المجتمع مخطئاً في نظرته إليها ومذنباً في حقها وحق أمثالها

آلمني مشهد صفعة الأم لطفلتها، ونظرة من لا يعلمون إلى الطفلة باعتبارها طفلة غير مهذبة، وتفسير الأم للآخرين أنها مريضة بعقلها


ربما لأن مرض التوحد في بلادنا ليس بنفس درجة انتشاره في دولة كالولايات المتحدة مثلاً (أو لأن الطفل المصاب به في بلادنا قد يصنف أحياناً كمتخلف عقلياً) فإنني قليلاً ما أرى كتابات (سواء كانت أدبية أو علمية) عن هذا المرض

ومن بين هذا القليل أعجبتني حقاً هذه التدوينة الواقعية التي مست وجداني بعمق

Sonnet يقول...

@ انسان افتراضي
اهلا بك
يسعدني تحليليك للفكرة
الآن استطيع ان اطمان ان فكرتي وصلت للقاريء
دمت بخير

أمل حمدي يقول...

قرأت وتألمت
وكنت قد قمت بعدة زيارات
لمدرسة التربية الفكرية بمدينتي
وأقسم لك أنه يوجد منهم من هو أكثر ذكاءا وخلقا من الطبيعين
أدعو الله أن يصبر الأهل ليأخذوا بأيد أولادهم إلى الجنة إن شاء الله
تقديري لك يا طبيبة

سبايدرمان spiderman يقول...

سؤال جانبي كده
هي فين المدونه الطبيه ^_^

Sonnet يقول...

http://tabibqulob.blogspot.com/

Sonnet يقول...

اهلا ما ما امولة
نتالم لنتحرك و نتغير
بدون الم لا يوجد دافع للتغيير
دمت بخير

المجاهد الصغير يقول...

السلام عليكم
جزاكم الله خيرا
وفقكم الله
دائما تقدم كل ما هو مفيد

Sonnet يقول...

أهلا بالمجاهد الصغير

يا رب تكون عجبتك

لماذا لا تدخل الى هذا الرابط
http://arabicos.blogspot.com/2010/02/sonnet.html

Cardiology Man يقول...

كالعادة تدوينة أكثر من رائعة

ولغة أدبية عالية فوق الوصف

بس عندي سؤال: ما هو مصدر الصورة الجميلة التي مع القصة؟

Sonnet يقول...

@ cardiology man
يا ابني روح ذاكر
إذا كان انا سبت المدونة و باحاول اجهز محاضرة و لم انم من ساعتها
*******
يا ابني الاعدادية
قربت

و الامتحان صعب
*******
صورة من النت
با هزر معاك
عايزاك تطلع الاول زيي
الدحيحية بيشجعوا د سونت و احنا معاهم

http://arabicos.blogspot.com/2010/02/sonnet.html

Sonnet يقول...

@SPIDERMAN
ها هي المدونة الطبية
ذاكر كويس

لجين أبو الدهب يقول...

سبحان الله ..

كم من اطفال مرضى يتعبون من حولهم ..

ولكن الرحمة التى تجرى من بين عيونهم تهون كل شئ ..

شروق فتاة جميلة رقيقة ابتلاها الله وابتلى اسرتها ..

ولعل يكون فى ابتلاءهم خير لهم ..

شفاها الله وعفاها ..

وان شاء الله تشوفيها تانى عن قريب ..

جزاكِ الله خير على سرد القصة ..
دمتِ بخير ..

Sonnet يقول...

سبايدرمان@ spiderman

http://tabibqulob.blogspot.com/

ارسلتها لك على مدونتك
بالتوفيق

Sonnet يقول...

لجين ابو الدهب
تحياتي لك على التعليق الرقيق
و جزانا و ايك كل الخير
مع الود

Ahmed Kasem يقول...

رائع

Sonnet يقول...

@ Ahmed Kasem
شكرا على كريم التعليق

شمس العصارى يقول...

انا قرات التدوينة فى حينها ... ولكن كيف لم اعلق
من اسوا مظاهر المجتمع المصرى عدم تقبله للمريض بل والتذمر من وجوده
على من يعتبون.......... على المريض ام على من ابتلاه
نسال الله العافية لكل مريض ولكل مبتلى
الجهل - الفقر ... هذا ما نعانى منه وهذا ما ينتج اجيالا مريضة وربما معاقة
جعلك الله سباقة للخير دائما يا دكتورة

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...