بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، يوليو 21، 2009

سلامة القس



من رواية سلامة القس
للأستاذ على أحمد باكثير

هذه قراءة ثانية لرواية قديمة و خالدة:
أو ليس من حق قلبه النابض أن يشعر؟ بل و أن يعبر عن مشاعره التى نبتت حين سمع فعشق؟ لقد كان عابدا زاهدا قبلها فازداد عبادة بعدها؟ هل ظنوا أنه سيكون راهبا فى الإسلام وهو الفقيه العالم؟ بل كيف تملك قلبه حبها و استحال كيانه؟ تبدل حال هذا الذى لم يذق و يعلم من قبل هوى النساء كثيرا. و ما أحس إلا هوى ربه و ما فقه عقله إلا علمه و دينه. و لما سمع و رأى اتسع قلبه و عقله لهواها.

كيف استطاع باكثير أن يرسم لنا رجلا مثاليا يحب و يتعبد فى ظل زمان غريب عنا و فى أماكن مقدسة؟ بل إنه فى طيات الرواية يذكر ما دار بعقله بعيد الأذان و عند الطواف بمكة. و رأينا حال العابد المحب إذ زاد وجده ازدادت عبادته وصار يتفكر فى ملكوت الله ثم صار يحنو على المجان و يرثى لهم. و رأيناه ينهى محبوبته لئلا تهم بالمعصية ثم يعود فيحاسب نفسه ليلا و نهارا و يزداد بكاؤه غزارة اليوم عن أمسه. ثم يعلم محبوبته ألا تتهاون عن الصلوات فى نهاية الرواية.

كيف استطاع القارئ أن يتشرب كل هذا فى رواية بلا ضجر و بدون مواعظ صريحة؟ إنه باكثير الذى قدم ما أراد من فكرة لصراع محدد - كأنه سؤال لبحث علمى- داخل رواية رقيقة راقية فصيحة شاعرية. قدم لنا الرواية بدون اقحام و اعتقد أنه لم يفكرفى مواعظ إطلاقا كما يطالب البعض فيما يسمى الأدب الإسلامى. أنا لا أميل إلى إقحام العظات أو تمحور العمل حول عدة أوامر و نواهى افعل و لا تفعل. و لقد شملت مكتبته العديد من الأعمال التاريخية و الإسلامية. و سنحاول أن نقدم لكم ما نستطيع منها.

إنه السهل الممتنع الذى جعلنى اكمل الرواية و التى تقع فى 180 صفحة من إصدار مكتبة مصر - دار مصر للطباعة. رشفة واحدة لكى اتعلم و أعرف كيف نسج هذه الرواية جيدا بدون تعقيدات. و لا أخفى أننى قرأتها شعرا فى البدء فكنت انتقى لآلئ الأشعار المنمقة بين الصفحات ثم أعيد قراءة الرواية. و كان عرض الأبيات منفردة و متتابعة يكفى لأن تفهم القصة و يوحدك بمشاعر الحبيبين.

لم يلغم باكثير روايته بالعديد من الأحداث و الأبطال فضلا عن عفوية التفاصيل من محاولة للم شمله مع محبوبته. فكل مرة يتفرقان فى آخر لحظة بانتقال الجارية سلامة لسيد جديد. أما التفاصيل الفكرية فكانت فى الانتقال لمحبة جديدة و ما خلفت فى عقل و قلب عبد الرحمن العابد المحب. و مابين هذا و ذاك كان هناك حس مرهف و عواطف جياشة أحكم المؤلف تبادلها بين المحبين.

و ابتدأ باكثير روايته بآية و اختتمها بآية. جعل نصف القصة الأول من الآية الأولى. و النصف الثانى ينبع من الآية الثانية، بل إن الفصل الأخير يتمحور حولها خاصة. فإذا أرادت سلامة أن تكون كما كان هو من المتقين و ليس من الأعداء بمعصية. أراد باكثيرو أراد القراء أن يلتقيان بعد حين أو يومئذ (فى الدنيا أو يوم القيامة أو فى الجنة)، ولم تخبرنا الرواية عما حدث.

اللغة فى هذه الرواية فيها الكثير من اللغة الأم و التى لم تتحرف بعد. كقوله: فما عدا مما بدا. وفيها ما يناسب عصرها مثل تجمجم و الطنافس و الزرابى و الأشعار الدارجة على لسان المجان و الجوارى من أهل الحجاز و غيرها من المفردات. كما أن أسماء الشعراء مثل عمر ابن أبى ربيعة و أسماء الحكام و غيرهم مثل يزيد بن معاوية و ابن سهيل نقلتنا لعصر قديم بشخوصه و لغته.

و آثرت أن أعرض لكم جملا من الفصل العاشر و هو مادار بعقل كل من قرأ الرواية -على ظنى - قبل أن يجده فى وجدان عبدالرحمن القس و حديث أبى الوفاء. و تلخص هذه الجمل الكثير من الصراع فى قمة الرواية :

إذ نصحه أن لا يعرض تقواه للتجارب متكلا على صمودها لهجمات الهوى، وثباتها فى معارك الفتون. لعلمه أن النفس أمارة بالسوء. و أن ملاك التقوى الابتعاد عن موطن الشر والفرار من أماكن الريبة....

• إنها قد دعته و لو أجابها لزلت، فكأنها بهذا قد زلت...

• ثم ما هذه المحنة التى بلى بها؟ أشر أريد به أم أراد به ربه رشدا؟...
(و لا يخفى على القارئ الفطن تأثره بالقرآن الكريم)

• و استمر عبدالرحمن على هذا النحو يوازن بين حاضره و ماضيه فيجد الرجحان لحاضره، أو يميل قلبه إلى ترجيحه فيصدقه عقله، فأحس عند ذلك بطمأنينة تنزل فى قلبه،....


ثم اهديكم بعضا مما ورد في الرواية من أشعار:

لا أعتق الله رقى من صبابتكم ما صرنى أننى صب بكم قلق
يتوق قلبى إليكم كى يلاقيكم كما يتوق إلى منجاته الغرق
***
سلام هل لى منكم ناصر؟ وهل لقلبى عنكم زاجر
قد سمع الناس بحبى لكم فمنهم اللائم و العاذر!

***
قالوا أحب القس سلامة وهو التقى الناسك الطاهر
كأنما لم يدر قبلى الهوى إلا الغوى الفاتك الفاجر
***
يا قوم إنى بشر مثلكم و فاطرى ربكم الفاطر
لى كبد تهفو كأكبادكم و لى فؤاد مثلكم شاعر

***
علام سلبت يا سلام قلبى؟ فعاف الرشد واستحلى الضلالا
وقبلك ما عرفت سوى صلاتى و لم ينل الهوى منى منالا
سمعتك فاجتوانى نصف عقلى فلما لحت لى ارتحل ارتحالا
عذيرى الله من بصرى و سمعى! فقد كانا على قلبى وبالا
دعينى استقيلك بعض لبى ولب المرء أفضل ما استقالا
أهابك أن أقول بذلت نفسى ولو أنى اطعت القلب قالا
حياءا منك حتى ذاب جسمى وشق على كتمانى و طالا
***
أقول لقلبى كلما زاد خفقه إلام يعنيك الأسى و التذكر
تصبر! فصاح القلب هبنى احتملته بصبر فما يجدى على التصبر
***
و لو اسطعت بعت عمرى بيوم فيه ألقاك يا أعز الصحاب
يا حبيبى إن جار دهر علينا وسقانا بالبين مر الشراب
فالليالى تفنى و حبك باق فى فؤادى ومثل ما بك مابى
شهد الله أن حبك عف سيكون الشفيع يوم الحساب


*********************************************
تحديث
تم تغيير رابط المجلة
تحياتى

ليست هناك تعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...